لبنان آخر تماما هو الذي اكتشفته، ليلة أمس الأول، من بيروت إلى طرابلس، مرورا بالعاميات الشعبية في البلدات الرئيسية على طول الاوتوستراد الساحلي. السلطة على طول هذا الشريط بدت للأحرار من “قطاع الطرق”، للساهرين، غير الساهدين، المتيقظين المتوثبين، التعبين الفرحين، العاطلين عن العمل، والعاملين بالأجر الذين لا يعرفون كيف ينالون معاش هذا الشهر إذا بقي اقفال المصارف على حاله، ولا يعرفون ماذا يبقى منه إذا فتحت المصارف من دون مراقبة منهجية نافعة من شأنها الحد من التسابق عليها لسحب الودائع وتزايد الطلب على الدولار وعبث كبار المضاربين بأموال العامة من الناس.
كان زعيم “حزب الله” قد تحدث قبل ساعات قليلة من هذا التنقل الصعب والمسحور في لبنان الثورة، ليلا. فبعد أسبوع بالتمام على كلامه الأول في أعقاب انطلاقة الاحتجاجات المتخذة سريعا شكل انتفاضة شعبية وعصيان مدني، والذي حرّم فيه إسقاط رئيس الجمهورية في الشارع وحذّر فيه رئيس الحكومة من سوء العاقبة ان هو استقال، أخذ نصر الله يشيد بالقصيدة النيوليبرالية المشتتة التي حملت عنوان “الورقة الإصلاحية”، وهي ما تقدم به سعد الحريري أمام الناس بعد ان استمهلهم ثلاثة أيام أول ما انفجرت الأوضاع.
كان سعد الحريري خجولا في دفاعه عن ورقته، وصريحا في انها لن تقنع المنتفضين، وميشال عون نفسه كان هو الآخر أثنى عليها في حدود أقرب لرفع العتب. أما حسن نصر الله فاستخدم ما صنفته كتب المنطق نمطا من المغالطة السفسطائية. بدلا من القياسين البرهاني والبياني، لجأ نصر الله إلى القياس السفسطائي. اعتبر ان الورقة فيها تقدم عما سبقها، وان عدم اعتراف المنتفضين بهذا التقدم يقيم عليهم الشبهة، ثم أخذ يمغط في الشبهة إلى ان زج فيها بكل مستحضرات “نظرية المؤامرة”.
تولي دروس الحوزة العلمية أهمية كبرى للشروح حول الأقيسة المنطقية واختلافاتها، لكن السيد فضّل اللجوء إلى أبعدها عن وزن الحجة بالحجة، وبالبرهان والدليل. من البديهي ان يفصح عن مخاوفه، أو أن ينطلق من معطيات، لكن لا هذه ولا تلك تسوغان أخذ الأمور بالشبهة، ثم تعمير بناء خطابي فوق كوم من شبهات، من دون ترابط غير ترابط المتغلب.
الكومونة
عبثا حاولت أن أطرد مسألة الأقيسة المنطقية من البال، ونحن “نبحر” باتجاه طرابلس، ونتوقف عند كل محطة ثورية، ونلتقط تمايزات المشهد الليلي الانتفاضي من بلدة إلى أخرى.
السواتر الترابية في منطقة العقيبة، التي كنا نصطدم بها نظرا للإنارة المفقودة، بدت في عز الليل شبها للصور المحفوظة من كومونة باريس. انها الكومونة، أخذنا بين الجد والمزح، نتبادل التشبيه. كان معظمنا في السيارة إلى طرابلس جزءا من تنظيم يساروي نهاية التسعينيات. كنا بين المزح والجد أيضا، نضرب لها موعدا في مئوية اكتوبر 1917 أي قبل عامين من الآن. تأخرت عامين، لكنها جاءت اكتوبرية، على توقيتها وبطريقتها.
لمع قول فريدريك انجلس “انظروا إلى كومونة باريس انها ديكتاتورية البروليتاريا”. قالها رفيق فكر وكفاح كارل ماركس، عن مدينة ثائرة لم تقم فيها لا الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج ولم يصادر فيها الثوار بنك فرنسا الذي استمر يرسل المال إلى حكومة أعداء الكومونة في فرساي. شيء من هذا، طيفيا، جاز ان يقال عن هذا الشريط الساحلي “انظروا إلى الطرقات المقطوعة على امتداد الشريط الساحلي، انها طيف الكومونة”!
ندخل إلى بيت القصيد هنا. لا يمكن ان يشاهد المرء الاحتجاج الاجتماعي، والعصيان الأهلي، بالصورة نفسها، إذا كان تاريخ الحركة العمالية والاشتراكية جزءا أساسيا من تراثه، الفكري والقيمي، ومشكلا لمخيلته، أو جاءت الإحالات التراثية والمتخيلة مختلفة.
فإذا كان هناك أثر جدي في نظرتك وحسابك لمقولة “ان تاريخ كل مجتمع كان تاريخ صراع بين الطبقات” (المانيفستو)، سيكون من الهزل ان لا تلجأ إلى هذه المقولة ساعة تخرج مئات الآلاف ليس إلى الساحات فقط، بل إلى العصيان الشعبي العام، ضد من تعتبرهم متسببين في سياسات رهن حرية الناس الخاصة وحرية الدولة العامة لدى المصارف، وافقار وابتزاز، وضد من تعتبر ان تكدس الثروات الهائلة بين أيديهم، واتجاههم إلى سحب رساميلهم من البلد أكثر فأكثر، يهدد الشروط الأساسية لوجودها الاجتماعي.
ينبغي التمييز مع ذلك. هذا النظام باشر بالانهيار ليس بنتيجة صراع طبقي مستعر. انما في اللحظة نفسها التي بدأت تتهبط أساساته، قفز الصراع الطبقي إلى الميدان، لا ليرسي على بر، بل ليصعد ثم يهبط ثم يصعد بحسب روزنامة الانتفاضة.
فهو لم يأت نتيجة تراكم كفاحي للكادحين بالدرجة الأولى، بل نتيجة لتراكم عدوانيات ضدهم وتهميش متواصل لهم، ورغبة مجنونة في نفس الوقت بان لا يكون الكادحون مرئيين ككادحين، وان تكون الفوارق الاجتماعية أكثر من مرئية في نفس الوقت.
نظرية المؤامرة
في لحظة انفلات موجة من الصراع الطبقي الحاد، غير المؤطرة، لا نقابيا ولا حزبيا، لكن الجماهيرية والعاصية، وغير القابلة للتعايش بعد مع أبرز أركان الأوليغارشية ومع استمرار حرب رأس المال المالي الطفيلي من جانب واحد فقط على الطبقات الشعبية، ستجد دائما من هو غارق بالاختزالية “الاقتصادوية”. بضاعته أن الصراع ما لم يكن مطلبيا ونقابيا سيخسر طابعه الطبقي، دون ان ينتبه لبرهة إلى حيثيات انفلات هذه الموجة من الصراع الطبقي من دون تأطير مطلبي نقابي تراكمي سابق له. ما لم يلد نقابيا لم يمكن إعادة “تنقيبه” هكذا.
بعض هذه الاختزالوية “الاقتصادوية” للصراع الطبقي غير ضار في الوقت الحالي. يصير كذلك باختلاطه بنظرية المؤامرة على الشكل التالي: بما ان رقعة الاحتجاج الاجتماعي توسعت باقترانها سريعا بشعار إسقاط النظام، بدءا من إسقاط الحكومة، فان “الاقتصادوية الاختزالية” أخذت تتشكى من “قطاف” رأس المال المالي للانتفاضة نفسها، ما دامت التلفزيونات تغطيها، وهي تغطية لعبت في آن واحد دورا في توسعة مدى المشاركة الشعبية، وفي “تتفيه” المشهد العام، بإظهاره “عرسا وطنيا”، أو بتحويله إلى صراع “زعران واوادم” ليس غير، قبل ان يسهل انتقال قسم من الإعلام إلى الجانب الآخر من المعادلة لضغط أو لآخر.
الاستدلال بالتغطية الإعلامية للاشتباه بانتفاضة شعب، بانتفاضة ذات عمق طبقي حاد هو تعام مطلق عن دروس أولية في الماركسية. من جهة هو يرتبط بمن ليس بمستطاعه ان يفهم الصراع الطبقي إلا في جانبه المطلبي، أي حيث هو ليس بعد صراعا بين طبقتين بالمعنى الشامل، أي السياسي. ومن جهة، ثمة من يقرأ الأمور بثنائية ان كل شيء أما عفوي وأما تآمري. وعليه، إذا استمر احتجاج وتوسع، سيفقد تبعا لهذه النظرة المختلة، براءته ويتحول إلى تآمر أو ضحية تآمر. هذه إلى حد كبير، مقاربة نصر الله. الصراع الطبقي مقولة مستحيلة من وجهة نظره. وهذا بديهي ايديولوجيا. غير بديهي لدى قسم من اليسار مؤمن غيبيا بأن حزب الله يمكن ان يكون يسارا لا واعيا، وديالكتيكيا بشكل لا واعي. في علم المنطق، شبهات نصر الله على الانتفاضة بدت أقرب بكثير إلى السفسطائية من الديالكتيك.
فحتى لو سلمنا جدلا، مثلا، بأن الورقة الإصلاحية الحريرية التي يبشر حزب الله بها اليوم تعد تقدما عما سبق، فان عدم مراس زعيم حزب الله بالعمل النقابي جعله يعتقد ان النقابات حين تنال حقا أو وعدا بحق فانه ينبغي ان تحتفل بذلك مباشرة وان تحتفل بذلك بشكر الجهة التي تطالبها بالإصلاح أو بالتقديم. لكن، منطق “خذ وطالب” لا يستقيم هكذا، بل “ينبني على طالب بأكثر كلما أخذت أكثر”. هذا مع ان القياس معطوب كله هنا، لأن الحركة ليست حركة “مطالب” يرفعها محكوم إلى حاكم في عريضة تظلمية، بل هي حركة كفر المحكوم بشرعية الحاكم، واسترداد هذه الشرعية من القليل الذي كان يسري منها في المؤسسات، إلى الكثير الذي ينبض في الساحات المنتفضة.
عدنا أدراجنا من الرحلة الليلية في جمهورية الطرقات الساحلية المقطوعة الاجتماعية الحرة. حين كتبت هذه السطور كان لا يزال الكر والفر جاريا، مرة تفتح، ثم تعاد فتقطع الطرقات. اما الحريري فأكثر من أي وقت مضى في حراسة نصر الله، وحزب الله قد يجد سهولة في اقناع محازبيه بنظرية المؤامرة، كونه حزب لاغي من الأساس لمفهوم صراع الطبقات، لكنه يجد صعوبة بالغة في تسويغ استماتته في الدفاع عن الحريري حتى في داخله. إسقاط هذه الحكومة غير سهل، وحزب الله يدافع عنها بما اوتي من وسائل، والحريري يدافع عن وجوده السياسي، لان استقالته تعني أيضا انتهاء حياته السياسية. الواضح حتى الآن، ان الانتفاضة قوي ببساطة شعارها المركز، رحيل حكومة الاوليغارشيين المتواطئين، وان هدف منظومة حزب الله وباسيل والحريري أيضا واضح: إسقاط كومونة الطرقات المقطوعة الحرة. لكن، ما هي أهلية سلطة يكون كل مناطها، لإنقاذ شرها ونهبها وفشلها وقمعها، هو فتح الطرقات؟ لا شيء، قطعا!