في أسلوبها لإعادة «منتجة» تاريخ العالم، تستخدم المؤسسة السينمائية الأمريكية (المعروفة باسم هوليوود) أسماء تاريخية مشهورة تعيد تعليبها في شخصيات جديدة لتصبح «ماركة» تسويقية جديدة، فتحقق بذلك عدة أهداف بينها الاستفادة من القيمة الرمزية العالية الموجودة في تلك الأسماء، ومن ثم إعادة خلقها بحيث تصبح اسم علم جديد ينافس القديم قيمته الرمزية، منتقصاً منها أو محوّراً إيّاها أو حتى مشوّهاً لها.
من ذلك ما جرى باسم رامبو، الشاعر أيقونة فرنسا الحداثية وذو السيرة الغريبة وهو الذي حارب في صباه في الجزائر وسافر الى مدن كثيرة بينها عدن، فقد تحوّل على يد سيلفيستر ستالوني في فيلمه «الدم الأول» الى إسم علم على محارب أمريكي برّي يمتنع على الترويض ويقاوم وحده سلطة غاشمة وغبية.
أما فنانو النهضة الإيطاليون الكبار مثل ليوناردو ورافاييل ومايكل انجلو فأصبحوا شخصيات «سلاحف النينجا» المحاربة في نيويورك، وفي حالتي الشاعر الفرنسي وفناني النهضة الإيطاليين استخدمت الأسماء الشهيرة بطريقة تضعها في الجانب الإنساني البرّي ولكن الخيّر الذي يواجه الطبيعة والأشرار، بما فيها السلطات الغبية والغاشمة.
غير أن هذا لم يحصل مع هانيبعل، أحد أكبر أقطاب الاستراتيجية العسكرية في العالم، والذي قاد جيوش قرطاج الفينيقية من أرض تونس الحاليّة عابراً جبال الألب للهجوم على روما في محاولة لإنهاء نزاع تاريخي طويل بين المدينتين، فاسم هانيبعل صار، عبر هوليوود، عنواناً لذكاء الشيطانيّ الشرّير واسم علم للمجرم المتوحّش من أكلة لحوم البشر، في فيلم «صمت الحملان» الشهير.
تستعيد إسرائيل فيما سمته «نظام هانيبعل» حكاية قائد قرطاجة العظيم الذي احتاط من الوقوع في أسر أعدائه بتناوله سمّاً مخبوءاً في خاتمه، ولكنّ استخدام تل أبيب المفترض لهذا النظام أثناء حربها الأخيرة على غزة أسفر عن قتل ما يقارب 150 فلسطينيا مدنياً وإصابة قرابة 450، فالمقصود من العملية لم يكن قتل الضابط هدار غولدين الذي اعتبرت إسرائيل أن حركة «حماس» قد أسرته بل كان استخدام ذلك ذريعة لتنفيذ مجزرة قتل جماعي ضد الفلسطينيين.
حفاظاً على سمعة «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم» سرّب مكتب الادعاء العسكري العام في الجيش الإسرائيلي إمكانية إجراء تحقيق في المذبحة وكان رد فعل مئات الضباط منع ذلك، وهو رأي وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون، في سياق إخفاء «الدولة الديمقراطية» للجرائم التي ارتكبتها خلال حرب «الجرف الصامد»، والتي فتحت فيها خمسة ملفات فحسب بينها تدمير مدرسة وكالة الغوث، وقتل أطفال يلهون على شاطئ البحر، وتدمير بناية في خان يونس مما أدى لقتل سكانها الـ27، بينما تترك جريمة رفح المذكورة، وجرائم مثل قصف مستشفى الوفاء في حي الشجاعية وتدميره بالكامل، واستخدام مدنيين دروعاً بشرية، وقتل امرأة احتمت بالجيش الإسرائيلي، وقصف سيارة إسعاف وقتل سائقها بعد طلب الجيش نفسه منه إخراج مريض من منطقة قتال.
يدخلنا توظيف هوليوود والجيش الإسرائيلي لسيرة واسم هانيبعل في صلب سياقات الصراع العالميّ، حيث يترافق استخدام الصواريخ والطائرات والدبابات، مع استخدام تأويلات التاريخ والجغرافيا والأديان وإعادة تشغيلها حتى ضد أصحابها الفعليين (بما في ذلك اليهودية نفسها والتي حوّلتها الصهيونية من دين شرقيّ إلى مشروع سياسي غربيّ للسيطرة على المشرق العربي).
الصراع في فلسطين والمنطقة العربية، بهذا المعنى، صراع سياسي وثقافي وحضاري أيضاً، وهو ما يوجب علينا أن نعيد قراءة العنوان الملتبس لهذه الزاوية وسحب خيط هانيبعل، وهو أحد أسلاف الكنعانيين الفلسطينيين، من عباءة إسرائيل المشبعة بدماء الفلسطينيين والعرب.
رأي القدس