لندن ـ ‘القدس العربي’ في رحلات العمرة والحج هناك رحلات من الدرجة الأولى والثانية، وتلك التي بخمسة نجوم، وقد لاحظها الإعلامي البريطاني من أصل صومالي راجي عمر، ولكن لم يكن أحد يتوقع أن يكون هناك جهاد ‘خمسة نجوم’ فقد أفرزت الحرب في سورية الكثير من المصطلحات والتعبيرات التي تستحق يوماً ما تحليلاً اجتماعياً وثقافيا، منها ‘جهاد المناكحة’ التي يقول البعض أنها من ترويج مؤيدي النظام والقنوات الداعمة له، وهناك ‘نكاح السترة’ الذي يعتبر استغلالا لحاجات العائلات المهاجرة، وما إلى ذلك، وبالنسبة للجهاديين القادمين من الغرب والذين تعودوا على نمط حياة معين فهناك من وصف جهادهم بالخمس نجوم، حيث لا يرضون التخلي عن الأشياء التي تعودوا عليها وهو ما ورد في تقرير لصحيفة ‘ديلي تلغراف’ الذي أعدته روث شيرلوك، حيث قالت إن تدفق الجهاديين من أوروبا والولايات المتحدة أدت لظاهرة يتم من خلالها استخدام إعلام التواصل الإجتماعي والإنترنت للتجنيد ونعي الشهداء وإرسال الرسائل للأعزة والأحباء وتقديم النصيحة للذين يفكرون بالتطوع في القتال.
ومن هنا فالجهاد في القرن الحادي والعشرين في سورية مختلف في طبيعته عن الجهاد المتقشف في ثمانينيات القرن العشرين في أفغانستان، حيث كان المجاهدون بعيدون عن العالم لأشهر ولا يتواصلون مع أهاليهم إلا عبر الرسائل فلم تكن الإنترنت ولا الفيسبوك بعد منتشرة كما هو حال سورية.
فالجهادي اليوم يستطيع قضاء يومه في ساحة المعركة ويقضي جزءا من ليله في حديث مع عائلته عبر ‘سكايب’ أو أي من وسائل التواصل الإجتماعي، اويمارس العاب الفيويو، ويشاهد أفلام القاعدة.
3 أشياء أساسية
وتنقل الصحيفة عن شيراز ماهر الذي تجد إسمه اليوم في كل صحيفة لها علاقة بحركة الجهاديين الغربيين لكونه يعمل في ‘المركز الدولي لدراسة الراديكالية’ بجامعة كينغز، قوله إن ‘أهم ثلاثة أشياء يحتاجها الجهادي في سورية هي ورق الحمام، وحقيبة إسعاف أولي واي باد’.
وأضاف أن الكثير من هؤلاء الشباب جاؤوا من مجتمعات غربية وتعودوا على استخدام التويتر وغيرها من وسائل التواصل الإجتماعي، ‘فالتويتر وسيلة سريعة ومفيدة يمكن من خلالها تبادل المعلومات، وتقدم الكثير من الأشياء للاعلام والمشاركة العامة، فهذه الوسائل قد تكون اخترقت كل ملامح حياتنا’.
نصائح أبو القعقاع
وتقول الصحيفة إنها كانت تتابع حساب صور لشخص لقبه أبو القعقاع، جهادي يقاتل في سورية والذي يعتقد أنه بريطاني، ويقوم بعقد حلقات سؤال وجواب للأشخاص الذي يفكرون بالتطوع ومعظهم من بريطانيا.
ويعتقد محللون أن الحساب حقيقي وليس مزيفا. وكتب ناصحاً للمتطوع الجديد ‘آي باد أو شيء مثل واي فاي’ مهم جداً إضافة لضرورة إحضار الصابون. ويعتقد الجهاديون الذاهبون لسورية أنهم سيعيشون ما يطلقون عليه ‘جهاد خمسة نجوم’ وهو تعبير بدأ ينتشر بين الناشطين على الإنترنت وبشكل واسع، وفي واحدة من التغريدات التي تم تبادلها بشكل كبير وأرسلها جهادي في سورية’ بينما أحد الأخوة (مقاتل) في مالي لم يكن قادراً على تغيير ملابسه او حتى الاستحمام لمدة شهر، سبحان الله، حقيقة جهاد من خمسة نجوم’.
وفي واحدة من أجوبته على سؤال حول ما إذا كانت ‘سورية هي أحسن مكان في العالم’ أجاب أبو القعقاع ‘بصدق، كل كلمة أقولها هي صادقة، أنظر لجمال هذا، في هذا الصباح كنت جالساً أمام موقد من النارـ موقد حقيقي وبيدي فنجان شاي، سبحان الله’، ويقول ماهر إن هذه هي أفعل طريقة للتجنيد ‘فهم يقولون هنا راحة لن تستمر طويلاً تعال وشاركنا فيها’، فمقارنة مع الحرمان الذي كان يعيشه المقاتلون في قندهار، فهؤلاء في سورية يقومون بإرسال تغريدات وصور شوكولاتة كيت كات، وشراب ريد بول، ويعرفون أنهم سيموتون ويضحون بحياتهم ثمناً للجهاد، ولكنهم يقولون إنك في الطريق للشهادة قد تحتاج لراحة المجاهد وعليه استمتع بكيت كات’.
شفاء للقلوب
ويقول ماهر إن إعلام التواصل الإجتماعي يساعد على تسهيل رحلة الجهاديين البريطانيين إلى سورية ‘فعندما يرسل متحدث بالإنكليزية تغريدة من سورية فإن عدد القارئين لها في بريطانيا كبير جداً حيث يتساءل الكثيرون عن الطريقة التي يذهب فيها إلى هناك أي سورية.
وإذا لم يكن لدى الراغب في السفر صلات داخل سورية فإنه يحصل عليها ويجد بعد ذلك طريقه لسورية. ويحمل حساب أبو القعقاع عنوان ‘شفاء للقلوب’ وهو مثل الأعمدة الصحافية التي تقدم النصائح لأصحاب المشاكل أو ما يطلق عليها ‘عمة الألم’ ولكن للجهاديين ففي رسالة يتساءل مشارك قائلا إنه موزع بين (حبه لفتاة ويريد أن يكون معها ويعرف أن هذا حرام) وبين رغبته في الجهاد في سورية ‘ارض الشرف’.
ويجيب أبو القعقاع ناصحاً ‘سافر فإما يجمعك الله بها او يعوضك بخير منها’.
ويقول آخر إنه يريد السفر لسورية لكن إذا ضمن زواجه هناك. ويجيب أبو القعقاع ‘إبتسم يا عمي! هناك الكثير من الأخوات هنا، والزواج متوفر دائماً وكلنا نريد الزواج هنا’. ولاحظ محللون أن الكثير ممن يتابعون تغريدات الجهاديين البريطانيين او المتحدثين بالإنكليزية هن فتيات، والكثير من الذين يتطوعون للذهاب لسورية هن فتيات. وفي حساب أبو القعقاع هناك عدد كبير من الراغبات بالسفر لسورية.
وتسأل فتاة قائلة ‘هل هناك مهمة معينة يمكن للأخوات القيام بها؟ وأنا أسأل هذا السؤال، لأن المجاهدين يقومون بعمل كبير، فهم سوبرمان حقيقيون، وإن كانت هناك طريقة لتخفيف العبء عنهم والمشاركة’.
وبالإضافة للتواصل والتجنيد فإعلام التواصل الإجتماعي يخدم الجهاديين من ناحية ربطهم بعائلاتهم أويستخدم لكتابة يوميات جهادية ووصف للمغامرات على الجبهات. وعلى حساب أبو القعقاع صور وبعض الكلام الذي كتبته كما يقول أخته الصغيرة. وهناك مقاتل آخر من الدانمارك يستخدم التويتر لتوثيق رحلته في سورية والمعارك التي يشارك فيه، حيث يعمل حارساً لأمير الجماعة.
والأمر الأخير الذي يستخدم فيه إعلام التواصل الإجتماعي هو نعي الشهداء وهو ما وصفه أحدهم بتغريدات الشهادة، حيث يضع الجهاديون صوراً ورسائل عن الأشخاص الذين قتلوا في المعارك، وهي ظاهرة بدأت قبل عام في سورية التي تندلع فيها الحرب منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وبدأ بنعي او نعيين وأصبح ظاهرة من الصعب متابعتها لأن كل شخص يقوم بها.
اللاجئون في لبنان
في الوقت الذي يبحث فيه الجهاديون عن جهاد ‘الخمس نجوم’ وجدت دراسة أجرتها منظمة أوكسفام البريطانية أن نسبة 75 بالمئة من اللاجئين في لبنان يعانون من ديون فيما لا تزال عائلات تعتمد على مساعدات ترسل إليها من داخل سورية. وتقول صحيفة ‘كريستيان ساينس مونيتور’ إن فاطمة محمد هربت من سورية، وصلت للبنان ومعها 1500 دولار وهو مبلغ كان كافياً لها ولعائلتها من سبعة لعدة أسابيع.
وقد استأجرت شقة في مخيم شاتيلا، قرب العاصمة بيروت، وتعمل في مركز للشباب وتحصل على 300 دولار في الشهر.
ويساعد ابنها البالغ من العمر 18 عاماً اضافية إن حصل على عمل يومي في مجال البناء.
ولم يعد زوجها قادراً على توفير المال له بعد فقدانه بصره، وكان يعمل في وزارة الكهرباء السورية. وبسبب تكاليف الحياة العالية في بيروت، فقد تراكمت ديون العائلة وهي مديونة بمبلغ 500 دولار والمبلغ في تزايد مستمر.
وحالة فاطمة ليست استثنائية فمعظم السوريين في لبنان يعانون بطريقة أو بأخرى من مشاكل مالية. والسبب في هذا هي كلفة المعيشة، فالطعام والمأوى أغلى في لبنان عنه في سورية، بشكل أصبحت فيه العائلات المتوسطة ممن كانت لديها أموال وفرتها غير قادرة على مواجهة المتاعب اليومية.
ومع أن هناك طبقة من السوريين الأغنياء ممن عبروا الحدود إلى لبنان إلا أن هناك الكثير من السوريين ممن جاؤوا إلى لبنان ومعهم بضعة دولارات وأخرون معدومون إلا من الملابس التي كانوا يرتدونها. وتحتاج العائلة السورية حوالي 225 دولار شهرياً لدفع الإيجارات.
ويقول التقرير إن ‘المبالغ المالية التي أحضروها معهم… تقدم صورة عن الفترة التي كانوا يفكرون بقضائها في لبنان’ حيث لم يتوقعوا إقامة طويلة. ويقول مسؤول السياسات في ‘أوكسفام’ نوح غوتسشالك ‘بدأوا يكتشفون أنه لا حل سريع للنزاع وأنه ليس بإمكانهم العودة لبيوتهم’.
وبحسب الدراسة التي تمت على 260 عائلة سورية فقد وجدت أن نسبة 75 بالمئة منهم تعاني من الديون، وبالنسبة لفاطمة وغيرها من اللاجئين فلا تعرف كيف ستدفع الديون المتراكمة عليها، وتقول ‘لقد اعتقدت أننا سنقيم هنا بضعة أيام’.
أموال من سورية
وهناك بعض العائلات تعتمد على مبالغ ترسل إليها من داخل سورية، فعلى الرغم من الوضع الحرج الذي تمر به البلاد إلا أن تكاليف المعيشة تظل متدنية مقارنة للوضع في لبنان.
ولكن استمرار الحرب في سورية تهدد بانقطاع الأموال المرسلة لمن يعيشون في لبنان. ووجد الإستطلاع أن 32 بالمئة من المشاركين يعملون في وظائف مختلفة لكن ما يحصلون عليه يغطي فقط أجور البيوت التي استأجروها أي نصف تكاليف المعيشة. وفي بعض الأحيان يعتمد بعض اللاجئين على طيبة قلب أصحاب البقالات وأصحاب البيوت الذين يوافقون على بيع اللاجئين بالدين او تأجيل الدفع لفترة أخرى، وهذا يعني تراكم الديون من شهر لآخر.
وتنقل عن أم محمد التي تدير بقالة في شاتيلا مع زوجها أن الديون المستحقة عليها وصلت 3 آلاف دولار، ولا تستطيع شراء مواد جديدة للمحل ولهذا قررت تخفيض البيع بالدين للاجئين السوريين. وتقول إن من يصل دينه منهم إلى 100 او 150 دولار فإنها تتوقف عن البيع له، مضيفة ‘كيف أعرف أنهم لم يرحلوا ويذهبوا بدون تسديد ديونهم؟’.
ويعيش في لبنان حوالي مليون لاجئ سوري أي ربع سكان لبنان البالغ عددهم أربعة ملايين. وعلى خلاف السوريين الذين لجأوا إلى الأردن وتركيا يواجه السوريون في لبنان مصاعب للحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، فلم يسمح لبنان لمفوضية الأمم المتحدة بإقامة مخيمات للسوريين، ويتوزع اللاجئون في لبنان على مختلف المناطق، في المدن والبلدات والقرى.
النجدة الآن
ويقول مسؤول في الأمم المتحدة إن نسبة 70 بالمئة من السوريين في لبنان يعتمدون على المساعدات، ومن هؤلاء نعمة غازي راجي التي تعيش في غرفة مع أولادها الستة في مخيم شاتيلا وتقدم لها المساعدة منظمة محلية ‘النجدة الآن’، حيث تدفع أجر الغرفة من مبلغ 220 دولار تحصل عليه من الأمم المتحدة وما تبقى تشتري منه ما تحتاجه العائلة من طعام.
وتقول نعمة إن المبلغ ليس كاف وتستقرض عليه 150 دولار كل شهر ولا تعرف كيف سترد الدين. وتقول إنها لو استطاعت التوصل لعائلتها في درعا فقد تعود على الرغم من العنف هناك.
ونقلت الصحيفة عن منسق في ‘النجدة الآن’ قوله إنهم بحاجة إلى دعم مالي وما يحصلون عليه قليل ‘والمحزن هو أن الداعمين لن يظلوا مهتمين بالدعم في حال استمرت الحرب لعامين قادمين’. وشهد لبنان موجة جديدة من اللجوء خاصة بلدة عرسال، ووصلت أكثر من 2200 عائلة بعد تصاعد المعارك في منطقة القلمون، ويعاني هؤلاء اللاجئون من مخاطر خاصة أن الكثيرين منهم لا يحمل معه أمتعة تقيه من الشتاء والآلاف منهم يفتقدون المكان المناسب للإقامة فيه. ويحذر المسؤولون في الإغاثة من مصير 400 ألف طفل يعيشون في أوضاع مزرية في لبنان من بين 6 ملايين سوري في الداخل والخارج.
وكتب مايكل شين، الممثل البريطاني يوم الأحد في ‘صاندي تلغراف’ ان الوضع السوري صحيح معقد ‘لكننا بحاجة إلى حل سياسي لإنهاء معاناة الاطفال السوريين’، وقد زار الأطفال في لبنان مع وفد من منظمة الطفولة العالمي ‘يونيسيف’، ‘ويجب علينا بذل كل الجهود لمنع ضياع جيل كامل من الأطفال السوريين في الصراع، ونحن بحاجة لمساعدات حيوية مثل الأغطية، والملابس الدافئة والأدوية، وفتح المجال أمام التعليم والدعم النفسي’.