امتطوا ظهر الباخرة وهم يتحدثون في ما بينهم بلهجاتهم المحلية، يستعيدون قصصا عن مدنهم وقراهم في أعماق الجزائر، فقد جاؤوا من شرق البلاد وغربها، وهم يرتدون بدلات زرقاء مع خطين أحمرين على الكتفين، يحمل كل واحد منهم بندقية بارود يتقدمها خنجر، يطلق عليها في القواميس الحربية (بايونات) يعتمرون خوذات معدنية وينتعلون جزمات سوداء اللون، متجهين إلى حربهم ضد الروس. لقد غادروا بلدهم كي يخوضوا حرباً ضد بلد لا يعرفون عنه سوى القليل، وبمجرد أن رست الباخرة في ميناء سيباستوبول، في شبه جزيرة القرم، حتى شرعوا في حفر خنادق وفي نصب متاريس وفي تطويق المدينة، وصاروا في مواجهة 35 ألف مقاتل روسي، وهم يدركون أن نجاتهم مشروطة بقتل خصمهم.
جاؤوا من أجل الحرب ولا خلاص من الحرب سوى بإطلاق النار على أهداف بشرية. أطلق عليهم اسم «الرماة الجزائريين» وكانوا جزءاً من جيش ضم فرنسيين وبريطانيين وعثمانيين في حربهم ضد الإمبراطورية الروسية عام 1853. تلك الحرب التي دامت عامين ونصف العام، سقط فيها عشرات الجزائريين ودفنوا في شبه جزيرة القرم، انتهت بانتصار حلفهم وخسارة الإمبراطورية الروسية، وكانت تلك أول وآخر حرب لهم في تلك الأراضي البعيدة، بعدما تطوعوا في الجيش الفرنسي، الذي احتل بلادهم عام 1830.
من مجاعة افريقيا إلى مجاعة روسيا
بعد انقضاء الأشهر الأولى من تلك الحرب، كان الرماة الجزائريون يُشاهدون ساكنة سيباستوبول وهم يموتون ليس تحت البارود، بل بفعل تفشي الكوليرا والأمراض المعدية، كانت المقابر الجماعية تتسع كل يوم، والأطفال لا يجدون ما يأكلونه، هؤلاء الرماة القادمون من مجاعة في بلدهم سببها الاستعمار في سنواته الأولى، واجهوا المشهد عينه في أرض بعيدة عنهم، لكن حربهم لم تتوقف رأفة بالذين اجتاح أبدانهم الجوع، فقد كان جيش القيصر مدربا على معارك العصابات والكر والفر، كان يحوز قناصة من ذوي الخبرة، وشرعت الرؤوس في السقوط، كان كلما مات جزائري دفن في المكان الذي سقط فيه، وإلى غاية اليوم لسنا نملك معلومات عن هوياتهم.
كانوا في نظر قوات التحالف الفرنسي البريطاني والعثماني مجرد عرب. مجرد (أنديجان) كما سماهم نابليون، بل إن مصطلح (جزائريون) لم يذكر في مراسلات قادتهم.. كانوا أرقاماً في حرب أورو- أوروبية. ففي منتصف القرن التاسع عشر، شرعت الإمبراطورية العثمانية في التهاوي، وفقدت بعضاً من أقاليمها، في حين بدأ توسع الإمبراطورية الروسية (التي كانت تتخذ من سان بيترسبورغ عاصمة لها) وافتكت شبه جزيرة القرم من سلطة الباب العالي، بل واصلت توسعها بحجة حماية الرعية الأرثوذوكسية في شرق أوروبا، ما عجل بتدخل الفرنسيين والبريطانيين، الذين أقلقهم توسع الروس، فانضموا إلى محور إسطنبول، واندلعت الحرب ضد الروس.
لكن الإمبراطورية الفرنسية الثانية ـ حينذاك ـ لم تكن تتوافر على جيش كافٍ للعمليات الخارجية، نظراً لوضعها الداخلي المنفلت، مع توالي انقلابات سياسية متكررة، ثم انخراطها في توسعها الاستعماري في افريقيا، لذلك استنجد نابليون الثالث بقوى أجنبية، من مستعمرات في شمال افريقيا، لاسيما من الجزائر وتونس (في مرحلة موالية من المغرب ثم من دول الساحل) استطاع أن يكسب ثقة بعض العشائر الجزائرية، مقابل هبات عينية، أو وعود سياسية، ويضمن تجنيد شبابهم في الجيش الفرنسي. هكذا انضم إليه المئات من الجزائريين، رأوا فيه قائداً يستحق الولاء، بل من بين من أطلق عليهم «الرماة الجزائريون» كتائب شاركت في معاضدة الفرنسيين في احتلال مناطق جزائرية. هكذا هو التاريخ يخبرنا ـ دائماً ـ أن الناس يميلون إلى الأقوى وليس إلى العدالة. ووجد نابليون الثالث في هذه الكتائب غنيمة من أجل تجنيدها في حربه ضد الروس، فصار الجزائريون خصوماً للإمبراطورية الروسية، التي لم يكونوا يعرفون عنها شيئاً، وحاربوها اقتناعاً منهم بخدمة نابليون وبالمكاسب التي سيخرجون منها، على إثر وعوده لهم في حال الانتصار، وقد نالوا ما وعدهم إياه، مع أنها لم تكن سوى وعود بمناصب سياسية صغيرة ومعونات مالية.
مقابر لا يعرفها أحد
كتائب «الرماة الجزائريين» لها تاريخ يقارب القرن ونيف من الحضور، فقد تشكلت عقب احتلال البلاد، وشاركت مع الجيش الفرنسي في غالبية الحروب الخارجية، بل لعبت دوراً أيضاً في ما أطلق عليه معارك «إحلال السلام» وهي معارك جرت من أجل احتلال بعض المناطق في الجزائر، كما كان لها حضور في الحربين العالميتين، وفي الحرب الهند الصينية، وهي وقائع جرى تدوينها ويمكن العودة إلى أرشيفها قصد فهم تفاصيل مشاركاتهم فيها، لكن حرب شبه جزيرة القرم، كانت الواقعة الأقل تداولاً في التاريخ، ولم يجر حفظها كما ينبغي، ففي المراسلات التي يمكن أن نطلع عليها بين قادة تلك الحرب، من عثمانيين وفرنسيين وبريطانيين، نقرأ شذرات عن دور الجزائريين في تطويق مدينة سيباستوبول، وعن المجاعة التي أصابت تلك المدينة، وما سادها من مقابر جماعية جراء الأمراض التي مست ساكنتها، لكننا لا نعرف ـ بدقة ـ أعداد الجزائريين الذين سقطوا تحت البارود الروسي، ولا أسماءهم، ففي الغالب كان كل جندي يُشار إليه برقم وليس باسم، وينسب إلى كتيبته لا إلى هويته. هكذا لا نعرف من مات ومن دُفن في شبه جزيرة القرم، نعرف أصولهم وأنهم جاؤوا من الجزائر، ودخلوا حرباً لم تعنهم، فالإمبراطورية الروسية لم تكن لها خلافات مع الجزائريين، بل شاركوا في تلك الحرب بالوكالة، مثلما شاركوا في حروب أخرى تحت راية فرنسية، ماتوا ودفنوا بعيداً عن أراضيهم الأصلية، وبالكاد نقرأ شيئاً عنهم يستحق الذكر في المدونات التاريخية، وفي خضم هذا الوضع المشتعل في الزمن الحالي، بين روسيا وأوكرانيا، يجدر بنا أن نتذكر أولئك الجزائريين، ونتساءل عن تبعات ما فعلوه تاريخيا، ومغامرتهم البعيدة فصاروا مجرد جثثاً بينما الانتصار نُسب إلى الفرنسيين والبريطانيين والعثمانيين.
روائي جزائري