جمال أبو غيدا في رواية: «تلاع الريح»: الماضي إله الدم والثأر مُلتهما الحاضر والمستقبل

لماذا يتحكم الماضي في رقاب البشر والمجتمعات، رغم كل التبدلات التي تحل بهم؟ وكيف يتم تأريخه ليأخذ شكلا محددا وانتقائيا دون غيره من الأشكال؟ كيف يتحول الماضي العريض إلى تاريخ ضيق، تتضاءل كثافة أحداثه إلى محطات قليلة ومُنتقاة؟ يتأرخُ الماضي ويُبتسر لأن بعض الكتاب وأصحاب القلم، رأوا ما رأوه مهماً فسجلوه اختيارا، أو رضخوا لتوجيه حكامهم إن كانوا من مؤرخي الملوك والسلاطين، فسجلوه زيفا وتزلفا.
التاريخ هو غير الماضي، وهو، أي التاريخ، ليس إلا ما أنتجه مؤرخون بناءً على ما توفر لهم من معرفة نسبية في جوانب متعينة من الماضي العريض والكثيف والمركب، الذي تتجاوز وقائعه قدرة كل المؤرخين على تسجيله. نعرف بعضا من تاريخ الملوك، وسير الحروب، وتحولات الامبرطوريات، لكن الماضي أوسع من ذلك: كيف مثلاً كان يعيش الناس العاديون؟ كيف كانت تسير سنوات أعمارهم واعمار مجتمعاتهم، كيف عاشوا، وتسالموا، وتحاربوا، وثمة ألف سؤال وسؤال. مع ذلك، يتحول التاريخ المُبتسر للشعوب والأمم إلى «ماض» عريق وتليد، ويُصعّد إلى مواضع القداسة. الأحداث تُختار بجهل أو عناية من الماضي، ثم تقولب في صيغة «تاريخ». بطولات تُضخم بقصدٍ وأمجاد خارقة تُصطنع في الأغلب من قصص أساطير خيالية مموهة بنتف من الحقائق.
بؤس الإنسان لا يقف عند تحويل ذلك كله إلى قداسات تحتل القرون الماضية، بل في تسليمها وبإذعان مُذهل مصائر الحاضر ومستقبلات البشر، حتى لو دفعَ ذلك التسليم الأعمى إلى انتحارات جماعية حقيقية، وليست مجازية، وحناجر المُنساقين تصدح بفداء الماضي العتيد! في أحد أبعادها العميقة، تقدم «تلاع الريح ـ الديماس» تصويرا روائيا بديعاً لهذا البؤس الانقيادي الإنساني في طبيعته، من خلال تمثلاته في أرض العرب. يخترق المؤلف جمال أبو غيدا بتمكن درامي لافت طيات أزمان سحيقة في ماض (أو تواريخ) عرب المشرق، ملاحقاً تأبدات التعلق المَرضي الجماعي المُذهل بالماضي الجبروتي، الذي يطوح بالحاضر ومجتمعاته وشعوبه ويلقي بهم في الفم المُشرع لذلك الإله الأسطوري المُرعب، ليلتهمهم في بطن أساطير قرونه البعيدة.
«تلاع الريح ـ الديماس» هي دولة مُتخيلة رسمتها ريشة أبو غيدا بإتقان في قلب المشرق، في مكان ما يلتقي فيه شمال غرب العراق، وشمال شرق سوريا، اصطنعها مهندسو الاستعمار البريطاني بعد هزيمة الدولة العثمانية، ورسموا حدودها كما رسموا حدود بقية البلدان المجاورة. يتنقل السرد بين ثلاثة أزمان تدور حول وفي تلاع الريح، أولها زمنها الحالي مروياً من قبل إحدى نسائها سليلات المرارة، وهي الدكتورة يمنى فيصل النذيرات، وليدة تلاع الريح في ستينيات القرن الماضي، وخريجة جامعات في بريطانيا في التاريخ والأنثروبولوجيا. والزمن الثاني مُصوِّرا خروج تلاع الريح من نير السيطرة التركية وتحررها على يد «الأصدقاء البريطانيين». والثالث زمنها الغابر، مُتشكلا منذ ما يقرب من ألفية ونصف الألفية على يد مؤسسها الأول ثور بن الأشهب. هذه الازمان تتماهى في ماضي تلاع الريح، الذي يلخصه «الديماس» وهو السجن المظلم المخيف الذي يقبع تحت قلعتها الكبيرة، وقد بناه الجن لمؤسسها مصيرا لمخالفيه. رمزية الديماس بالغة الحدة، فهو المكان الشاهد على أنهار الدماء المسفوكة في «تاريخ» تلاع الريح، وقد تعاقب الولوج إليه المتصارعون على حكمها. مضت أجيال إثر أجيال، لكن ديماس الظلمة والدم ظل باقيا إلى زمن تلاع الريح الحديث.
القلعة هي «الفوق» حيث يحكم الحاكم، والديماس هو «التحت» إلى حيث يؤول المناوئون والمهزومون. جانب من براعة الرواية يتجسد تدوير مصائر المتصارعين بين القلعة والديماس. تقلد كثيرون حكم القلعة وجلسوا على عرشها، ثم ما لبثوا أن خسروه، فألقي بهم إلى ديماسها، ليموتوا هناك، وقد اعتلى فوقهم حُكمَ القلعة خصومهم.

المفارقة الأكثر إدهاشا أن كل من تناوبوا على عرش قلعة تلاع الريح، ثم أُلقوا في ديماسها، أو العكس، هم جميعا من ذرية عطاف أو فرهود، ابني ملكها المؤسس ثور بن الأشهب. انخرط الشقيقان بعد وفاة والدهما المُبجل من كليهما في حروب، وتناوبا الإثخان في بعضهما بعضا. يظفر هذا بالقلعة، ويُلقى ذاك إلى الديماس. ثم يأتي أولاد الاثنين من بعدهما ليرثوا الدم، ويواصلوا حربا ملعونة لا تنتهي. يتجذر انقسام تلاع الريح وناسها بين صفين: صف عطاف وصف فرهود، ذرية عطاف يتمترسون في «أروى» والآخرون ذرية فرهود في «الأبواء» المدينتين الأهم في تلاع الريح. إذا ظفر فريق بآخر ولغ في دمه تقتيلا وتعذيبا وحكما بالنار، إلى أن تتحسن ظروف الخاسر، وغالبا عبر التحالف مع قوى خارجية، الفرس أو الأتراك مثلا، فيستجمع قواه ويطيح بخصمه، ويطلق العنان لمقتلة الثأر الجديد. هكذا هي سيرة تلاع الريح عبر القرون، طرفاها المتنافسان مشدودان إلى ماضي المقتلة الأولى، يتفاخر كلاهما بتاريخ حافل ببطولات خيالية في هزيمة الآخر، ويمجد كلاهما، إمعانا في السخرية السوداء، جدهما الأكبر الواحد ثور بن الأشهب ـ متشدقاً بأنه الأشبه للجد، والأكثر تمثيلاً له.

الطبقة الثالثة وزمنها في الرواية هو الماضي، الذي يبدأ من التأسيس الأولي لتلاع الريح مع ملكها الأشهب. وهنا أيضا تتدخل يمنى لتكشف لنا كتابا (مُتخيلاً) آخر لكن هذه المرة من التراث الذي سجل تاريخ تلاع الريح الدموي ورصد حروب الانقسام الطويلة بين ذرية عطاف وذرية فرهود.

«تحررت» تلاع الريح من الأتراك، لكن لم تتحرر من انقسامتها المديدة. جاءها المندوب البريطاني السامي (المُتخيل) الكولونيل ألكساندر نايجل العسكري، ثم السياسي البريطاني الذي عينه تشرتشل لتأسيس «دولة حديثة» فيها. نايجل هو رفيق حرب لسياسيين بريطانيين دُهاة، نعرفهم ونعرف جزءاً من تواريخهم في المنطقة مثل، لورانس العرب (الجزيرة العربية) وغيرترود بل (العراق) وهربرت صاموئيل (فلسطين) وغلوب باشا (شرق الأردن) وغيرهم. يبرع أبو غيدا في تخليق هذه الشخصية المُتخيلة، فتبدو لنا حقيقية بالفعل، كما بقية السياسيين المعروفين. يُجلسه في اجتماعات سياسية مع تشرتشل، ويُدير حوارات بينه ولورانس، ويُسفره مع الملك فيصل في قطار من درعا إلى حيفا، بعدما أسقط الفرنسيون حكمه في سوريا، ويستجلي في ذلك السفر عقل وتفكير الملك المهزوم. ونراقبُ معه تفاهة الشيخ هزاع عندما أعلمه تشرتشل باختياره لإمارة تلاع الريح وكيف هب من مكانه» واتجه نحو تشرتشل، ثم أحاط بذراعيه وأكمام عباءته المتسخة والبالية حد الاهتراء، برأس السير تشرتشل، الذي فغر فاه دهشة وذعرا مما قام به الشيخ… ولم يكن بوسعه سوى أن يخرج منديله الأبيض من جيب جاكيت بدلته الداخلي، ويمسح صلعته، مما كان قد سال عليها من لعاب الشيخ هزاع».
بريطانيا العظمى «صديقة العرب» تجوس الآن في ديارهم تحت شعار المهمة الحضارية لبناء دول حديثة، وتنتدب إلى كل بلد سياسيين وعسكريين لترسيم الحدود والدستور، وحفظ الاستقرار، وخبراء وجغرافيين للتنقيب عن «الفحم الحجري» النفيس، الذي تود بريطانيا استخراجه، وتوريده في شرايين تجارتها العالمية. لا يتحقق الهدف الأخير من دون بناء «دول مستقرة» تنتهي فيها ثارات العرب القديمة، ويندرجون في سياق النفوذ الامبرطوري الأعرض لعرش جلالة الملك في لندن. نايجل، هو الذي يروي لنا سيرورة التشكل الحديث لدولة «تلاع الريح» في بداياتها، الذي أراد أن يكون أساسه ضم صفي عطاف وفرهود، وزعيميهما الشيخ هزاع والشيخ الثويني، في «وحدة وطنية» تتجاوز الأحقاد التي توارثوها عبر القرون. أراد نايجل أن يتمكن «من اخراج الشيطان من تلاع الريح كما تمكن الرب يسوع من إخراج الشيطان من جسد الفتى المصروع، فالتلاع هي الفتى المصروع».
ينتهي سرد نايجل عند عسر واستعصاء لحظة التشكل تلك، لتقول لنا إن ماضي تلاع الريح ما زال يتحكم في عقول شيوخ قبيلتيها، كلاهما يستقوي بالمستعمر، ويُظهر بأنه الأفضل لحكم التلاع. كلاهما يقدم أوراق اعتماده لنايجل عبر الطعن بالآخر، وهو يستحقر الاثنين و«القوقعة» الماضوية التي يعيشان فيها. ظلمة الماضي تحتل عقول المتنافسين على حكم تلاع الريح. تحرروا من الديماس التركي الفعلي، ربما، لكن ديماس الماضي والأحقاد والثارات، ما زال أشد وطأة وأغلالا من حديد أي قيد أو سجن حقيقي.
تلاع الريح الرواية مبنية بمتانة كقلعة تلاع الريح المكان، وفق سردية متقنة ثلاثية الطبقات والزمن. تصف لنا يمنى، في الزمن الأول، حال تلاع الريح في وقتنا الراهن، وهو حال الدولة العربية الفاشلة، التي نعرفها وينخرها الاستبداد، والطائفية، والقبلية، وسياسات الرعب والقمع. هنا قصة «تلاع الريح» هي النسخة المكررة template لدول شرق المتوسط، سوريا، العراق، الأردن، لبنان، فلسطين. عطاف وفرهود تلاع الريح هم سُنة البلاد وشيعتها، مسلموها ومسيحوها، عربها وكردها، عربها وبربرها، عربها وافارقتها، قبائلها وقبائلها، وهكذا وهكذا. ورغم إشارة أبو غيدا التملصية من أن هذا البلد مُتخيل، وأن أي تطابق بين الأحداث الروائية والواقع، لا يعدو كونه صدفه، فإن تلاع الريح هي ما نعرفه من دول ومجتمعات فاشلة في المشرق… وفي المغرب أيضا.
يُمنى وأثناء دراستها في بريطانيا، تعثر على الكتاب الذي ألفه نايجل، بعد تقاعده، وبعد أن منح لقب سير، وروى فيه لحظة تشكل تلاع الريح كـ»دولة حديثة» وتترجمه وعنوانه «وقت للحرب.. وقت للسلام.. تلاع الريح، بعث أمة». من هذا الكتاب المُتخيل والمُختلق، الذي نقرأه كله في رواية أبو غيدا، نغوص في تفاصيل الطبقة الثانية (والزمن الثاني) لتلاع الريح والخاص بلحظة التشكيل وما سبقها. في هذه الطبقة هناك سرد وقالب روائي مُحكم ينسج بين أحداث التاريخ الحقيقية وتلك المركبة روائيا وتخيلياً، ونعيش لحظة ظفر الامبرطورية البريطانية بالمشرق، بعد انتصارها في الحرب العالمية الأولى. يتقن أبو غيدا تقديم هذه الطبقة من الرواية بشكل متمكن، لأنه عاش مع شخصيات كثيرة من رموزها من خلال أعماله السابقة، التي ترجم فيها سير ومذكرات سياسيين ساهموا في «المشروع البريطاني» في فلسطين والمشرق (كتابه الذي ترجم فيه مذكرات القنصل البريطاني الثاني في القدس جيمس فن في القرن الثامن عشر يربو على الألف صفحة). لكن ما يثير الاستغراب في هذا الجزء هو سلبية يُمنى، خلال ترجمتها الكتاب واستنكافها عن التدخل، ولو على شكل هوامش لتعلق على الكثير من استشراقيات نايجل وأحكامه، وهي التي أصبحت تحمل الدكتوراه في التاريخ. كان عليها أن تشير إلى عدم فرادة الشرق في الوقوع في أسر الماضي، وأن سيرة الدم هي التي كتبت تواريخ كل الشعوب والأمم.
الطبقة الثالثة وزمنها في الرواية هو الماضي، الذي يبدأ من التأسيس الأولي لتلاع الريح مع ملكها الأشهب. وهنا أيضا تتدخل يمنى لتكشف لنا كتابا (مُتخيلاً) آخر لكن هذه المرة من التراث الذي سجل تاريخ تلاع الريح الدموي ورصد حروب الانقسام الطويلة بين ذرية عطاف وذرية فرهود. هنا يخترع أبو غيدا كتابا اسمه «البرهان الفصيح والقول الصحيح في أخبار تلاع الريح» للإمام العلامة المحدث النسابة أبو الحسن محمد بن تاج الدين بن زين الدين التلاعي.
هذا الكتاب وحده يصلح أن يكون رواية قائمة بحد ذاتها، وهو غاية في المتعة والخيال الجامح. ننتقل به زمنا ولغة وسياقا وأحداثا إلى بطن الماضي مع النسابة أبو الحسن، ويضع أبو غيدا جانبا لغته السياسية البريطانية الحديثة، كما على لسان نايجل، ليتحدث إلينا بلغة تراثية قديمة سجعية تنتظم بسلاسة مع الكتب الشبيهة لها زمنا وتاريخا ـ كأنما نقرأ في فصول «كتاب أخبار الزمان» للمسعودي أو ما ناظره. المهم هنا أن هذا التاريخ المرير والموجع لتلاع الريح مكتوب بالدم والثأر والمقاتِل المتبادلة، يستنجد فيها المتقاتلون من ذرية وأحفاد المؤسس الواحد بالإنس والجن والشياطين، «شق» و«الماشق» وتتسع رحى المعارك من قيعان الأرض إلى أجواز السماء، كل ذلك من أجل عرش القلعة. الضحايا الدائمون هم الناس العاديون، والمرير في الأمر أن طرفي القتال هما عطاف وفرهود. كلاهما يعود بجذره إلى الملك الاشهب، كأنهما رأسا أفعى أسطورية جسدهما واحد لكن رأسيها يتقاتلان دوما إلى أن يهلكا نزفا ودما. في المشهد الأخير من كتاب نايجل الذي سرد فيه محاولاته اليائسة في التوفيق بين شيخي عطاف وفرهود، من أجل بناء دولة حديثة في تلاع الريح، تخرج أفعى برأسين من تجويف صخرة فيرتعب نايجل ويحاول الهرب. لكن سهما جاء من خلفه باتجاه الأفعى التي هربت إلى التجويف الصخري مرة ثانية أوقفه. كان رامي السهم رجل كبير العمر طويل القامة مهاب الشكل أبيض الشعر واللحية، ما لبث أن اختفى. لما سأل عنه رجلا من تلاع الريح تواجد في المكان، قال له الرجل: «الذي رأيت يا سيدي ليس عجوزا على الاطلاق، إنه أكثر شبابا مني ومنك، وإذا صح ما رأيته يا جناب الكورنيل، فلك البشرى، لأن ذاك العجوز، لا أنت ولا سلطان الإنكريز ولا الشيخ هزاع ولا الشيخ ثويني، هو من سيوحد أبناء الصفين من جديد».

أكاديمي فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية