عند الحديث عن جلال الشرقاوي تُستدعى على الفور صورة المُخرج والممثل الكلاسيكي. فهو من ذلك الطراز النادر الذي يربط الفن والإبداع بالقضايا الاجتماعية ولا يقبل بمبدأ الفن للفن، بمعنى أنه يؤمن بالرسالة الضمنية ومحتواها ولا يرفع الحرج السياسي عن المُصنف الذي تُحتمل فيه الإسقاطات أياً كان نوعها، وسواء كان ما يقدمه فناً سينمائياً أو مسرحياً فهو قابل للتأويل والاشتباك، ولهذا لم يُضبط الشرقاوي ذات يوم مُتلبساً بعمل سوقي أو تجاري، حتى أن الكوميديا عنده في أخف وزن لها تشي بأعراض السياسة وتبعاتها من مردودات تُثير الجدل وتتراوح ما بين الاتفاق والاختلاف.
ومن عينة ما قدمه المخرج الراحل الكبير جلال الشرقاوي وكان له اعتباراً برغم ما يبدو في مواصفاته من خفة وسهولة، مسرحية «مدرسة المُشاغبين» التي أحدثت تحولاً في تجاوب العامة مع اللغة المسرحية ذات الطابع الكوميدي الشعبي، وربما لأن الموضوع المطروح كان له صلة وطيدة بقضية التعليم في مصر أواخر السبعينيات وما اعترى العملية التعليمية من ترهل وضعف وفوضى جاء رد الفعل الجماهيري ممزوجاً بالسخرية والضحك كاعتراف صريح بواقعية الحالة الإبداعية. ولم يعتن المُتلقي كثيراً بفكرة تمصير النص المأخوذ عن مسرحية أجنبية، وإنما كان التأثير المباشر أقوى من الوقوف عند عملية المقارنة بين النص الأصلي والنص المُمصر.
وتعد هذه واحده من الدلائل القوية على فطنة المخرج جلال الشرقاوي ووعيه بما يُحدث الصدمة ويعمل على تحريك الماء الراكد في بحيرة الثقافة المسرحية. وليست هذه هي الحالة الوحيدة التي خلقت حراكاً فكرياً وثقافياً وجددت الدماء في شرايين المسرح المصري، ولكن عمد المُبدع الأكاديمي طوال حياته على الاستفادة من مكونه العلمي التراكمي للدفع بالمسرح نحو التوظيف المُختلف، فهو خريج المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1958 بتقدير امتياز والحاصل على دبلوم علم النفس من جامعة عين شمس ودبلوم الإخراج من معهد جوليان برتو للدراما من فرنسا عام 1962 فضلاً عن أنه صاحب الموهبة الفريدة في التمثيل، ولا شك أن كل هذه المسوغات قد لعبت دوراً أساسياً في تشكيله الإنساني والثقافي فجعلته الأقدر على تحديد مساره الفني بما يتماشى مع تيار النقد الإبداعي والمدرسة الكلاسيكية المُحافظة التي انتمى إليها وتخرج فيها وأسس عليها منهجه الفني مع تلاميذه ومريديه ومن ارتبط به فنياً كسهير البابلي التي منحها عدة بطولات في مسرحيات مهمة كان من بينها «عطية الإرهابية» و«على الرصيف» وهما عملان لم يخرج موضوعهما عن نفس الفكر السياسي النقدي المُعارض الذي آمن به ودأب على ترجمته في معظم ما أخرجه وأنتجه للمسرح المصري، وهو ما لا يقل عن خمسين عملا إبداعيا اكتملت أوصافها وفق معايير الجودة والهدف والمضمون والمعنى.

ولأن أعماله جاءت مُتصلة مُنفصلة من حيث البناء والتكوين والتضمين، فقد كانت مسرحية «الجنزير» ومسرحية «دستور يا أسيادنا» و«القانون وسيادته» و«راقصة قطاع عام» و«إنهم يقتلون الحمير» و«عام الجوكر» عزفاً على ذات الأوتار بتنويعات حادة من ألوان الشغب السياسي المقبول شكلاً والممنوع موضوعاً، حيث لم يكن جلال الشرقاوي مُهادناً ولا مُمالئاً في رسائله ومقاصده، بينما كان حصيفاً ذكياً في تعامله مع إبداعه الشائك فقد أحسن تطويعه فمر بسلام بلا مُنغصات تُذكر، اللهم إلا بعض المناوشات الخفيفة التي لم توقف مسيرته أو تعطلها أو تُصنفه كمخرج ضمن الخطيرين.
ولم يقتصر نشاط الفنان الراحل جلال الشرقاوي خلال مشواره على المسرح فقط، بل امتد إلى السينما والدراما التلفزيونية، فقد أسهم وجوده كبطل مواز للبطل الرئيسي في نجاح العديد من الأفلام والمُسلسلات، ومن أمثلة ذلك دورة المهم في فيلم «موعد مع القدر» مع محمود يسن ونبيلة عبيد ويسرا وفيلم «البدروم» مع سهير رمزي و«خلي بالك من عقلك» مع عادل إمام وشريهان، بالإضافة إلى مسلسل «ملحمة الحب» و«الرحيل» و«المفسدون في الأرض» و«علماء على طاولة الشطرنج» و«العمر بالمقلوب» و«على باب مصر» و«القرار الأخير» و«كليمُ الله» و«حبيبُ الله» وغيرها.
ولا يُمكن استعراض مشوار الفنان الراحل من غير الإشارة إلى دوره كأستاذ ورئيس قسم الإخراج المسرحي وعميد المعهد العالي للفنون المسرحية، نفس المعهد الذي تخرج فيه وشهد أهم مراحل حياته وشبابه ونبوغه.
لقد رحل الفنان في نفس اليوم الذي رحلت فيه الممثلة المسرحية المعروفة عايدة عبد العزيز التي كان لها نصيب وفير أيضاً من الأدوار المسرحية والسينمائية والتلفزيونية، فهي خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1959 حيث عملت في بداية حياتها بوزارة التربية والتعليم كمشرفة على تدريب الفرق المسرحية المدرسية ثم سافرت إلى لندن مع زوجها المخرج أحمد عبد الحليم.
قدمت عايدة مجموعة أعمال مهمة في السينما كان من بينها فيلم «درب الرهبة» وفيلم «النمر والأنثى» كما قدمت دوراً متميزاً في مسلسل «ضمير أبله حكمت» مع فاتن حمامة، بخلاف أدوارها في المسرح، منها «ثمن الحرية» و«شجرة الظلم» و«الأرض» و«دونجوان» و«شيء في صدري».
انتهت مسيرة كل من جلال الشرقاوي وعايدة عبد العزيز وبقيت ذكراهما وأعمالهما في عقل ووجدان الجماهير العربية علامات مهمة تدل عليهما.