ليس واضحاً في أي صدفة سحرية حصل هذا، لكن تفرغنا أخيراً من حديث اللاشيء عن ماذا قيل في “التك تكوك”، ومن أهان الكارثة أكثر، وكيف شعر عومر ادان في عرس عروس ما، وبدأنا نتحدث عن الفيل الذي في الغرفة.
المقصود هو على أي حال الفيل الحريدي الذي في الغرفة. حتى الآن، تغيب تماماً عن حملة الانتخابات الخامسة. والسبب: في هذه اللحظة محظور إغضاب المتفرغين الحريديين، لأنهم من أوائل المغادرين لكتلة نتنياهو بعد الانتخابات التي ستنتهي بلا حسم مرة أخرى على ما يبدو. لكن الكتل عديمة المنفعة؛ لأن هذا الفيل آخذ في الكبر، وإذا لم نجد سبيلاً ثابتاً للتصدي له فلن تقوم لنا قائمة.
هذا الأسبوع نشر تقرير صحافي كبير عن مشكلة التعليم الحريدي، لكن ليس في إسرائيل بل في نيويورك. فقد كشف تحقيق صحافي عن شبكة تعليم غير رسمية تمنع تعليم القراءة أو الرياضيات عن تلاميذها في صالح أيام طويلة ومضنية من الصلوات، الجمارا والتلمود. التعليم متشدد ويتضمن عقاباً جسدياً ولا يعدّ خريجيه لمواجهة العالم من خارج الجالية الحريدية. كيف لمثل هذا التعليم أن يحظى بمليار دولار من التمويل العام في السنوات الأربع الأخيرة؟
تحقيق شائق، لكن على ماذا يشتكون – على جالية من 200 ألف نسمة؟ حبذا لو اشتكوا هنا عندنا. عندها ينبغي أن نأخذ هذه الظاهرة الإشكالية ونضاعفها ست مرات على الأقل، إذ إن حجم السكان في نيويورك يساوي إلى هذا الحد أو ذاك حجم السكان في إسرائيل، لكن الجالية الحريدية عندنا تعد 1.2 مليون. وهذه البداية فقط، إذ تتواصل القصة في إسرائيل مع مخصصات أولاد –يدفع التأمين الوطني على كل واحد مخصصاً إضافياً، ويبلغ متوسط عدد الأولاد في المرأة داخل الوسط الحريدي 6.6، مقابل 3.1 في عموم السكان. ولا حاجة للمرء أن يكون إحصائياً مختصاً كي يفهم الميل.
من هنا، تتواصل القصة إلى ميزانية المدارس الدينية التي يتطلع كل رجل حريدي للوصول إليها، سواء لأجل السماء أم لأجل التملص من الخدمة في الجيش الإسرائيلي. باختصار، لسنا نعيل نمط الحياة الحريدية فقط بعرق جبيننا، بل وندفع للمدارس الحريدية كي تربي الأجيال المستقبلية على نموذج طفيلي يمنع الرجال من العمل. الأفظع هو أننا جميعاً نعرف عن وجود الفيل منذ سنوات طويلة، وكلنا نفهم بأن هذا النموذج يدمر مستقبل الدولة.
السياسة العفنة منعتنا من أن نتعاطى مع الفيل الذي في الغرفة حتى هذا الأسبوع، إذ إن الجميع يحتاجون للمتفرغين الحريديين بعد الانتخابات. لكن هذا الفيل يؤثر على كل شيء، بما في ذلك خطاب مهم عن غلاء المعيشة. صحيح أن الموجة الحالية سببتها ظواهر عالمية عامة في الغالب مثل ما بعد كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، ولكن هناك عناصر غلاء معيشة ترتبط بظواهر خاصة بنا، إحداها أن علينا تمويل معيشة وسط آخذ في الاتساع، مصاب بالفقر والسوق السوداء، والذي لن يغير طريقه. نحن منشغلون جداً بـ “الكتل” التي تعلق في حلوقنا ولا تحسم، والتي توقفنا عن الحديث بجدية عن هذا الفيل مثلما عن كثير من الفيلة الأخرى. الفظيع هو أن معظم احتمالات الصفقة التي عقدها نتنياهو مع حسيدية بعلاز، لن تحقق له النصر، بل سترفع مستوى المطالب الحريدية وتجعلنا جميعاً نعلق عميقاً في الوحل. وأي حل سنقترح؟ دعاية غبية تعتقد بأن كل شيء بسبب الحكم الحالي أو كبديل – كل شيء بسبب الحكم السابق.
ذات مرة كنا نبحث في المشاكل الحقيقية، ننشغل بالأحابيل والصفقات هنا وهناك. أما اليوم فقد غرقت المشاكل الجذرية في بحر من الأحابيل والصفقات. تعالوا ننشلها من هذا البحر، لأن علينا ألا نتخلى عن حلها من أجل نصر مثالي لا يأتي.
بقلم: ليلاخ سيغان
معاريف 14/9/2022