يسجّل التاريخ قرابة 24 مشروعاً لإعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن شتى من دول الجوار، سوريا والأردن ولبنان؛ لعلّ أوّل مبادرة في السلسلة تبدأ من جورج ماكغي، منسق شؤون اللاجئين الفلسطينيين في وزارة الخارجية الأمريكية، في العام 1949. الأشهر بينها قد يكون مشروع حسني الزعيم، قائد الانقلاب العسكري قصير العمر في سوريا، السنة ذاتها، والذي عرض توطين 300 ألف لاجئ فلسطيني في منطقة الجزيرة السورية، وقوبل بالرفض من رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي يومذاك، دافيد بن غوريون، بسبب اشتراطات الزعيم المالية التي اقترنت بالعرض.
والأرجح أنّ شطر اللاجئين الفلسطينيين في «صفقة القرن» التي يعدّ لها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي وكبير مستشاريه حول الشرق الأوسط؛ هي المشروع الأحدث في هذا الصدد، رغم المفارقة الصارخة التي تشير إلى أنّ الهدف هذه المرّة ليس التوطين، أو إعادة التوطين، بل تصفية ملفّ اللجوء الفلسطيني، ورفعه نهائياً عن طاولة «القضايا العالقة». وإذا كان كوشنر بالغ الحرص على إبقاء تفاصيل «صفقة القرن» طيّ الكتمان (وعرضة، في المقابل، لكلّ المقايضات الجانبية التي تشتغل على مبدأ مراهنات البورصة في التسريب والتكهن)؛ فإن رسائله الإلكترونية حول مسألة اللاجئين الفلسطينيين، التي يوجهها إلى وزارة الخارجية الأمريكية خصيصاً وكشف النقاب عنها موقع «فوريين بوليسي»، ليست البتة مكتومة أو سرّية، بل إنّ العكس تماماً هو المطلوب.
جاريد كوشنار: يتوجب أحياناً أن تجازف ستراتيجياً بكسر الأشياء لكي تصل إلى ما تريد
تفكيك «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين»، الأونروا، هو العتبة الأولى المباشرة على طريق إزاحة مشكلة اللجوء الفلسطيني عن مشهد الصفقات المقبلة، وفي هذا الصدد كتب كوشنر إلى جيسون غرينبلات، مبعوث الإدارة الأمريكية حول المفاوضات في الشرق الأوسط: «من الهامّ بذل جهد نزيه ومخلص لتقويض الأونروا، فهذه الوكالة تُديم أمراً واقعاً، فاسداً وغير فعال ولا يخدم السلام (…) لا يمكن أن يكون هدفنا هو الإبقاء على الأمور ثابتة وعلى حالها. يتوجب أحياناً أن تجازف ستراتيجياً بكسر الأشياء لكي تصل إلى ما تريد». تاريخ هذه الرسالة يعود إلى مطلع كانون الثاني (يناير) هذا العام، أي بعد أيام معدودات من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة (الخطوة الضرورية لرفع مشكلة القدس عن طاولة قضايا «الحلّ الدائم»)؛ ولكن قبل تسعة أشهر من الخطوة الضرورية التالية: تجميد الدعم المالي الأمريكي الممنوح للأونروا، تمهيداً لتعطيل الكثير من خدمات المنظمة، ومضاعفة عجوزاتها المالية.
من جانبها تسعى دولة الاحتلال، عبر عدد من مجموعات الضغط اليهودية ذات الانحياز الإسرائيلي الأقصى، إلى زجّ الكونغرس الأمريكي في جهد تصفية الأونروا، وتحويل الأموال المخصصة لها إلى جهات أمريكية أخرى تنظم شؤون المساعدات الإنسانية، مثل «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية». هذا ما يقترحه دوغلاس لامبورن، النائب الجمهوري عن ولاية كولورادو، متجاهلاً أنّ الكونغرس ذاته كان قد أصدر تشريعاً يحظر على الوكالة تقديم العون الإنساني للفلسطينيين ما دام بعض ذلك العون يذهب إلى أسر الشهداء (وهم، في التصنيف الأمريكي، «إرهابيون»). جيمس لانكفورد، السناتور الجمهوري عن أوكلاهوما، يذهب أبعد في مشروع قرار يساجل ضدّ منح صفة اللاجئ لأبناء وأحفاد لاجئي 1948 الفلسطينيين (وهذه ذريعة ظلت حتى الساعة تقتصر على الخطاب الإسرائيلي وحده)؛ متناسياً، هنا أيضاً، أنّ وزارة الخارجية الأمريكية تقرّ رسمياً منح الصفة لأبناء وأحفاد لاجئي أفغانستان وبوتان والصومال والتبت وبورما…
وفي غضون طبخ العناصر الأخرى من «صفقة القرن»، لا يخفي ترامب انحيازه إلى نصيحة مستشاره كوشنر، حول إغواء الدول العربية التي تضمّ مخيمات اللجوء الفلسطيني بملايين أخرى، غير الـ365 مليون دولار التي جمدتها الإدارة، تأتي هذه المرّة من دول عربية خليجية سبق للبيت الأبيض أن حثّها على تمويل الصفقة. وبين جزيرة حسني الزعيم و»جزرة» كوشنر هذه، ثمة سبعة عقود من تاريخ تبدّل وتحوّل وانقلب، وبقيت واحدة من معادلاته ثابتة راسخة: تلك التي كانت فلسطين، وهكذا صارت، وتبقى…