غزة-“القدس العربي”: بالرغم من المواجهات التي سجلت الجمعة الماضية على حدود غزة، وهي الجمعة الـ 33 لـ “مسيرات العودة” التي انطلقت شرارتها يوم 30 اذار/مارس الماضي، وما نجم عنها من استشهاد شاب وإصابة أكثر من 30 آخرين بجراح متفاوتة، إلا أن تلك الفعاليات الشعبية السلمية، أثبتت نجاح مساعي إقرار التهدئة من جديد في غزة، والتي توسطت فيها عدة جهات، وتقوم على أساس وقف عمليات التصعيد الميداني بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل.
وأعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة ليل الجمعة، عن استشهاد مواطن وإصابة 37 آخرين بجروح، وحالات اختناق بالغاز المسيل للدموع، جراء قمع قوات الاحتلال للمتظاهرين على طول الشريط الحدودي شرق قطاع غزة، ضمن الجمعة الـ 33 لـ “مسيرات العودة” التي حملت اسم “مسيرتنا مستمرة”.
غير أن حجم وطبيعة المواجهات الشعبية التي شهدتها “مخيمات العودة الخمس” المقامة على الحدود الشرقية لقطاع غزة مع إسرائيل، سجلت للجمعة الثانية على التوالي هدوءا كبيرا، مقارنة بما كانت تشهده خلال الأسابيع التي سبقت عملية إرساء تفاهمات التهدئة الأخيرة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، والتي توسطت فيها كل من مصر وقطر والأمم المتحدة، حيث سجلت الجمعة الأخيرة قبل الوصول إلى هذه التفاهمات سقوط ستة شهداء وأكثر من مئتي جريح.
وبدا واضحا الالتزام بالتعليمات التي أقرتها الهيئة الوطنية لمسيرات العودة وكسر الحصار، فلم تقترب الغالبية العظمى من المشاركين في تلك الفعاليات من السياج الأمني الفاصل بين غزة وإسرائيل، ولم يدخلوا المنطقة الأمنية، والتزموا البقاء في الخيام المقامة على بعد 700 متر من الحدود.
كما لم تشهد فعاليات الجمعة الماضية والتي سبقتها، إشعال النيران في إطارات السيارات، كما لم تسجل حوادث اجتياز جماعية للمتظاهرين للحدود بعد قطع السياج الأمني، على غرار الفعاليات السابقة التي كانت تقام تحديدا في أيام الجمع.
وبالتزامن مع بداية التفاهمات التي أرسيت بين الطرفين بتدخلات الوفد الأمني المصري، الذي أشرف على الشق الخاص بـ “التفاهمات الأمنية”، لم يقم الشبان المشاركون في الفعاليات المساندة لتظاهرات الحدود، بإطلاق “الطائرات الورقية والبالونات الحارقة”، كما لم تشهد مناطق الحدود منذ الجمعة قبل الماضية، أي فعاليات لـ “وحدات الإرباك الليلي”، وهي مجموعات شبابية، كانت تقوم بإشعال النار في إطارات السيارات قرب الحدود، وتفجير عبوات صوتية، وإطلاق أشعة الليزر صوب الثكنات العسكرية الإسرائيلية، بهدف إرباك جنود الاحتلال، والإسرائيليين القاطنين على مقربة من الحدود.
وترافق ذلك وفق التفاهمات التي قادت لحالة الهدوء الحالية، والعودة إلى تطبيق تفاهمات اتفاق وقف إطلاق النار الموقع صيف عام 2014، قيام إسرائيل بعدة خطوات، كان بدايتها السماح بوصول شاحنات تقل وقودا تموله دولة قطر، لصالح تشغيل محطة توليد الكهرباء، وزيادة كمية الطاقة الموفرة للسكان المحاصرين، وذلك ضمن منحة قيمتها 150 مليون دولار لصالح إقامة عدة مشاريع إنسانية، من بينها دفع رواتب موظفي غزة، وتوزيع مساعدات على آلاف الأسر الفقيرة.
خطوات تخفيف الحصار
وإلى جانب ذلك، فقد أعلنت وزارة العمل في قطاع غزة عن توفير 10 آلاف فرصة عمل لصالح الخريجين والعاطلين عن العمل، خلال الأيام المقبلة، بتمويل من البنك الدولي، وبإشراف عدة جهات، بهدف الحد من مستويات الفقر والبطالة المنتشرة بأعداد كبيرة في القطاع المحاصر.
وقد أعلن عن ذلك خلال مؤتمر صحافي عقده ثلاثة مسؤولين حكوميين من غزة، وقالت الفصائل الفلسطينية التي شاركت في إقرار تفاهمات إعادة الهدوء، أن هذه الانجازات تحققت بفضل “مسيرات العودة”.
وقال عبد اللطيف القانوع، المتحدث باسم حركة حماس “ما جري من مشاورات وتفاهمات مع أطراف عدة أحرزت تقدماً في إطار كسر الحصار عن غزة وتثبيت حالة من الهدوء على قاعدة اتفاق 2014 ودون أي ثمن سياسي”، وأشار إلى أن حصار قطاع غزة “بدأ يترنح أمام صمود شعبنا وإرادته وبفعل مسيرات العودة المتواصلة”، مضيفا “فكفكة أزمات غزة وحلها كالكهرباء وتوسيع مساحة الصيد وفتح المعابر والمنحة القطرية للموظفين وتشغيل الخريجين ومشاريع البنية التحتية وغير ذلك أولى الخطوات على الطريق”.
كذلك أكد خالد البطش، عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، على استمرار “مسيرات العودة”، وقال “ما يتحقق من بعض التسهيلات هو بفضل تضحيات شعبنا، ودم الشهداء وآهات الجرحى ومعاناة الشبان ومسيرات العودة”، وشدد على أن المطلوب هو استعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام بين فتح وحماس.
كما قال ماهر مزهر، عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية “إن الجهد الكبير الذي بُذل خلال الأيام الماضية، بدأ يقدم رزمة من التخفيفات الإنسانية كمقدمة للخطوات التي سنلمسها لاحقًا وصولًا إلى كسر الحصار كاملًا عن قطاعنا”.
وبهدف متابعة المشاريع التي تنفذ على الأرض، من أجل مساعدة سكان غزة وإغاثتهم، وصل القطاع الخميس الماضي السفير القطري محمد العمادي، رئيس اللجنة القطرية لإعمار غزة، حيث أكد خلال لقاء بالفصائل الفلسطينية، أن بلاده ستبذل جهودا من أجل زيادة كمية الكهرباء لغزة، وإنشاء مناطق صناعية، وتوسيع مساحة الصيد، موضحا أن ذلك سيكون على فترات ومراحل، مؤكدا كذلك على استمرار مساعي قطر في هذا المجال من أجل تحقيق الهدوء وتحسين الوضع الإنساني ما يساعد على إنهاء الانقسام.
المسيرة مستمرة
وتواصلت الدعوات لاستمرار الفعاليات الشعبية السلمية في إطار “مسيرات العودة”، وقال الدكتور أحمد بحر، نائب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، والقيادي في حماس “إن مسيرات العودة الكبرى حققت لشعبنا انفراجات وتحسينات في حياته اليومية” مبينا أن تلك الانفراجات جاءت “نتيجة صمود شعبنا ومقاومته، وهي غير مرتبطة بوقف المسيرات، وبدون أي ثمن سياسي”. وأكد خلال مشاركته في مسيرات العودة الجمعة الماضية شرق مدينة غزة، أن “مسيرات العودة مستمرة حتى تحقق جميع أهدافها بفك الحصار عن شعبنا”، مثمنا الدور الكبير للمقاومة الفلسطينية التي قال أنها “حمت تلك المسيرات وشكلت درعا واقيا لها ورسمت استراتيجية الردع”.
وقال داوود شهاب مسؤول المكتب الإعلامي في حركة الجهاد الإسلامي، أن أبناء الشعب الفلسطيني أثبتوا اصرارهم على المضي في “مسيرات العودة” باعتبارها خيارا تجمع عليه الجماهير والقوى الفلسطينية الحية التي تنخرط في هذه المسيرات بكل ثقة وقوة وثبات، وأكد أن هذه المسيرات حملت رسالة واضحة للعالم أجمع أن الشعب الفلسطيني متمسك بفلسطين وأن كل المؤامرات لن تفلح في ثنيه عن هذا الحق.
وأكدت الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة، في ختام فعاليات الجمعة الأخيرة، استمرار مسيرات العودة وكسر الحصار حتى تحقق أهدافها المعلنة، وقالت “ما لمسناه في الشارع من بعض إجراءات التخفيف رغم أهميتها، غير كافية، وسنواصل إلى أن نصبح على موعد حقيقي مع كسر الحصار”.
وأشادت في بيان لها بتضحيات الشهداء والجرحى وقالت “لولا تضحياتهم لما التفت العالم إلى معاناة شعبنا في قطاع غزة المقاوم”، ودعت لتنظيم فعاليات جديدة الجمعة المقبلة، في دلالة على استمرار الفعاليات.