أشدّ الرحلات فتنة هي رحلة اللغة، هي رحلة توهمك بالانضباط للخرائط ولا تنضبط، وتوهمك باتباع سنن القوافل ولا تفعل، وتتظاهر بالتعقّل وتمارس أثناء رحلتها فنّ الجنون ويسعى بها للقيد وتكسره في كلّ مرّة وهي تجرّب الاعتباط.
اخترت عنوانا بسيطا لهذا المقال هو «جناح مالك» وأنا أعني جناح الطائر المعروف بمالك الحزين. في هذه التسمية يمكن أن نتابع شكلا من أشكال رحلة الكلمات، بأن نميز بين الراحل والمنتجع والمقيم، الذي يظهر وكأنّه أصيل وابن الأرض، ولكنّه يوهم بذلك فلا يوجد في رحلة الكلمات وحدة أصيلة ولدت في بيتها، ولم تفكّر في أن ترتحل أو يرحل بها.
عبارة جناح تطلق على «ما يخفق به في الطيران» (لسان العرب، 2/428) ولكنّها تطلق أيضا على يدي الإنسان، بل في المعجم مرادفة عجيبة بأن يشرح الجناح باليد، جاء في اللسان: «جناحا الطائر يداه، وجناح الإنسان يده». (المصدر السابق). وفي شرح الجناح اختلاف في اتساع العبارة، أو ضيقها فقد روي عن أبي إسحاق الزّجاج النحوي واللغوي (ت311 هـ/923م) أنّ معنى الجناح العضد، وقد تطلق على كلّ اليد. نحن لن نعترض على ما استقرّ في الأذهان من نسبة اليد إلى الإنسان والجناح إلى الطائر، فهذا اختيار كرّسته سلطة الاستعمال في ظل غياب ما يدلّ في تاريخ الكلمات وأصلها (البعد الأيتيمولوجي) على العبارة التي أطلقت أوّلا على طرفي الطائر والإنسان: هل استعملت اليد في تسمية الطرفين، واستعمل الجناح أيضا في الغرض ذاته، قبل أن تنفصل العبارتان؟ وهل أنّ القدامة التي في (يد) المقبلة من لغات عريقة مثل الفينيقية، هي التي تجعلها تطلق على طرفي الإنسان والحيوان معا، أم أنّ عبارة جناح هي أيضا من العبارات الوافدة، التي غطت نقصا كان موجودا في تعيين الجزء الطائر في الإنسان؟ هذه الأسئلة شرعية، لأنّ وراءها إدراكا موحّدا مهمّا يتعلق بتصورات خطاطية مشابهة، تقرب بين اليد والجناح بحكم أنّهما الطرفان في الجسد اللذان يمكن أن ينفصلا عنه بالحركة. هذا التصور الخطاطي يوحّد بين العضوين ويلغي اختلاف وظيفتهما بين الإنسان والطائر؛ المهمّ أنّ دمجاً تصورياً حدث في ذهن مستعملي العبارتين، حين تداولهما معا فبات الجناحُ يدا وباتت اليد جناحا اعتمادا على مُدخلين Inputs أحدهما من اليد والثاني من الجناح، ذلك أنّ الإنسان يحمي باليد ويدافع ويذود، وأنّ الطائر يغطّي بجناحه صغاره. فالفضاء المدمج أو الممزوج يتمثل في أنّ اليد باتت جناحا لأنّها عنصر حماية، وليست عنصر طيران وهذا ما نجده في قوله تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء 24]. في هذه الآية مزج تصوّري يصبح فيه الجناح المخفوض مدخلا مادّيا للتعبير، وإسقاطا من فضاء الطير العرفاني على فضاء العاطفة الإنساني للشعور بالطمأنة والرحمة. بعد أن دُجّن مفهوم الذل، وأبعد من معناه السلبي ليفضي إلى معنى ثان هو التواضع والاقتراب من مستوى الأبوين، وقد باتا في عمر لا تسمح لهما بأن يكونا في مستوى تطير إليه جناح الابن وهو في شرخ الشباب. في هذا الإطار التصوّري فإنّ الأبوين يربّيان الطفل على أن يطير ويرتفع، وحين يصيران في أرذل العمر عليه أن يخفض لهما جناحا، هما من خلقه وجعلاه يحلق به. قد يركب المرء جناحي طائر مثل النعامة، كما هو في قول الشاعر الشماخ (فمن يسْعَ أو يركَبْ جناحيْ نَعامَةٍ// ليدرِكَ ما قَدَّمْتَ بالأمس، يُسْبَقِ). لا يركب المرء جناحي نعامة حقيقة فقط، بل يركبها مجازا إذا جدّ في طلب شيء.
لنعد إلى مالك الحزين هذا الطائر الذي تخلّص من جناحه، حين خلع العرب عليه تسمية بشرية وزادوها صفة سوداوية فقالوا مالك الحزين: مالك اسم علم غادر المعجم بما يسمّيه النحاة العرب استئناف المواضعة. الرحلة في استئناف المواضعة تعني أن يُتلف جواز سفرك القديم وتعطى وثيقة أخرى عرفيّة تمكنّك من السفر، ولكن ليس إلى البلدان التي تستعمل فيها بقية الجوازات؛ هي إذْن محلّي لك بالعبور ثمّ يفتكّ منك. لكن عَبَر اسم مالك بجواز سفر جديد في عالم اللغة، بعد أن كان مقصورا على العرف المحلّي. من النادر أن يصبح اسم العلم اسم جنس من جديد، إلاّ في حالات نادرة من رحلة الأسماء. فـ(جناح مالك) في هذه التسمية هو جناح هذا الطائر استعمل على الحقيقة. (جناح مالك) الحقيقي الذي يطير به مالك لا يعني الناس، إنّه جناح كغيره من أجنحة ذات الجناح، ولكنّ الأدباء هم من يرحلون به إلى عوالمهم رحلات تغريهم وتغري بهم. ليست رحلات الأدباء والشعراء بالأسماء وما تعنيه اعتيادية، وهي لا تتوقف، وليست رحلاتهم دائما استعارية مثلما يعتقد كثير ممن يقرنون الأدب والشعر بالاستعارات، يكفي أن ترى أشعة شمس الفجر تعبر ريشات تلونها من جناح مالك حتى يصبح الأمر بديعا، وتتفاعل الكلمات في رحلتها إذ تلتقي كما تتفاعل الأنوار والألوان على جزء من ريش مالك وهي تجتمع.
الجناحُ تسمية عرفت رحلات كثيرة، فقد تعني القلق والتوتر حين تقول عن فلان (إنّه في جناحي طائر)؛ تصوّروا الطائر وهو يحمل على جناحه بشرا.. ويريد المعنى في رحلته أن يكون من يقلق ليس الطائر الذي تعود جناحه على الخفة عند التحليق، بل البشر الذي يركب ذلك الجناح.. قلق البشر من سوء نيته بالطائر: إنّه ربّما ألقاه أثناء سفره من أعلى علّيين فتحطم وانتهت رحلته.. لكنّ رحلة الطائر ستستمرّ.. لا يقلق الإنسان حين يكون في جناح شخص آخر وفي كنفه.. أن تعيش عالة على شيء هي، أن تعيش في كنف شيء آخر؛ وحده من لا يستطيع أن يعيش بنفسه لنفسه يعرف جهد من عاش في كنف غيره. أمّا التابعون وتابعو التابعين فإنّهم في حياتهم التي هي عبارة عن عيش في جناح زيد وهند لا يقلقون. الجناحان أيضا هما الشفتان وهذه تسمية ساحرة لأنّ الكلام ليس أصواتا فيزيائية توقع في محيط مطواع، بل هو سفر عبر الشفتين يرتفع بهما الكلام وينخفض، حسبما تبذله من جهد في اختيار ما تقول. ويقال إنّ الجناحين هما اللهاة والحلق أي هما الأصوات في منطلقها، كأنّ الكلام حين يقال يُقلع من مكامن الصوت ثمّ يطير. لقد بات الجناحان، وفي سفرة من السفرات تسمية عسكرية أسرتهما اللغة الحربية وباتت سفرتهما أرضية: فجناحا العسكر جانباه وجناحا الوادي جانباه، وكلاهما معنى واحد فهما اليمين والشمال. حربية الرحلة هي التي جعلت الجناحين يطلقان على جناحي الرحى وجناحي النصل، وبين النصل والرحى والحرب علاقة حميمية، فللحرب حين تدور رحى وحين يقاتل جندها من المسافات الصفر يستعملون النصل.
لكنّ للجناحين رحلة وجدانية مترفة تبدأ بشغاف القلب، فيطلق العرب على أوائل الضلوع اسم الجوانح لجنوحها على القلب: قد تُسكنك الحسناء في جوانحها وقد تسكنها في جناحك الخفاق فلا فرق، لأنّ الجناح بات مكانا للسكن لا للطير. سافر الجناح ليحطّ في فضاء السكنى اللغوي فالجناح في النزل وفي القصر ما كان يأوي الحسان الملاح من ذوي السلطة والجاه والمال.
عدنا حيث سافر الجناح وحيدا تائها إلى مدينة خرائطها معروفة وسكانها مترفون. هنا نحط رحالنا ونعود بدوا كما كنا مع ناقة مجتنحة أي مسرعة؛ يكاد يلتصق مؤخراها مع مقدمتيها من السرعة. ولكن مهما أسرعت الناقة فإنّ لها مناخا قريبا سوف تهجع فيه ونعجه هجعتنا الأخيرة.. ولكن لن تهجع الكلمات.
*أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية