جماليات السخرية في ديوان «قبل القيامة بقليل»

تثير الكتابة الشعرية عند الشاعر حسن بولهويشات الكثير من الالتباس على مستوى التجنيس النصي، ذلك أنه يكتب تجربته في الوجود بطريقة لا تنتسب إلى صوت الآخر، بل تؤسّس لصوتها النابع من الداخل المستفز للخارج، إذ لا أبوتها في ذاتها، فنسغها من شجرة الحياة الممتدة في تفاصيل ملامح كرنفالية تقيمها اللغة في خطاب شعري موسوم بتوسيع المعنى، وتكسير أفق انتظار القارئ، فالشاعر لا مرجعية لديه، سوى نسج نص شعري منفلت من التصنيف الأجناسي، ما يحيل إلى المجازي والاستعاري في تشييد الصورة الشعرية المستفزة والمختلفة عن المألوف، خالقا بلغة المناطقة العوالم الممكنة المتخلّقة من صلب متخيّل يمتلكه الشاعر، فالاستخدام للغة عنده له خاصيته التي تلزمه، المتمثلة في تقويض ملامح اللغة المعتادة بخلق لغة مفارقة، متحرّرة من جينات المسكوك والابتعاد عن الاحتذائية ، مبدعة جينات متجذّرة في تربة الاستعارات وهذا الأمر منسجم مع «قوانين التطور الكوني، التي تفرض على الشعر حتمية التحول في الشكل والمضمون، فلكل زمان إيقاعه وقضاياه وحركة تطور كونية تتحكم في سرعته وطبيعة تداول الحياة فيه» فصيرورة الحياة تحتّم على الشاعر التخلص من موروث الشكل والمضمون بالمهمة السائد لبناء نص يستجيب لسؤال اللحظة التاريخية والحضارية. من هذا المنطلق سنقوم بإغارة مفاجئة على عوالم هذا الشاعر الذي يجمع بين الغريمين الأجناسيين الشعر والنثر، مازجا إياهما في كتابة تقلص الهوة بينهما. قد يكون نوعا من المبالغة إذا قلنا إن نص بولهويشات مفارق ومباغت؛ كلكمة ملاكم مباغتة، لكونه يرسم تجربته بلغة شعرية مفعمة بسخرية تسهم في تبئير المفارقة في الخطاب الشعري الذي يعبّر عنه ديوانه «قبل القيامة بقليل» الأمر الذي يثوّر هذه اللغة ويفتح لها أفقا مغايرا ويشحنها «بطاقة إبداعية فريدة من التشكيل البصري الغني بالدلالات والإيحاءات»، فعلى الرغم من كون المعجم الشعري الذي يوظفه الشاعر بسيطا، لكنه محمّل بانحرافات وانزياحات تنتهك نسق اللغة، من خلال النظم بلغة عبد القاهر الجرجاني، ما يوسّع هذه اللغة ويسهم في تشكيل الخطاب الشعري، فمن العنونة يضعنا الشاعر في أجواء درامية توحي بأن العوالم الشعرية منذورة لهذا النفس التراجيدي، فلفظة «قبل القيامة» إحالة ضمنية على وضعنا في حالة تأهب لولوج تجربة موسومة بلغة المهابة، والجليل الرامز إلى طقوس البعث الوجودي، وليس الأخروي يقول الشاعر مستفهما «هل كان من الضروري/ أن أذبح شجرة بمنشار كهربائي كل ليلة/ وأصنع من الشجرة مركبا/ وأدفع بالمركب السكران إلى الماء/ وأسترخي وسط الماء وأضحك/ أن أعود إلى اليابسة كل صباح/ بزوبعة في الرأس/ وقميص مبتل الأكمام وارتعاش فيي المفاصل»، فالسؤال دليل على أن الشاعر في حيرة من أمره بين الرحيل والإقامة في الأرض/ اليابسة، وبينهما عالم الحلم وأجواء رامبو، من خلال الإحالة على المركب النشوان وعالم الواقع المثير للقلق والتوتر، وتلك ميزة الشعراء الحالمين والمكتشفين لجغرافيات بعيدة في اللانهائي، ولابد من القول إن ملامح التشكيل الصوري واضحة في هذا الديوان، ما يعكس الخلفية البصرية التي يمتلكها الشاعر، فالمشهدية الشعرية تتخلق عن طريق «تشكيل علاقات جديدة بين عناصر متباعدة في المرجعية التصويرية، ولكنها تتأتى من نزعة جلية لممارسة نوع من العنف المتعمد على عناصر صوره «فنلمس عنفا يمارسه الشاعر في تشكيل الصورة (أذبح/ منشار/ زوبعة) فهذا المعجم يكشف عن قمّة الصراع بين الذات في علاقتها بالواقع. إن عنف اللغة من عنف الواقع، وشراسة اليومي، الشاعر، في مساره الإبداعي، يؤسس لواقع جمالي/ شعري مغاير للواقع المعيش، أداته في ذلك اللغة باعتبارها المقوم الأساس في تشكيل التجربة. والواقع مصدر فعل (وقع) الذي يحيل إلى هبوط آدم من الجنة إلى الأرض مقام المكابدة، لذا نجد الشاعر ينوجد بين فاصلين متناقضين مثالي يوتوبي وواقعي، بما يحمله من امتدادات اجتماعية وسياسية وثقافية، مما يولّد لديه حالة الصراع الأبدي بين الذات والواقع. إن هذه حالة الصراع تعبير عن تجاوز الذات للواقع عبْر اللغة المشحونة بالمتخيّل بخلق واقع جديد معالمه تتجدّد وتبتدع وفق رؤية تنحت وجودها من جوهر الوجود.

ديوان «قبل قليل من القيامة» نشيد مأساوي ممزوج بكوميديا، تلعن العتمة القائمة بنثرية تكشف جنون العالم، وترحال في متاهات الحياة الضّاجّة بالمفارقات والمتناقضات، التي تزيد من إبراز التّوتّر القائم بين الذات والوجود، بين الذات ونفسها، بين الذات وأسئلة الإبداع، بين الذات والمآلات التي تنتظرها، حيث الفجائع صِنْو العالَم والخرائب مرآته، التي تعرّي حقيقة القيامة القريبة من الوقوع.

إن جدلية الاتصال والانفصال بين الذات والواقع حتمية تنبني عليها تجربة الكتابة، اعتبارا للأهمية التي تكتسيها في سياق الإبداع، بعبارة جلية إن على الذات أن تحقق التواصل مع الواقع، من خلال عملية التماهي معه، وإعطاء مسافة للتأمل والتفكّر في تحولاته، في ارتجاجاته، لا أن «ترى في النص مستندا تفسر من خلاله ما هو واقعي»، وهنا مكمن العملية الشعرية، وهذا الوضع يفضي إلى الانفصال المرجو بوساطة إضفاء الأبعاد الجمالية على التجربة؛ لإكسابها الطابع الإبداعي عليها. وهنا التأكيد على أن للوصول إلى المبتغى، لا بد من امتلاك مرجعيات فلسفية وثقافية، واجتماعية تعمل على تطعيم التجربة، حتى تبلغ المسعى الجمالي، وتنتمي إلى شرطها الشعري المتمثل في التعبير عن الجوهري في الذات والوجود معا، ولا غرابة في الأمر، مادام الشاعر مالكا لروح العصر المنتمي إليه، والقابض على مكامن سر الوجود، حيث الذات تجابه عالما مملوءا بالخير والشر، الصدق والكذب، الحروب والخراب والقسوة، النهار الليل، ومن ثم فالصور الشعرية نازفة وشاهدة على قيامة وجودية، تحكمها ثنائيات ضدية شحنت الخطاب الشعري بجماليات ساحرة وساخرة لأن الشاعر وهو يفتح دفتر القسوة لنقرأ سيرة اليومي، تكتب قصيدة ملتاعة حارقة، ذلك الشعر المنفلت من سلطة المدح إلى واقع الذم والرفض، ليخلق لغة تسخر من هذا العالم المادي، الأمر الذي دفع الذات الشاعرة إلى تشكيل ملامح واقع متحوّل وذاهب صوب حتفه، إذ فقد الشعر صولته أمام سطوة العمران يقول بسخرية لاذعة: (لم يعد هناك من سبب لأصير شاعرا/ وأسهر الليل فأغدو أصلع من فرط التفكير/ فلا خيّام في صحراء العرب/ ولا شعراء يجلسون تحت الخيام في سوق عكاظ/ ضحك البترول يا أصدقاء/ فنبتت ناطحات سحاب/ وجاء تجار وموظفون/ ومن يفهم هذا العجب: رادارات وتلسكوبات فضائية وقطارات مسعورة/ خيوط موسيقى وأقراص حداثة). فصيرورة الحياة كشفت عنها لغة تحتفي بحداثة حياتية أفقدت الشعر مكانته، وجعلت الإنسان مسجون اليومي والمبتذل. فالشاعر حسن بولهويشات على إيقاع هذه التحولات يسعى إلى توظيف لغة شعرية منثورة، متحررة من القيود التقليدية، قريبة من اليومي واللحظة المعاصرة، ليفتح «أفقا رحبا لإطلاق طاقات الشعر من عقال المعايير التي تمّ التواضع عليها لقرون بوصفها اللزوميات التي لا تستقيم للشعر شعريته بدونها»، وهذا يدل على أن الشاعر يمتلك وعيا جديدا لمفهوم الشعر وللممارسة الشعرية، فأصبحت الكتابة الشعرية «ترتدي النثر بدون أن تموت» بتعبير نظرية فاليري. وما يميز الديوان أنه حمّال دلالات وأبعاد مشحون بنَفَس شعري سمته المفارقة الشعرية، المتولّدة من الثنائيات الضدية التي تمثل خصيصة من خصائص الكتابة الشعري عند الشاعر. لغة شعرية تخلق وجودها التخييلي من مجازات ساخرة، تتحوّل إلى رموز مشحونة بدلالات تحتفي بالحياة في تجلياتها البسيطة وتهكّمها اللاذع المحمّل برسائل، غايتها الانتباه إلى العالم الغارق في قيامته المقبلة، وإلى الذات وهي تواجه مصيرها الوجودي وفداحة الحياة.
يقول: «أن أقف عاريا أمام المرآة/ وأتذكر القرد وأضحك/ أن أسوق السيارة حافي القدمين/في الثالثة ضباحا، وأقف وحيدا أمام القرص الأحمر/ وأشعر باليتم»، ويقول أيضا: «أن أقرأ أشعاري في إصطبل الدواب/ ويصفق البدو بحواجبهم الكثة/ أن أكون أمازيغيا/ وأنتسب للعرب بقوة الشعر/ أن أهرب قصائدي إلى لندن والشام/ وأشتم اتحاد كتاب المغرب/ وبيت الشعر/ بلا سبب واضح».
وما يميّز الكتابة الشعرية عند الشاعر قدرته على اصطياد صور شعرية ذات حمولات مجازية تعرّي حقيقة الذات في مجابهة العري واليتم والواقع المتناقض والمثير للكثير من السخرية، وهنا مكمن جمالية تجربته الشعرية.
إن ديوان «قبل قليل من القيامة» نشيد مأساوي ممزوج بكوميديا، تلعن العتمة القائمة بنثرية تكشف جنون العالم، وترحال في متاهات الحياة الضّاجّة بالمفارقات والمتناقضات، التي تزيد من إبراز التّوتّر القائم بين الذات والوجود، بين الذات ونفسها، بين الذات وأسئلة الإبداع، بين الذات والمآلات التي تنتظرها، حيث الفجائع صِنْو العالَم والخرائب مرآته، التي تعرّي حقيقة القيامة القريبة من الوقوع. ولعلّ الصور المترادفة على مجمل الديوان عبارة عن قذائف لغوية، بإيحاءات دلالية يصيب رصاصها قلب المماثلة في مقتل ويحيي المخالفة بصيغة أخرى بعيدا عن المطابقة، وفي هذا ميْلٌ للابتداع والإقامة في التخوم الملغومة لقصيدة النثر. وبالتالي ينحت الشاعر حسن بولهويشات صوته الشعري المتميّز، بعيدا عن افتعال التجربة وقريبا من تجربة الحياة.

٭ شاعر من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية