«بدنا نروح نحكي» قال الشباب بعد مشاهدتهم عرض «ورق بول»
بيروت ـ «القدس العربي»: فاجأ جلال شعّار المقبلين على عرضه المسرحي «ورق بول» حين وضعهم بالتزامن مع لحظة إضاء المسرح أمام مشهد ثابت غير منتظر. مشهد بالكاد طرأ عليه تغيير في حركة الجسد كمثل تحريك الرأس واليدين فقط. ثبات المشهد، عوّضته غزارة الأفكار والخصوصيات المتبادلة بين الممثلين. هم ثلاثة شبّان يعملون في «مول» جمعهم بيت الخلاء، في ساعة الاستراحة. مكان منح القابعين فيه الأمان والاطمئنان، ففتحوا صندوق مكبوتاتهم المتوارث والتاريخي، فإذا بالرجال في تلك اللحظة الخاصة يصبحون بشراً طبيعيين.
الممثلون الثلاثة شريحة تُمثّل رجال شرقنا المحمّلين منذ الولادة بأعباء الرجولة. وللرجولة في شرقنا مستلزماتها الصارمة، بحيث ترسم حضورهم في المجتمع، والقوة التي يجب أن يتمتعوا بها، إلى أعباء تأمين الأمان لمحيطهم وخاصة النساء والأطفال. شرق موجوع قرر أن يكون ذكوره منكمشين بوجعهم إلى داخلهم، ممنوع عليهم التصريح بالوجع أو البكاء أو الشكوى.
جلال الشعّار مسرحي شاب قرر من خلال مسرحية «ورق بول» أن يفكك عقد الآلام التي عاشها في محيطه منذ الطفولة. كتب النص، وصمم السينوغرافيا والإضاءة ووقّع الإخراج أيضاً.
معه هذا الحوار:
○ «ورق بول» هي المسرحية الأولى في أرشيفك كمخرج؟
• بل الثانية. سبقتها مسرحية استخلصتها من عدة روايات كتبها والدي رحمه الله. كان عملا شبه سوريالي يدور في الفلاة عنوانه «وقصص أخرى». سيناريو المسرحية يبدو أفكاراً تدور في مخيلة أحدهم. تجسّد العرض المسرحي بثلاث شخصيات تنقّلت بين كاريكاتير وآخر، وكأنه صراع في دماغ أحدهم. عرضت المسرحية قبل سنة تقريباً على مسرح دوّار الشمس.
○ «ورق بول» نص وإخراج وسينوغرافيا وإضاءة جميعها من توقيعك. هي تجارب تبنيها للمستقبل أم تقتصد بالإنتاج؟
• تخرّجت من الجامعة باختصاص «غرافك ديزاين وهندسة داخلية». عملت مع أساتذتي بالديكور والإضاءة وغيرها، وبحوزتي شهادات بالخبرة التي حصّلتها، ولا أنفي ضرورة الاقتصاد في تكاليف المسرحية فهذا حتمي.
○ لماذا جذبك المسرح؟
• سنة 2009 تلقيت اتصالاً من صديق يقول لي «بعرفك بتحب التمثيل» ودعاني للمشاركة في دور صغير لصديق له في الجامعة اللبنانية الأمريكية، دور صغير لا نطق فيه، ظهرت في بداية المسرحية، ومن ثمّ في نهايتها.
○ وهل يشبه في حجمه دور علي بليبل في «ورق بول»؟
• لا بل أصغر منه. كانت مسرحية عن الحضارة الإغريقية وباللغة الإنكليزية، ومن حينها جذبني المسرح بل صار غرامي. أعيش في بيئة صعبة فيها الكثير من المشاكل الاجتماعية. الدور الصغير على المسرح أتاح لي بناء علاقات إنسانية، كانت لها أهميتها في مسار حياتي، كذلك كان لسحر المسرح أثره الكبير على مسيرتي. قرأت نصوصاً جعلتني أتعرّف إلى جوانب غنية في شؤون الحياة، وكثير منها يشبهنا.
○ وهل اكتشفت في الوقت نفسه صعوبة تحقيق عمل مسرحي؟
• نعم. خلال عملي مع أساتذتي في مجالات شتى يتطلبها المسرح، بدأت أكتشف بالتدريج مدى صعوبة وصول عمل مسرحي إلى الخشبة، وتأكدّت خلال هذه السنوات كم تحتاج هذه المهنة من التزام. يمكن القول أنّ ثماني سنوات من المران وعيش المسرح بكل تفاصيله، سمحت لي بخوض تجربة كاملة. في مسرحية «وقصص أخرى» حيث وجدت فقط أربعة داعمين آمنوا بعملي وقدّموا لي 400 دولار، كانت كافية لثلاثة عروض، ومع مسرحية «ورق بول» حصّلت تمويلاً صغيراً، ووقف إلى جانبي 16 راعيا.
○ وهل استمرّ الرعاة الأوائل في دعمك؟
• إثنان منهم فقط، والجدد تربطني بهم معرفة وثقة. تربطني بالفريق الذي تعاونت معه جميعه، الثقة والمحبة، وكذلك إصراري على تحقيق ما أخطط له.
○ متى اكتشفت ضرورة وضع مشاعر الرجل الشرقي المكتومة على خشبة المسرح؟ ولماذا؟
• تتشكّل المسرحية بجزء كبير منها من حياتي. نشأت على مفهوم «الصبي ما بيبكي.. بل عليه أن يتقن شغل الخشب، والكهرباء وغيرها. وعليه تعلُّم تحصيل المال». توفي والدي وأنا بعمر الـ14 وقبل وفاته، كنت في كل صيف أخوض في كافة الأعمال، منها تنظيف الصحون، والشوارع وسواها. كان العمل ضروريا لتحصيل المال الذي أحتاجه كي أتعلّم وأصرف على نفسي. كنت أرغب بمتابعة دراستي في الولايات المتحدة وأرى ضرورة للعمل لجمع المال المطلوب. وفي المقابل كان والدي من الكادحين في سبيل العيش وشكّل مثالاً لي. ولدى وفاته عشت عزلة نفسية فلم يكن لدي أصدقاء أعبّر لهم عن ما يجول في خاطري. فقد كان والدي أخي وصديقي. كبرت من دون التمكّن من التعبير إلى أن وصلت الى الجامعة سنة 2015. فبعد دراسة «الغرافيك ديزاين» درست المسرح، وتعرّفت إلى والدي الثاني غيريال يمين، وأستاذي في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، اللقاء معه غيّر نظرتي للكثير من أمور الحياة، وهو من علّمني كيفية التعبير، وهو من أعاد مدّي بالأمان الذي كان لي من والدي قبل رحيله، ساعدني على الكلام دون أي شعور بالخوف، لدي أصدقاء انتحروا لأنهم لم يجدوا من يسمعهم أو يفهمهم.
○ وهل هم كثر بهذا القدر؟
• بالتأكيد. منهم من مات بجرعة زائدة، أو انتحاراً، وهم ثلاثة. سبق وقلت لك أني نشأت في بيئة صعبة، في أحد أحياء بيروت الشعبية. المرّة الأولى التي شاهدت فيها مسدساً كنت في عمر 11 سنة ألعب وأمرح مع رفاقي، أحدهم أعتقد أني أضحك منه فرفع المسدس وقال «بقوصك» قلت «قوّص» ستر الله وكانت الرصاصة «فيشينغ». ومثال آخر عن صديق لي كان مغرماً بصبية، لكن والدها قرر تزويجها لرجل ثري، عندها وجد صديقي الحل في تعاطي المخدرات، إلى أن قضت عليه جرعة زائدة.
○ عندما كتبت وجسدت على المسرح «ورق بول» ماذا غيّرت في حياتك؟
• صراحة ساعدتني على فكّ عقدة الخوف من الكتابة. كنت على قناعة بأن الكتابة تحتاج وعياً، ونضجاً وثقافة عالية. كنت أخشى من كتابة ما أشعر به. شجعني أستاذي غبريال يمين فكتبت وكسرت حاجز الخوف الذي كان يكبلني. الأمر الثاني أننا كعائلة كنا في ظروف مادية صعبة نتيجة الواقع اللبناني. العجز عن تلبية متطلبات والدتي وأخوتي تركني أطرح سؤالا عن معنى وجودي؟ خاصة وأني أعمل فقط في الفن حيث الفرص محدودة.
○ وهل لديك تصور بأن تعيش من الفن وحده؟
• مؤخراً بدأت التعليم ومنه أجني مرتباً يؤمن لي استقراراً لكنه لا يكفي كي أستقل ويكون لي منزلي الخاص. مع مسرحية «ورق بول» وما تلاها، لم أعد أعيش هاجس البحث عن عمل يومي لأتمكن من تحصيل المال.
هل ن○ قول إن «ورق بول» تشكّل مجموعة تجاربك التي صارت نصاً مسرحياً؟
• في المسرحية جزء مني، كما المونولوغ الذي يردده «سمير» في نهاية المسرحية. «سعيد» يمثّل شخصاً كان صديقاً لي في الحياة وكان يعمل مديراً في أحد المصارف، توفي بدون أن يكشف لنا أنه كان يعاني من سرطان الثدي. كان من نوع البشر الذي تربّوا على أن الرجال لا يبوحون بمواجعهم وخاصة سرطان الثدي.
○ أحصيت الكثير من المواجع التي تحاصر الرجل في مجتمعنا الشرقي. ما هو الأبرز فيها؟
• أبرزها أن المطلوب من الرجل هو التأمين والأمان، وهما غير متوافرين على الدوام. أحد أصدقائي قصير القامة، وهو منشغل بمسألة إثبات أنه يتمتع بالقوة. فهو رجل، والرجل في المفهوم العام يجب أن يكون قوياً وهذا ما يسعى إليه على الدوام، وهو يعاني من تواصله مع الفتيات اللواتي يرينه قصيراً. مع الذكر بأن نقاشاً يجري على السوشال ميديا من قبل فتيات، يميل إلى اعتبار قصير القامة غير جذّاب، بحدود 75 في المئة يرغبن بشاب طويل القامة.
○ هذه الأسئلة كم تحتاج برأيك لعلاج نفسي؟
• قد يكون صعباً قبول محيطي وجيلي بالعلاج النفسي. فحيث نشأت تردد أمامنا مراراً وتكراراً، أنّ المرض النفسي غير موجود، والجميع يردد «أنت رِجّال كلو بيقطع»!! ودائماً يردد أهلنا «شو شفتو؟ نحنا شفنا الويلات» عندها تُقمع كافة الأسئلة. لكن في الواقع أن كثيرين من معارفي شاهدوا عرض «ورق بول» دعوتهم بعدها على فنجان قهوة، كان الجواب «بدنا نروح نحكي» فرحت وقلت بنفسي «خي الشباب راحو يحكو». صديقاتي قلن لي بأن العرض المسرحي جعلهنّ يفهمن آباءهم.
○ كأول نص كتبته هل احتجت لمساعدة في ضبطه؟
• كتبته وحدي. فقط أعطاني غبريال يمين شعراً كان الهدف منه اضحاك الجمهور حول قصص صعبة.
○ وماذا قال غبريال يمين عن تلميذه؟
• كان فخوراً جداً بعد العرض، وهذا ظهر في عينيه حين كنت بصدد التواصل مع الجمهور. قال ملاحظاته الإخراجية التي من شأنها أن تدعم ما أرغب بإيصاله للجمهور، وهو بانتظار المسرحية التالية التي أنا بصددها.
○ ألم تشعر بخشية من تنفيذ كافة متطلبات المسرحية بدون عين تراقبك وتضبط الإيقاع؟
• أعتدت هذه المهام. في «رحيل» وثق بي غبريال يمين كثيراً. كما أني شخصياً اعتدت القيام بعدة مهام معاً في الوقت عينه. ومنذ سنة وأنا أحضر لمسرحية «ورق بول» ووضعت تصوراً للديكور والإضاءة وغير ذاك. وبالطبع حجز المسرح.
○ بعد 12 عرضاً هل من أخرى مقبلة؟
• لا جدول لعرضها مجدداً. هكذا هو مسار الإنتاج.
○ هل ترى أنك خضت موضوعاً جريئاً في تجربتك المسرحية الثانية؟
• صحيح. وأي نص آخر محسوب عليَ.