جمهورية ‘اللايك’!

حجم الخط
4

عالم جديد فتح ذراعيه في السنوات الأخيرة لسكان العالم فباتوا يحومون ويعومون فيه ابتهاجاً بوداعهم لمقص الرقيب، وابتهالاً بعالم جديد من الحرية أوهكذا نظن جميعاً. عالم لا يعرف الموانع الجغرافية ولا تباعد المسافات ولا قيود الرقابة ولا حتى حدود الكلام والمواقف والخواطر والرؤى وحتى الانتقاد.
عالم ما عليك إلا أن تنتسب إليه بضغطات بسيطة على أزرار حاسوبك أو هاتفك الذكي، حتى تدخله من أوسع أبوابه فيكون لك كما تشاء، فتحاسب الحكومة على ادائها وتنتقد الوزراء على تقصيرهم وتروج لأفكارك ومواقفك وهمومك وشجونك وحتى وصفاتك السحرية لحلول تعتقد أنها ستفكك مشاكل البشر.
وصفات للطعام الشهي تضيع مع التوقعات الفلكية وتختلط مع عالم الطرفة والنكتة وعالم المال والسياسة والفكر والبيئة والصحة، والقائمة تطول لتجمع كل ما أنعش القلب أو استفز الأحاسيس.
ولك أن تعّبر عن تضامنك وتقديرك لما يقال بضغطة زر واحدة تحمل رمزا ليد رفع فيها اصبع الإبهام منذراً بإبدائك للإعجاب! وبذلك تكون عزيزي القارئ قد حللت في جمهورية الإعجاب أو كما يقال بالإنكليزية بـ’لايك’!
جمهورية ‘اللايك’ هذه مساحة كبرى للتوافق والمؤازرة والتقدير والاهتمام والتأكيد الضمني على الاطلاع والمباركة. لكن هذه الجمهورية تثير ارتعاد الحكومات والوكالات الاستخبارية إذا ما تفاقمت وازداد عدد زوارها بشكل ملحوظ، كونها تنذر بازدياد الشعبية وربما التفاعل الميداني. فلو كنت تدعو لتظاهرة ما ضد نظامٍ ما وجاءك آلاف ‘اللايكات’ فإنك تفتح عيون الخائفين منك وتحفز المراقبين وتستنفر الأمن والشرطة وعيون المخبرين. ولو شاءت الأقدار أن تدخل في خانة مئات الآلاف من المعجبين وجمهور ‘اللايك’ فإنك تصبح حديث الجمعية العامة للأمم المتحدة، وربما مجلس الأمن ومنظمات حقوق الإنسان.
ولو خالني القارئ أنني أمزح فأذكره بصفحة حملت ذات يوم اسم ‘الانتفاضة الثالثة’ استرعت حنق إسرائيل وتوترها، وذلك لتسارع اهتمام الناس بها وتعبيرهم بمئات الآلاف عن الإعجاب بما حملت. فبدأت وكالات الإعلام تتحدث عنها، واستلم الموقع الاجتماعي المستضيف للصفحة رسالة احتجاج من إسرائيل أدت إلى إغلاقها.
مظاهرات ما سمي بالربيع العربي وما حفلت به من تفاعلات دارت رحاها عبر الفضاء الإلكتروني، وما طالها من إعجاب ومواقف وانتقادات وتأجيج وتحفيز كانت أيضاً تعبيراً واضحا عن سطوة الإعلام الاجتماعي وجمهورية ‘اللايك’ على حياة الناس. والويل اليوم لمن يتقاعس في هذا العالم ويتأخر في إبداء إعجابه على صفحات اصدقائه فيعرض ذاته لهجران الأصدقاء إن لم يبادلهم الإعجاب ذاته أو ‘اللايك’ بالـ’اللايك’!.
إذا أنت أمام عالم جديد تحكمه مجموعة أزرار ونشاط إلكتروني وشبكة عنكبوتية وإجراءات افتراضية. كل هذا يحصل في ظل تقهقر العالم التقليدي للاتصال والتواصل. العالم الذي بات المحتضر الأول أمام ثورة الاتصالات.
وبين التقليد والحداثة يقف الإنسان الفاعل الرئيس والأول متسلحاً بجمهورية الإعجاب، التي سأعرف أثرها إذا ما كان مقالي هذا سيحظى بـ’لايك’ منكم أم لا!

‘ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية