جعفر الطفّار: الموقف أساس في حياة البشر ولا أهتم بالسقف العالي ولا بردود الفعل ولن أبيع نفسي لأي مشروع مشبوه

زهرة مرعي
حجم الخط
0

تساءل عن دوّامة معركة الوعي والنضوج وتفجير المرفأ رفع سقف الكلام في «نيترات»

بيروت ـ «القدس العربي»: بليغ توصيف الرابر اللبناني جعفر الطفّار لحال لبنان، وبسيط في آن. ذاك الشاب وجد أن ما يكتبه ويغنيه يضاعف التصاقه بناس الإندرغراوند، ويحفزّه على المزيد من المكاشفة الحرّة والواضحة. مؤخراً أطلّ بأغنية راب جديدة «نيترات» قال فيها بالمسؤولين المتعاقبين في الدولة اللبنانية ما يستحقونه من تحقير.

«نيترات» كتبها جعفر الطفّار وأجاد الرابر أسلوب توزيعها موسيقياً وضبط إيقاعاتها، فجمع بين الموسيقى الشرقية وإيقاع الراب، وراح نحو التجريب حين قرر إيقاعاً منقسماً إلى ثلاثة، في حين أن إيقاع الراب منقسم إلى أربعة. وحين أطلق جعفر الطفّار «نيترات» بحضور الجمهور في حديقة لذيذة – مار مخايل كان يفيض غضباً في كل كلمة ينطق بها، بحق الباحثين عن دم لبناني يتاجرون به ويعتاشون منه.
في سيرة جعفر الطفّار، فهو شاب لبناني من بعلبك-الهرمل، احتفظ بلهجته التي نشأ عليها. درس العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية. وسنة 2014 أطلق ألبوم «عشيرتي» من داخل استوديو «كتيبة خمسة» في مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية. و«كتيبة خمسة» فرقة راب لشباب فلسطينيين كانوا يسكنون مخيم البرج قبل أن يتفرّقوا في أوروبا. صلة الطفّار مستمرة بأسلوب الذي انتقل إلى باريس، وهو رابر مؤثر ومميز في هذا الفن. مزج الطفّار فن الراب بالفولكلور اللبناني كما أغنية الدلعونا ووجد ترحيباً كبيراً، وهو مستمر في تفريغ شحنات غضبه وكتابة الكلام الذي لم يقتصر على حالنا اللبناني، بل لفلسطين حصة فيها، وأسلوب في باريس يلاقيه على الموجة عينها، حيث بينهما استشعار وتفاهم عن بعد.
يُذكر أن «نيترات» جاءت من ضمن أسطوانة تحمل عنوان «بيروت 20/21» جمعت تراكات للعدد من الفنانات والفنانين وأصدرها مهرجان «بيروت أند بيوند». مع جعفر الطفّار هذا الحوار:

○ صدمة تفجير المرفأ أصابت الجميع وإن بتفاوت. كنت قريباً من ساحته فهل شعرت بالراحة بعد كتابة وأداء «نيترات»؟
• إنه أسلوبي في التعبير عن الضغوطات كافة التي أعيشها منذ سنة 2009 إلى الآن. بدأنا العمل على نيترات قبل الإنفجار، وكنّا نصور في الحمرا حين دوىّ الصوت الهائل. لأربعة أشهر متتالية نسيت أني أغني، وأني أكتب الموسيقى، وأني حيال مشروع أعمل لإنجازه. وطوال هذه الأشهر وجدت نفسي في الشارع مع مئات آخرين نزلوا لكنس الزجاج والركام، ولتوزيع الطعام والماء وغيرها من المهام اللوجستية، وليس في ذلك «منّية». بعد مرور أشهر على التفجير أسأل ذاتي لماذا نأكل هؤلاء الذين فجّرونا منذ زمن بعيد. ومن وحي الواقع وكافة تلك المشاعر تابعنا مشروع «نيترات» لكنه في الحقيقة تراك كان قيد التحضير قبل التفجير.
○ كيف تمت مشاركتك في سي دي بيروت 20/21؟
• تجنّبت الاقتراب من منح الإنتاج الفني، والتمويل والصلة مع السفارات، كذلك البحث في سيرة الممول ونظافة كفه. وأرفض الخضوع لأية شروط تقيد حريتي. اختصرت كلّ ذلك، وأخترت لنفسي العيش من عملي كسائق في شركة لتوزيع البضاعة، وبعده أتفرغ لرغبتي في كتابة وتلحين وغناء الراب. إنها كلمات للتعبير وفش الخلق لا أكثر ولا أقل. لكنّهم بعد التفجير لم يتركوا لنا «ستر مغطّى». والعمل الذي كنت أستر نفسي وزوجتي وابنتيَ به، لم يعد يكفي بدل حفاضات لطفل. وعندما أرسل لي أحدهم لينك مهرجان «بيروت أند بيوند» ورغبتهم بإنتاج أسطوانة مشتركة، لم أر مانعاً من التعاون معهم بعد التأكد من أن تمويلهم غير مشبوه. وهكذا تقدّمت بطلبي المرفق بأغنية «نيترات» التي أنجزتها مع الرابر أسلوب، وقُبلت كما هي. ومع بدء التعاون بتّ أقدّر عالياً عملهم الإحترافي، ومصداقيتهم.
○ هذا يعني أنك بتّ تملك الشجاعة في البحث عن الصناديق النظيفة لتقديم مزيد من الأعمال؟
• ليست القضية في الصناديق النظيفة بقدر ما تكمن في تحقيق التوازن لدى الشخص نفسه. لن أترك دعماً وإنتاجاً لأي من أعمالي حين يحقق طموحي. وسأبقى حريصاً على شخصيتي الفنية التي بنيتها بجهد كبير وإنطلاقاً من مبدأ لن يتغير ولن يُعرض يوماً للبيع.
○ قلت أن خروجك من منطقة الدمار بعد تفجير المرفأ استغرق بحدود الساعة. مع اقتراب السنوية الأولى لجريمة العصر هل تعافيت من الصدمة؟
• بل تضاعف عيارها. ما تلا التفجير قد يتساوى وقعاً معه. كثُر المتاجرون بوجع الناس ودمهم، وبالمنازل المدمرة. قبل أن يجفّ الدم بدأ التجار بالبحث عن منازل لشرائها. وصلت الدولة بعد سبعة أيام كنا حينها نكنس الزجاج من الطرقات ونساعد من يحتاج المساعدة. انتظرت الدولة الدعم الخارجي والتمويل، فأهل هذا النظام بكامله يتنفس ويعيش من الأزمات وبشكل رسمي. كذلك هو حال الأحزاب عندنا التي كانت تنتظر سقوط شهيد، فبذلك مزيد من المال.
○ قلت أنك كتبت «نيترات» قبل تفجير المرفأ. كيف تطور التراك لاحقا؟
• لنتناول الموسيقى أولاً والتطور المسجل في هذا التراك. أسلوب فنان مبدع بالأساس، وإيقاع أغنية الراب، مقسوم على أربعة، لكنه صار مقسوماً على ثلاثة. نعم «نيترات» تطورت تقنياً لجهة الموسيقى، وأسلوب الكتابة. وحجم الغضب والحقد الذي تفجّر بداخلي بعد تفجير المرفأ ترك سقف الكلام أعلى. وحجم الضغط النفسي الذي حدث بعد التفجير نقل الأغنية إلى مكان آخر. سابقاً كنت أحسب كي لا يُجرح أحدهم من كلمة، وعزفت عن ذلك في «نيترات». في الجُرح أي كان، فهم فجّروا الناس وتركوهم لقدرهم.
○ وهل يكفي وصفهم بـ«عرصات»؟
• بل قليل عليهم. الأيام تنتظرنا. لم ننته بعد. مكملين.
○ وهل استغرق عمل أسلوب على «نيترات» الكثير من الوقت؟
• بل أنجزها بسرعة قياسية. منذ سمع الكلمات بدأ العمل، وبحدود الأسبوع إتصل بي من باريس قائلاً: إسمع. فيما اعتدت أنتظاره لشهر أو شهرين كي ينجز الأغنية. دخلنا معاً مكاناً آخر من التعاون والعمل، كنّا في مرحلة التنين، والآن في مرحلة الأميرة. التنين والأميرة من مخزون ذاكرتي في الطفولة حين كنّا نلعب الأتاري.
○ جعفر لا يداري ولا يستعمل الأقنعة أو القفّازات. أن تسمي الأمور بأسمائها جرأة أم ماذا؟
• إنه الموقف. مهدي عامل الذي ورد اسمه في إحدى الأغنيات كان يعمل من أجل الناس، لم يكن يداري أو يخاف فهو من الناس الذين يطمح بمستقبل أفضل لهم. مهدي عامل وباسل الأعرج وجورج عبدالله ومؤخراً نزار بنات، جميعهم ضحوا بحياتهم في سبيل مستقبل أفضل لناسهم وأهلهم، ولهذا ليس لنا العودة إلى الوراء ولو خطوة واحدة والبحث في ما قد يشكله الموقف لآخرين. الموقف أساس في حياة البشر، لا اهتم نهائياً بردود الفعل على سقف الكلام. ولن أبيع نفسي لأي مشروع مشبوه، وبالتالي أعرّض اسم جورج عبدالله وباسل الأعرج اللذين أغني لهما لأي تساؤل. ولن أدخل في مشروع يخدم العدو. وهذا فقط ما يشغلني.
○ الرابر المهموم بشؤون وطنه وأهله وناسه هل يعيش معذباً أم يتآخى مع الهمّ؟
• إذا كنّا بشراً سيشعر أحدنا بالآخر. ويتابع ضاحكاً: أهل البقاع معذبون على الدوام فهم يُطربون حزين. يداهمنا الهم منذ الطفولة مع سماع نغمات أسماء الطوائف والمذاهب، والعجز بالإنفكاك عن هذا القدر الذي نجح النظام اللبناني منذ تكوينه في تغذيته. ومن ثمّ تبدأ الطوائف بكمش الأطفال دينياً، وتلاحقهم إلى الجامعة حيث تنتشر الأحزاب. إنها ألعاب هذا النظام بقبحه الظاهر والمخفي.
○ وماذا أخترت في مقابل هذه النمطية المفروضة؟
• أن لا أكون في أي من العلب. خرجت من العلبة التي وضعت تلقائياً فيها بحكم الإنتماء العائلي والمناطقي. واهتم بإصرار أن تتربى بنتاي على الدرب نفسه، وهذا بحد ذاته انتصار في لبنان.
○ ما الذي يفرحك؟
• قد تفرحني ضحكة أحدهم. الفرح غير مُكلف لكننا لا نشعر به. فهل يُعقل أن يشعر أحدنا بالفرح عندما «يفول» بنزين؟ وأن يفرح لغسل وجهه من ماء الحنفية؟ مفهوم الفرح لا يوضع في ميزان الأسعار، يكفي أن يكون أحدنا إنساناً يشعر بمن يراه أمامه، أو بذاك الذي يتقاسم الحياة معه.
○ لم أر صورة لك مع ابتسامة بل الجبين مقطب والشرود مسيطر وخلال الغناء. هل من بتفسير؟
• العقدة تحتاج إلى فك، وهي ترافقني حتى خلال الكتابة. أظن أن مكمن تلك «العبسة» أني أغني كلاماً أفكر به ملياً وأشعره. لست محترفاً في السيطرة على تعابير وجهي، وداخلي ينطبع سريعاً عليه. أحاول تدريب نفسي للسيطرة على تلك التعابير، وفي أعماقي أتمنى الفشل لنفسي، «هيك أريح». متعب تصنع الضحك لأحدهم قصُر الزمن أم طال.
○ كيف قرأت في تنوع الجمهور لجهة العمر في حفلة «جنينة لذيذة»؟
• كان ممتعاً للغاية. وأكد لي بأن خياري في الخروج من العلبة صحيح. منذ الصغر نعيش تهديداً بأن لا نكون مثل هذا أو ذاك، وأن لا نقلد هذا الشكل أو ذاك، كمثل التاتو والقرط وما شابه. تلك الفئة من البشر صُنفت نمطياً بأنها بعيدة عن أي موقف سياسي أو وطني، إنما هذا الحفل ثَبُتَ لي العكس. أنا في الخيار الصحيح، والشخص الذي لا يشبهني في الشكل قريب مني، فهو يحمل مفهوماً موحداً معي لما نعيشه من أزمات. وربما يكون موجوداً أكثر مني على الأرض في تحدي هذا النظام الأبوي، أو في موقفه من الاحتلال الإسرائيلي، أو موقفه من الشعب الفلسطيني أو أي شعب مظلوم آخر. وكذلك موقفه من أي أسير موجود على الكرة الأرضية. مجتمعنا يضع الناس ضمن عُلب، ويسعي لتقسيمه إلى كانتونات على صعيد الحريات البشر الشخصية. ومن يختلف بميوله الجنسية عني ليس عاجزاً عن إتخاذ موقف إنساني. أو عن تكوين موقف سياسي من الاحتلال الإسرائيلي. تنميط البشر ليس مقبولاً وليس عادلاً.
○ الحال أسود من محيط العرب إلى خليجهم هل لاح أمل من «سيف القدس»؟
• بالتأكيد. أعطت الأمل للجميع، ولي شخصياً وبقدر ما أعطته لأهل غزة. ومن كان يشكوا من حماس قبل المعركة، ووقف معها خلالها، وليس لنا المزايدة عليه، بل نكون معه. لا شك أن تلك المعركة نثرت الأمل في كل فلسطين. نريد كلّ فلسطين لا غزة منفردة أو بحيرة طبريا أو الجليل. 27 ألف و27 كلم مربع والشهيد المثقف المشتبك باسل الأعرج كان يردد هذه المساحة ويقول إن أعطونا المزيد لن نرفض، فنحن فلاحون ونحب الأرض.
○ سمعتك في حديقة لذيذة تحيي الصامدين والأبطال في فلسطين. هل هي أغنيات جديدة؟
• فلسطين موجودة معي منذ أغنيتي الأولى، ولا تزال وكذلك الأسرى. لست في وارد توجيه التحية، بل هو تذكير دائم بقضية هذا الشعب المغتصبة أرضه والمعتقل شعبه. والإيمان الثابت الذي نعبّر عنه الاحتلال إلى زوال. هذه الثوابت يجب أن نذكرها يومياً كما الصلوات.
○ ماذا عن تعاونك أسلوب رابر برج البراجنة؟
• مجمل أعمالي مع أسلوب، قليل من الأغنيات نفذتها سنة 2012 مع الرابر أحمد من سوريا والمعروف بال»دوب سناكر». تعاونت معه في مشروعه «خط ثالث» العنوان الناتج عن تصنيفات الناس في سوريا مؤيدي النظام ومعارضيه بعد الثورة وبدء العمليات من قبل «داعش» وجبهة النصرة. نحن لا هذا ولا ذاك، بل في خط ثالث ومع الشعب. وكانت لي أغنيات مشتركة مع يوسف سيوف الشاب الذي لعب على الناي في حفلة لذيذة-مار مخايل. أذاً التجارب معدودة مع يوسف وتجربة يتيمة مع أحمد، وكل ما تبقى مع أسلوب.
○ كنت حاضراً في كافة ساحات الانتفاضة الشعبية في لبنان سنة 2019 هل صدمتك النتيجة؟
• قبل أن نتمكن من استيعاب ما جرى «فجّرونا رسمي». نعم شكلت 17 تشرين أملاً لنا جميعنا، وأي نكسة هي جرح. نعم صُدمت أولاً من كمية التجّار والـ»عرصات» التي كانت معنا في الشارع فقط للوجاهات. صُدمت لكوننا لم نتعلّم في سنة 2011 من مظاهرات إسقاط النظام الطائفي. ولم نتعلم من مظاهرات «طلعت ريحتكم». صُدمت من حجم الملل الذي نخلقه لذاتنا قبل أن يصدمني أي آخر. والصدمة الأخرى كانت من تصنيف بعضهم للساحات بين نظيفة ووسخة رغم رفعهم لشعار نصرة المظلوم. والصدمة الأكبر إننا لم ننضج بعد ونحن في خوض دائم لمعارك الوعي.
○ هل وصلتك رسائل من سياسيين لبنانيين أو زعماء الطوائف كتعليك على فنك الجريء؟
• والحمد لله لا.
○ هل تعيش من فنك؟
• أتمنى أن يكون لي أستوديو خاص بي، وأن تكُبر إبنتي بقربي وهي تعزف البيانو.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية