خالد الحروب ينتقد «نقد روحي الخالدي» الناعم للصهيونية

الدوافع والغايات والإجراءات

إذا كان تودوروف ينطلق في كتابه «نقد النقد» من مقولة قوامها إن النقد ليس ملحقاً سطحياً للأدب إنما هو قرينه الضروري، فإن هذا ينسحب على مجمل النقد بغض النظر عن توجهه. فللنقد وظائف وغايات متعددة، غير أن بعضها يبدو أكثر أهمية تبعاً للسياقات التي يتمثلها، وهذا ما يمكن أن نلمحه بوضوح في الكتاب الذي أصدره الأكاديمي خالد الحروب بعنوان «النقد الناعم للصهيونية والرواية التوراتية» وفيه ينتقد نقد كتاب روحي الخالدي «السيونيزم». وكما يلاحظ فإن عنوان الحروب يمتلك الكثير من الموجهات التي تتعلق بكتاب الخالدي الذي بدا حيادياً وفاتراً تجاه نقد الصهيونية؛ مما يتناقض مع المتوقع من مؤرخ ومفكر بحجم الخالدي.

منطلقات وسياقات

يمكن تحديد أهم منطلقات نقد الحروب ما يتصل بالباعث الأيديولوجي، ونعني ما كمن في كتاب الخالدي من مغالطات معرفية يبنى عليها الكثير من التشوهات أو الانحرافات التاريخية التي تتطلب تقويماً عاجلاً بخصوص هذا الأمر. أما الباعث الثاني فيتعلق بما يمكن أن يُنبى على كتاب الخالدي من آراء ومواقف معرفية انتقلت إلى الباحثين الذين عد بعضهم كتاب الخالدي السيونيزم كتاباً مرجعياً، أو أول كتاب في نقد الصهيونية، فرددوا مقولاته، دون إخضاعها لمنهج علمي على مستوى القراءة التاريخية، ولعل هذا دفع الحروب إلى اكتناه المطابقة بين الواقع والبنى الأرشيفية للكتاب، فضلاً عن تتبع المواقف التي تأتي من لدن المؤلف، ونعني روحي الخالدي.
وأخيراً وضع الكتاب في سياقه الحقيقي على مستوى الحقائق التاريخية، ولاسيما أنه صدر عن مؤسسة مرموقة كمؤسسة الدراسات الفلسطينية مشفوعاً بمقدمة للمؤرخ وليد الخالدي، وهذا أضفى على المخطوط الذي نشر عام 2020 قيمة تاريخية، كما سلطة معرفية مبالغ فيها، كما يذكر الحروب.
قبل أن يتصدى خالد الحروب لنقد الكتاب عبر الاعتماد على الوثائق ومنهجية المقارنة، يختبر سياقات وضع الخالدي لكتابه، بل يذكر أن ثمة قصة صغيرة تحمل شيئاً من المبررات، حيث يشير إلى أن الكتاب نشر بعد وفاة مؤلفه، وبناء عليه، فإننا لا يمكن أن نعد الكتاب – يقيناً – بأنه يشمل مواقف الخالدي، وهذا ما يجعلنا نستنتج، أن هذا الضرب من الأعمال يأتي بوصفه جزءاً من فعل جدلي لا يمكن أن ننسبه للمؤلف بصورة مطلقة، أو نجعله مسؤولاً عما فيه لكون المؤلف لم يصرح بنشره، أو لم يجز ما جاء فيه من خلال تصريح نشر واضح، غير أن الكتاب في النهاية قد احتمل سياقات عملية النشر، والتقديم له بوصفه جزءاً من إرث المؤلف، وهذا يجعله في موقع بيني، إذ يحيل إلى روحي الخالدي، ولا يحيل إليه. إذا ما تجاوزنا إشكالية فعل التصريح بالنشر، والمسؤولية العلمية والأخلاقية، فإن الكتاب في النهاية يحمل موقفاً يخضع لسياقات تأليفه؛ بمعنى العصر الذي وجد فيه، على الرغم من أن الكتاب قد جاء بهدف نقد المخطط الصهيوني في ذلك الزمن، غير أن الكتاب لم يبد جزءاً من هذه الخطة كما يحلل الحروب.

إجراءات نقدية

ينطلق تحليل الحروب من إطار تحليلي يتخذ توجهاً يبدأ من الخارج، وينتهي إلى الداخل؛ بمعنى سياقات المخطوط، ورحلته إلى النشر، وما يكمن من خلفيات تتصل بتاريخ المؤلف، وموقعه العلمي والسياسي، غير أن هذا لا يمكن أن يجعلنا نطمئن ما لم نعتمد تحليلاً داخلياً على مستوى الحقائق والأسلوب. ينهض التحليل على بيان ما يكمن في الكتاب من ضعف على مستوى تماسك قناعات المؤلف، والحقائق التاريخية، غير أن هذا يعضد بقراءة مقارنة حين يرى الحروب بأن الكثير مما جاء في الكتاب قد نقله الخالدي من كتاب نجيب نصار الخوري، غير أن الأول لم يشر إلى ذلك، وهذا ما يجعل الكتاب أسير تلك المعلومات التي نقلها نصار بدوره من الموسوعة البريطانية التي نقلت بدروها عن الموسوعة اليهودية ضمن قلق سلسلة السند والمتن على صعيد التكوين المنهج، ما أنتج جملة من الحقائق المغلوطة التي يمكن أن تقود إلى توليد وعي مشوه.

خالد الحروب

يوضح الحروب منهجه في تحليل الكتاب من خلال التأكيد على التحقيق بوصفه أداة مهيمنة من أجل بيان ما فيه من عوار، وكي يتمكن الحروب من تمكين البعد الموضوعي لنقد الكتاب، كان لا بد من أن يعمد إلى مقارنة كتاب «السيونيزم» بكتب أخرى لروحي الخالدي، وهكذا تتضح محاولة تكوين صورة حقيقية عن التكوين المعرفي للخالدي، كما أسلوبه الذي يتضح عبر ثلاثة كتب اكتنه الحروب محتواها، ومنهجها، فضلاً عن طرائق تفكير الرجل، وهذه الكتب هي: «أسباب الانقلاب العثماني» و «الكيمياء عند العرب» و«الأدب عند العرب والفرنج وفكتور هوغو» والأخير يعده البعض أول كتاب في النقد المقارن، وبناء عليه فثمة تغاير أسلوبي واضح بين هذه الكتب وكتاب السيونيزم.
يعود الحروب إلى كتاب نجيب نصار الخوري بعنوان «الصهيونية: ملخص تاريخها، غايتها وامتداداتها حتى سنة 1905» حيث يذكر أن الخالدي ضمن كتاب الخوري كله، بيد أن الحروب قد عاد أيضاً إلى كتاب ثيودور هرتسل، «الدولة اليهودية 1896» علاوة على مراجع أخرى مساندة كي يتتبع نسب ما ورد في كتاب الخالدي، وهكذا تتضح معالم منهجية الحروب الجينالوجية في بيان ما أصاب الكتاب من تداعٍ على مستوى المرجعيات، كما ثمة إشارات واضحة للبنية اللغوية التي تعكس إلى حد مواقف الخالدي التي بدت شديدة البرود تجاه المشروع الصهيوني، على الرغم من أن الحروب يجد مبرراً لذلك تبعاً لسياقين: ثقافي وتاريخي حيث كان المناخ أقل تشنجاً تجاه الحضور اليهودي بوصفه نمطاً طبيعياً ضمن سياق الدولة العثمانية.

حقائق مشوهة

من خلال أداتي المقارنة والتتبع التاريخي تتحدد ملامح التداعي المنهجي في كتاب روحي الخالدي – من وجهة نظر الحروب – ولاسيما تحري الدقة التاريخية، وتراجع صرامة المؤرخ – كما عهدناه لدى الخالدي- بل إن هذا يمتد إلى مرجعية الحدث والأسباب والنتائج كما المصطلحات، ويتجاور مع ملحوظة يمكن أن تكون انطباعية، حين يرى الحروب بأن الخالدي كان فاقداً للحماس في كتابه، أو ربما كان يعني تلك الحيوية التي ميزت كتبه السابقة. وضع الحروب محوراً بعنوان «الخلفية والضرورة» متبوعاً بعدد من المحاور التي تشكل موجهات حول كتاب روحي الخالدي الذي عانى من مكامن الضعف، ونجملها بالنقل من كتاب نجيب نصار.

وهذا ما يعضد بمقارنات يدرجها الحروب من الكتابين، ما يضفي رؤية مدعومة بالأدلة بيد أنها تحمل جزءاً كبيراً من التشوهات التاريخية التي تتصل بريادة الخالدي تجاه البحث في الصهيونية، من لدن نقاد عرب مؤثرين، غير أن أهمها ما ورد في المحور الثالث، ويتحدد بتبني الخالدي الرواية التوراتية للجغرافيا على مستوى الأعلام والمصطلحات، وأهمها مصطلح «العودة إلى أرض الميعاد» الذي تورط الخالدي من حيث يقصد أو لا يقصد في تبني الرواية التوراتية، كما وردت في الموسوعة اليهودية.
يشير الحروب إلى خلل منهجي وقع فيه الخالدي نتيجة النقل، وعدم تحري الدقة، إذ يحتسب لكتاب الحروب تتبع مواطن الضعف والخلل في الرواية التوراتية، في سياق تاريخي لمحاولة تجاوز ما وقع فيه الخالدي من تكريس تشوهات تاريخية شديدة الخطورة، ولاسيما من حيث عدم القدرة على التمييز بين المروية الصهيونية التي أعادت ابتكار المرويات، وإضافة جزء كبير من المتخيل كي يتلاءم مع المشروع الاستيطاني الكولونيالي لدولة الكيان الصهيوني، أو أن يشكل هذا النهج منطلقاً لها، مع أهمية تأكيد مقولة الفصل بين بني إسرائيل ويهود العالم، كما أظهرتها دراسات كثيرة لمؤرخين معاصرين، وقد أشار إلى ذلك الحروب في هامش صفحة رقم (43) كي يكون جزءاً من محاولة إصلاح بعض التشوهات التي وردت في كتاب الخالدي.
ينطوي هذا المحور على إشارة تتصل بأسلوب خطاب الخالدي عن الأنبياء في سياق الرواية التوراتية؛ ما أضفي نوعاً من الشرعية على النصوص التوراتية، وتداخلها مع المرجعية الإسلامية، مع أهمية التأكيد على وجود انفصال واضح بين المرويتين من جهة، في حين تؤكد الدراسات الحديثة للتاريخ والآثار – بوصفها علوم علمانية- زيف المرويات التوراتية من جهة ثانية، وهذا يشكل إضافة لمحاولة سد الثغرات التي انطوى عليها كتاب الخالدي.
في محور آخر يشير الحروب بأن الخالدي لم يعد – حقيقة – لكتاب هرتسل من منطلق بأن الخالدي يذكر بأن هرتسل لم يأتِ على ذكر المسألة الصهيونية، في حين أن كتابه كان دعوة صريحة للصهيونية، أضف إلى ما سبق بأن أفكار هرتسل تؤسس لمشروع كولونيالي أوروبي، في حين أن المحور الأخير من كتاب الحروب توقف ليبرز بعض الأخطاء التاريخية التي نتجت بفعل الترجمة من كتابي نصار والخالدي، وغير ذلك. يشير الحروب إلى إهمال الخالدي لدور الدول الأوروبية في المشروع الصهيوني، علاوة على خفوت صوته في نقد الصهيونية، غير أن الأهم ما وضعه الحروب تحت عنوان «إعجاب مبطن بالصهيونية واستشراق ذاتي» وهو يعد من أهم المحاور النقدي لكتاب الخالدي، من حيث تأكيد تراجع نبرة الغضب في نقد الخالدي للمشروع الصهيوني، بالإضافة إلى عبارات تعكس شيئاً من الإعجاب بجهود اليهود في إنشاء الجامعات، وبعض قطاعات الفنون، كما إعجاب بشخصية هرتسل، علاوة على رؤية استشراقية من لدن الخالدي عندما يصف بعض المناطق في جنوب فلسطين، وأخيراً الإشارة إلى وجود علاقة للخالدي مع بعض اليهود المتنفذين، مع نقص في استشعار خطر لهذا الوجود، وأخيراً يعود الحروب إلى قضايا إجرائية تتصل بفقر المرجعيات الفرنسية في عمل الخالدي، على الرغم من أنه تعلم في جامعاتها، كما غياب الأدوات الاستقصائية من أرقام وإحصاءات.
في الختام، سعى كتاب الحروب إلى أن يقدم قراءة موضوعية لكتاب روحي الخالدي، مع محاولة البحث عن مخارج لهذه الخلاصات التي خرج بها، غير أن ينبغي أن نقر بأن تصدي الحروب لهذا الكتاب بدا موقفاً يحتمل الكثير من التأمل والتقدير، لكونه جاء مسكوناً بوعي يتجاوز النموذج المعرفي أو الأكاديمي إلى محاولة تقويم تشوه تاريخي كان يمكن أن يحدث ضرراً بالغاً في أدبيات التأريخ الفلسطيني، وبهذا فإن مسوغات هذا النقد بدت موضوعية، غير أن تقدير جهود الخالدي لم يظلمها هذا الكتاب لقناعاتنا جميعاً بأن الخالدي كان ينطلق من نوايا وطنية، غير أن لكل عمل سياقاته التي تتصل بالزمن، وآليات البحث، والكتابة، علاوة على أن الكتاب لم ينجز للنشر إنما كان مخطوطاً لم يتعرض بعد لإعادة البحث والمراجعة والتصويب.

كاتب فلسطيني أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية