بدأت فكرة استثمار نجاح الأفلام بإضافة جزء أو جزأين للسيناريو أو القصة مع تعسر الإنتاج والخوف من عدم صلاحية المنتج الجديد، وهي حيلة مبتكرة انتقلت لسوق الإنتاج المصري عبر التجارب العالمية، متمثلة في بعض الأفلام الشهيرة، مثل الأب الروحي وسلسلة أفلام رامبو وطرازان وروميو وجوليت وجيمس بوند وغيرها.
وقد وجدت السينما المصرية ضالتها في عملية الاستنساخ، حيث التحضير والتعليب للأفكار الجاهزة، وسرعة إسعاف السوق وتلبية احتياج الجمهور، بدون بذل الجهد وعناء البحث عن فكرة جديدة ومختلفة تكون إضافة حقيقية للكاتب والمخرج والأبطال، وإزاء الاتفاق الضمني بين البعض من صُناع السينما شاعت الظاهرة وتشكلت ملامحها من تعدد التجارب المتكررة للنماذج الناجحة من الأفلام، التي اكتسبت شهرة واسعة بتأثير الإقبال الجماهيري الكاسح الذي جعل من عناوين الأفلام علامات تجارية مضمونة التسويق والترويج والربح.
وربما ثلاثية نجيب محفوظ، «بين القصرين» و«السكرية» و«قصر الشوق» هي ما فتح الباب أمام المنتجين والمخرجين وكُتاب السيناريو، وأكد صلاحية الفكرة التجارية وجعلها مقبولة بشكل كبير على مستويات كثيرة قبل حوالي نصف قرن أو يزيد، خاصة أن رواية «الحرافيش» خضعت هي الأخرى للقسمة السينمائية وتحولت إلى مجموعة أفلام كان من أهمها «الحرافيش» و«الجوع» و«المطارد» وكلها حققت النجاح المرجو وبقيت رصيداً تراثياً مهماً أضيف لأرشيف السينما المصرية والعربية، وشارك بعضها في مهرجانات دولية وحصل على جوائز معتبرة.
وبالقطع حدث تمدد للظاهرة ذاتها فاستُثمرت أفلام مثل «خلي بالك من زوزو« الذي تجاوز المقاييس المعهودة للاستمرار في شباك التذاكر وحقق مئات الآلاف من الجنيهات، فشجع على إنتاج الجزء الثاني منه « أميرة حبي أنا « بالأبطال أنفسهم والمخرج نفسه، وكان حينئذ مؤشراً على النجاح المدوي فلم تتوقف المسألة عند هذا الحد، وراق لصُناع السينما وتجارها المضي قُدماً على النهج ذاته، ورأينا في ما بعد استسهالاً نتج عنه هبوط في المستوى العام لسوء توظيف الأفكار وعدم العناية بتطوير المعالجات لتكون ملائمة للمراحل والفترات.
وبدأت عملية تمصير النصوص الأجنبية لتتوازى مع خط الاستنساخ المصري – المصري، وكلها رسمت خيوط النسيج السينمائي للفيلم سريع التجهيز.
وبدأت عملية تمصير النصوص الأجنبية لتتوازى مع خط الاستنساخ المصري – المصري، وكلها رسمت خيوط النسيج السينمائي للفيلم سريع التجهيز، وكلنا يذكر فيلم «البؤساء» لحسن الإمام فهو ناتج الثقافة الأوروبية وأحد دلالات التأثر بها ولم يكن نموذجاً فريداً لاقتباسات الإمام من السينما العالمية، ولكنه كان حلقة في سلسلة طويلة مديدة بدأها مخرج الروائع واستمر فيها آخرون صنعوا لأنفسهم أمجاداً وتربعوا بفضلها على القمة، وعلى سبيل الأمثلة فقط نذكر فيلمين مهمين للنجم أحمد حلمي هما «ألف مبروك» و«على جثتي» فهذان الفيلمان من أنجح ما قدمه الفنان الشاب على المستوى النوعي في مشواره الفني المتميز.
وبالعودة إلى سينما الأجزاء نعرج على فيلم «بين الأطلال» لفاتن حمامة وعماد حمدي والذي ظهر منه الجزء الثاني بعد ما يقرب من ربع قرن بعنوان «أذكريني» ليتقاسم البطولة فيه نجلاء فتحي ومحمود ياسين ويظهر فاتراً ليس به من وهج التجربة الأولى ما يعادل مستواها وعمقها، واستهوت حرفة القص واللصق الكُتاب والمخرجين فاستمرأوها ولم يعدلوا عنها وصارت علامة من علامات النجاح بدلاً من أن تكون دليلاً على الإفلاس، ففي فترة التسعينيات قدم نور الشريف من إنتاجه وإخراجه وبطولته الجزء الثاني لفيلم «حبيبي دائماً» تحت عنوان «العاشقان» وكانت تجربة غير موفقة من جانب النجمين الكبيرين نور وبوسي اللذين خانهما التقدير الصحيح لحسابات الزمن والسنين وطبيعة المجتمع والمرحلة العمرية التي أصبح البطلين عليها، ولم تكن لائقة ببعث الحالة الرومانتيكية بحيثياتها الأولى من جديد!
ورغم فشل معظم التجارب في أفلام الأجزاء، إلا أن الظاهرة لم تنته، بل أنها آخذة في التبلور والوضوح فهناك مجموعة أفلام اللمبي والقرموطي وهي ثيمات كوميدية توجه بالأساس للمراهقين والصبية وتعرض في مواسم الأعياد، حيث لا يكون التمييز الموضوعي والتقني شرطاً مهماً لنجاح الفيلم أو البطل، ومن ثم يسهل عرضه وتسويقه، هذه النوعية لا تزال موجودة ومفروضة بقوة الدعاية تستهدف الربح وتعول على القاعدة الشعبية العريضة من هواة الكوميديا والأكشن ورومانسيات عمر وسلمى وبلطجة الألماني وقلب الأسد والأسطورة!
٭ كاتب من مصر