“جرادة” المغربية.. أنين في “باطن الأرض” للبقاء على قيد الحياة

حجم الخط
0

الرباط- إبراهيم الجابري: لا تُذكر مدينة جرادة المغربية (شرق) إلا مقترنة بالفحم، فقد كان استخراج الفحم هو النشاط الاقتصادي الغالب في المدينة ونواحيها، والآن أصبحت مناجمها العشوائية تلفظ الجثث وتثير الاحتجاجات.

قبل اكتشاف الفحم الحجري، سنة 1927، في جرادة لم تكن ظروف حياتها سهلة، بسبب مناخها المعروف بالبرودة الشديدة شتاء والحرارة الشديدة صيفا، فضلا عن أمطار غير منتظمة.

تقع المدينة على الحدود مع الجزائر، وتبعد عن مدينة وجدة، عاصمة الشرق المغربي، بنحو ستين كيلومترا.

منذ تسعينيات القرن الماضي ألف أهالي جرادة العيش على اقتصاد رعوي، في تناغم تام مع دوران عجلة الطبيعة وأجوائها المتقلبة، وكانوا يضطرون إلى الرحيل بحثا عن الكلأ، كلما أتى العام الفلاحي، بما لا تشتهيه أنفُسهم.

** مدينة مزدهرة

المفاجأة السارة كانت بشيوع خبر اكتشاف الفحم الحجري في ضواحي جرادة، بعهد الاستعمار الفرنسي، عام 1927، ما حول المدينة المنسية إلى مدينة اقتصادية مُزدهرة تتسم بحركة دؤوبة تُؤذن بحال يبشر بالخير.

رغم الاستغلال، وغيره من الظروف اللاإنسانية التي تعرض لها العمال، إلا أن العمل في شركة “شمال المغرب للفحم” ساهم بشكل كبير في التخفيف من مُعاناتهم والتنفيس عن كُرباتهم الاجتماعية.

إلى الأحسن بدأت تتغير حياة جرادة، حينما فتحت صدرها لاحتضان واستقبال “الضيوف” من العمال القادمين من مناطق مختلفة من المملكة، والذين بلغ عددهم حوالي خمسة آلاف عامل.

ومع زحف الزمن فقدت المدينة منظرها الرعوي الفلاحي القديم، حيث شيدت المنازل بلمسات هندسية عصرية، وتوسعت طرقاتها وأزقتها، وظهرت أماكن التسلية.

لكن أهالي جرادة، البالغ عددهم نحو 43 ألف نسمة، ارتدوا رداء الحزن، وانقلبت حياتهم رأسا على عقب، بإغلاق السلطات “شركة مفاحم المغرب”، عام 1998، بعدما عجزت عن دفع أجور العمال؛ بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج.

آنذاك فسرت السلطات المغربية إغلاق الشركة بنُضوب الفحم الحجري، وانخفاض ثمنه في الأسواق الدولية، وتعهدت بإيجاد حلول اقتصادية، بعد اعتصامات واحتجاجات عمالية صاخبة.

** مناجم الفحم السرية

في ظل انسداد الآمال أمامهم، بسبب غياب أي بديل اقتصادي آخر، اضطر الأهالي إلى البحث عن لقمة عيش تقيهم السؤال، عبر النزول إلى “مناجم الفحم السرية”، مُغامرين بأرواحهم.

مع فجر كل يوم، وفي ظلام دامس، ينهض العمال مُكرهين من فراشهم الدافئ للذهاب إلى مناجم الفحم، بعد توديع زوجاتهم وأمهاتهم.

يحملون في أيديهم معدات بدائية، لا تضمن لهم السلامة، وشموع سرعان ما تنطفئ جذوتها في أعماق المناجم؛ بسبب انعدام الأوكسجين.

يقتفون أثر الفحم، ويعملون على تثبيت محيط المناجم المحفورة بجذوع غليظة من الأشجار المقطوعة من الغابة المُجاورة لهم.

داخل مناجم، يتراوح عمقها بين 40 و50 مترا، لقي الكثير منهم حتفهم، إما بسبب انهيار تراب المنجم أو تفجر المياه الجوفية، لكن رغم هول الحوادث المميتة يستمر العمال على دأبهم.

زمن “الذهب الأسود”، كما يطلق عليه الأهالي، أصبح من الماضي، وبات مجرد ذكريات.

بعد سنين طويلة من العمل في “شركة مفاحم المغرب” أضحى الأهالي لا يتصورون حياتهم خارج “باطن الأرض”، وكأن المناجم باتت الأكسجين الذي يتنفسونه، رغم تغلغل مرض السيليكوز (مرض تنفسي يصيب الرئة) إلى رئتهم، وفتكه بعدد كبير من العمال، فقلة قليلة منهم تبلغ سن التقاعد وهي مُعافاة.

ارتفاع نسبة البطالة في جرادة يزيد الوضع سوءا، مما يلح على فئة معتبرة من العاطلين عن العمل إلى تحمل ظروف العمل القاسية والأجور الهزيلة في مناجم الفحم السرية.

** احتجاجات غير مسبوقة

في قلب أحد المناجم لقي الشقيقان الحسين (27 عاما) وجدوان (30 عاما) الدعيوي مصرعهما؛ ما فجر احتجاجات شعبية غير مسبوقة خرج فيها الآلاف، منذ 22 ديسمبر/ كانون أول الماضي، وتزامنت مع توتر اجتماعي اندلع عقب غلاء أسعار الماء والكهرباء.

ويرفع المحتجون مطالب منها: “ضمان بدائل اقتصادية”، وفك العزلة عبر فتح المسالك الطرقية (تمهيد الطرق)، ومراجعة أسعار فواتير الماء والكهرباء وإنشاء مدارس وملحقة جامعية، فضلا عن دعم صغار الفلاحين، وتعزيز البنيات التحتية والتسوية العاجلة لوضعيات مرضى السليليكوز والأرامل وحوادث الشغل والمطرودين.

وقال غزيلي عبد المولى، ناشط حقوقي وإعلامي في جرادة، للأناضول، إن “العدول عن الاحتجاجات الشعبية سيكون عبر التجاوب مع مطالب المحتجين، والتعبير عن الإرادة في محاسبة بارونات المناجم بأثر رجعي، وخلق بديل اقتصادي ومراجعة فواتير الماء والكهرباء”.

ولفت إلى أن “السلطات لم تسع إلى ردم مناجم الفحم الحجري إلى حد الآن”.

وشدد الناسط المغربي على أن “المحتجين يطالبون الحكومة المغربية بإجراءات ملموسة”.

** فقر وتهميش

وفق الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان (غير حكومية)، في بيان، فإن تطورات أحداث جرادة كشفت عن واقع الفقر والتهميش والمعاناة التي يعانيها السكان، مقابل ما أسمته بــ”بالريع والفساد الاقتصادي والسياسي، وتردي الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية”.

ويتهم المحتجون “أعيانا” محليين باستخراج الفحم بثمن زهيد من مناجم مُغلقة رسميا.

وأعربت المنظمة الحقوقية عن رفضها أرضية الحكومة في التعاطي مع الإشكالية الاقتصادية والاجتماعية.

وتسارع الحكومة المغربية الخطى لإطفاء لهيب الاحتجاجات، بعدما أبدت تفهمها لمطالب، التي يعتبرها المحتجين “عادلة ومشروعة”.

وأعلنت الحكومة، في 16 يناير/ كانون ثان الماضي، عن خطة عمل للاستجابة لمطالب السكان العاجلة.

وتهدف الخطة إلى إيجاد فرص عمل، وإنشاء محطة حرارية (لتوليد الكهرباء من الفحم الحجري) خامسة في جرادة، وإعطاء الأسبقية في التوظيف لسكان المنطقة، دون تحديد موعد لبدء تنفيذ الخطة.

ووفق أرقام المندوبية السامية للتخطيط (هيئة إحصاء رسمية)، فإن جرادة من أفقر مناطق المملكة المغربية.

وعامة، تشكو جرادة من مشاكل تتعلق بالمجال البيئي، من خلال تقطيع مجموعة من الأشجار، وتلويث المياه، إضافة إلى التلويث الناتج عن المحطة الحرارية في المدينة. (الأناضول)

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية