جماجم الثوار الأحرار تنير فضاءات الجزائر… هل يعي الغرب الآن تاريخه البشع قبل فوات الأوان؟!

ما أعظم وأجل رفاة وجماجم الثوار، التي استقبلها الجزائريون بالزغاريد والورود، وما أروع قسمات وجوه ذويهم، الذين ألقوا عليها نظرات الإكبار وهللوا بالزغاريد، وهم يعودون مكللين بتيجان الغار، على وقع صوت أزيز المدفعية الوطنية والمقاتلات الحربية.
كان أسبوعا جزائريا بامتياز على أثير الفضائيات الوطنية والعربية والعالمية، وكذلك الفرنسية، وقد ترجل هؤلاء الأبطال بعد مئة وسبعين عاما على إستشهادهم، فمن قال إن الأساطير الشعبية تموت!
القنوات الوطنية استنفرت، وهي تنقل صور الرئيس الجزائري والمسؤولين الكبار والشعب كله ينحنون أمام النعوش المورقة كرامة وعزة وإباء.
24 ملحمة من أبطال المقاومة، وهم دفعة أولى تنقلهم طائرة وطنية من فرنسا، حيث كانوا شامخين عبر الزمن، أبطال المقاومة الشعبية يعودون إلى الأرض، التي ضحوا مع عشرات الآلاف من مواطنيهم من أجلها بحياتهم وأرواحهم.
تمتزج هذا الأسبوع مشاعر الألم والفرح، لنعيش لحظات تاريخية خالدة.
فهل هي فعلا لفتتة وجزء من عملية صداقة والتئام الجراح عبر تاريخنا، كما يريدها الفرنسيون؟ وهل سيتم التوفيق بين ذاكرتي الشعبين الفرنسي والجزائري؟
إعادة الرفات البشرية الجزائرية، التي كانت موجودة في متحف الإنسان التابع للمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في فرنسا، ربما تعيد لهؤلاء الأبطال التكريم، الذي يستحقونه، وتعيد التذكير أنهم كرام البشر وأنبل أهل الأرض.
الحدث العظيم حظي بمتابعة غير مسبوقة من الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ ثمن الكثيرون هذه الخطوة، خصوصا وأن ملف استرجاع الجماجم كان محل مفاوضات مع الجانب الفرنسي لعقود.
وقد عاش الجزائريون أحد أيامهم الغراء، حينما تذكروا عودة رفاة شيخ الثوار عبدالقادر الجزائري من دمشق، حيث استقبلها الرئيس الراحل هواري بومدين بمثل ما تستحق من تبجيل وكرامة وطنية.
وقد نُقلت جماجم ما يقرب من 37 مقاتلا جزائريا إلى فرنسا في القرن التاسع عشر وعُرضت لاحقا في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس.
ودأب المؤرخون والمثقفون الجزائريون والفرنسيون منذ سنوات على طلب إعادة هذه الجماجم إلى الجزائر.
فبعد نجاح الاستعمار الفرنسي في تصفية ثورة الأمير عبد القادر الجزائري عام 1847 تأججت نيران الثورة ضد الاحتلال في الجنوب بقيادة الشيخ بوزيان.
وبعد حصار دام أربعة أشهر بين يوليو/تموز ونوفمبر/تشرين الثاني عام 1849 قتلت القوات الفرنسية ما لا يقل عن 800 جزائري في معركة واحة الزعاطشة في ضواحي بسكرة واعتقلت الشيخ بوزيان ونجله ورجل الدين الحاج موسى.
وأعدمت السلطات الفرنسية في وقت لاحق الثلاثة في الساحة العامة في مدينة بسكرة التي تبعد 560 كيلومترا جنوبي البلاد، وعرضت رؤوسهم علنا في أسواق المدينة لمدة ثلاثة أيام لتثبيط الثورة.
وقد أكد ميشال غيرو، مدير المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس، وجود 37 جمجمة لمقاومين جزائريين، من بينهم محمد الأمجد بن عبد المالك، المكنى بالشريف بوبغلة والذي قتل في ديسمبر/كانون الأول 1854، ومختار بن قويدر التيطراوي، وعيسى الحمادي، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن علال بن مبارك، مساعد الأمير عبد القادر الجزائري.
وأدت انتصارات عبد القادر إلى إجبار الفرنسيين على إبرام هدنة معه فكانت اتفاقية تافنا عام 1838 التي اعترفت فيها فرنسا بسيادته على غرب ووسط الجزائر.
وشرع الأمير عبد القادر بعد هذه الاتفاقية في تشكيل حكومة وتنظيم الدولة ومكافحة الفساد.
لكن تلك الاتفاقية كانت فرصة لفرنسا لالتقاط الأنفاس لتواصل بعد ذلك القتال ضد قوات الأمير عبد القادر ومع وصول الإمدادات من فرنسا سقطت معاقله واحدا تلو الآخر.
وبعد مقاومة مريرة اضطر الأمير عبد القادر وأنصاره للاستسلام للقوات الفرنسية عام 1847 بشرط السماح بانتقاله إلى الاسكندرية أو عكا، ولكن تم نقله إلى فرنسا وسجنه هناك.
ولكن رئيس الجمهورية الفرنسية، لويس نابليون، قرر لاحقا إطلاق سراحه، فسافر إلى تركيا عام 1852 ومنها إلى دمشق عام 1855، حيث عاش بين أهله السوريين معززا مكرما الى أن لقي ربه.
في 24 مايو/آيار 1883 توفي الأمير عبد القادر في قصره قرب دمشق عن عمر يناهز 76 عاماً، ودفن بجوار الشيخ ابن عربي، تنفيذاً لوصيته، وفي عام 1965 نقل جثمانه إلى الجزائر ودفن في المقبرة العليا.
فالتاريخ يعيد نفسه، لكن بصورة معاكسة هذه المرة. فهل تغسل فرنسا عار استعمارها بعد أن وصل الأمر بنهوض المظلومين فيها وفي أوروبا الاستعمارية ضد التاريخ البشع واستعباد الافارقة، وهل يكفي الاعتذار، كما فعل ملك بلجيكا عن تلك الحقبة في طي هذه الصفحات السوداء؟
إنه زمن الشعوب الحرة، التي لا تنسى ولا تموت، وتأخذ حقها ولو بعد حين، فطوبى لهؤلاء الأبطال يرقدون الآن في أقداس أوطانهم، فلا نامت أعين الجبناء.

أوروبا تتعلم وأمريكا لا

من شاهد الرئيس الأمريكي يهدد ويتوعد عبر شاشة «سي أن أن» الاحتجاجات المناهضة للعنصرية والحركة الاحتجاجية، التي اجتاحت البلاد بعد مقتل الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد على أيدي شرطي أبيض يدرك أن أوروبا تعلمت الدرس أما أمريكا فلا.
ترامب وصف الأحداث المطلبية بـ»الكارثة»، وقال إنها تدار من قبل فوضويين من «اليسار الراديكالي».
ففي أول مهرجان انتخابي له منذ أكثر من ثلاثة أشهر يهاجم الرئيس الاحتجاجات المناهضة للعنصرية. ويحمل وسائل الإعلام مسؤولية تثبيط همم أنصاره عن الحضور، واستشهد أيضا بـ»سوء تصرفات المتظاهرين» في الخارج. هو إذا لا يريد أن يسمع سوى صوته.
ولا يريد أن تزال تماثيل العنصريين، وناهبي الشعوب ومعذبي الفقراء ومستعبدين الأمم.
قال لانصاره «يحاول الهمج اليساريون المعتوهون تخريب تاريخنا وتدنيس نصبنا التذكارية الجميلة وهدم تماثيلنا ومعاقبة أي شخص لا يتوافق مع مطالبهم بالسيطرة المطلقة والكاملة وإلغائه واضطهاده. ونحن لن نتوافق».
وسبق أن هدد ترامب باستخدام الجيش لقمع المظاهرات، التي شهدتها البلاد وتعرض لاتهامات لعدم تعاطفه مع محنة الأمريكيين السود.
هؤلاء لم يطالبوا سوى بالعدل والانصاف، الذي تأخر مئات السنين، والرئيس يريد أن يحكمهم مجددا بهذه العقلية.
وليتها وقفت عند الرئيس، فقد وصف نجله إريك، المحتجين بـ«الحيوانات»، وفقا لما أوردت عدة مواقع إخبارية من بينها موقع «اندبيندنت» وموقع «نيوز وييك» نقلا عن خطاب لابن ترامب في  تولسا في إطار الترويج لحملة والده الانتخابية.
ونقل عن نجل الرئيس «عندما ترى هذا الهراء على شاشات التلفزيون، عندما ترى هذه الحيوانات تستولي على مدننا، وتحرق الكنائس. هذه ليست أمريكا. هذا ليس ما يفعله الأمريكيون.
فاذا لم يكن الآن فمتى ستعتذر أمريكا والرجل الأبيض عما فعله بشعوب العالم؟
فالحق يؤخذ ولو بعد حين، والأيام دول، ويبقى الأحرار ينيرون لنا الدروب، كلما توهنا وضللنا أو أخطأنا الطريق.

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية