لندن – “القدس العربي”: بعد عام من التخبط في التصويت لاختيار الفائز بجائزة أفضل لاعب في العالم وغيرها من الجوائز الفردية المرموقة، عادت الحياة إلى طبيعتها، بتتويج الأيقونة ليونيل ميسي بجائزة “الأفضل” من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، متفوقا على الغريم التقليدي كريستيانو رونالدو، وعلى أفضل لاعب في أوروبا وأقوى المرشحين للجائزة فيرجيل فان دايك، كأفضل وأعظم تكريم مُستحق للبرغوث على ما قدمه طوال مسيرته الأسطورية بوجه عام والموسم الماضي على وجه الخصوص.
هل يستحق الجائزة؟
ربما “البروباغندا” الإعلامية حول فان دايك بعد فوزه بجائزة أفضل لاعب في أوروبا، جعلته يبدو وكأنه أوفر حظا من ميسي وكريستيانو، لكن من كان محظوظا بالاستمتاع بما قدمه ليو مع برشلونة الموسم الماضي، يعرف ويُدرك جيدا أنها ذهبت لأفضل لاعب في العالم قولاً وفعلاً، والأهم من ذلك، أنها أعادت المصداقية الى اختيارات الفيفا، بعد حفلات السخرية على اختيار لوكا مودريتش، في موسم لم يختلف كثيرا عن موسم ميسي الأخير، والأنكى من ذلك، كان صاروخ ماديرا العلامة الفارقة في احتفاظ اللوس بلانكوس بكأس دوري أبطال أوروبا للعام الثالث على التوالي، لكن على ما يبدو أن أصحاب القرار كانوا بحاجة لفاصل إعلامي بين 10 سنوات من هيمنة أعظم منافسين اثنين في التاريخ على الجائزة، ومن حُسن الحظ وأيضا من العدل، أنهم عادوا لصوابهم، بمنح الجائزة للنجم السوبر ستار، النجم الذي يُحرك القلوب والمشاعر ويجعل المشجع في حالة هستيريا في لحظة احتفاله بالهدف، وبصراحة وبدون مبالغة، هذا النوع المُفضل بالنسبة لأكثر من 90% من عشاق اللعبة، والأحق دائما وأبدا بالفوز بهذه الجوائز. دعك عزيزي القارئ أنه منذ قديم الأزل لا يفوز بهكذا جوائز إلا أعظم المهاجمين، وبدرجة أقل صناع اللعب، فالأساليب الحديثة التي نشاهدها مع مدربين من نوعية أنطونيو كونتي، بيب غوارديولا ويورغن كلوب، تجعل مهمة المهاجمين في الوصول لمنطقة الجزاء شبه معقدة، لا خلاف أبدا أن فان دايك ساهم في فوز ليفربول بدوري الأبطال، لكنه كان فردا مميزا في منظومة جماعية شبه مثالية، وإذا كان الصخرة ساهم بـ50%، فالنصف الآخر يذهب بلا جدال للحارس أليسون، الذي أبقى ليفربول في الأبطال بمعجزة بتصديه الخيالي لانفراد ميليك في الدقيقة الأخيرة من الوقت المحتسب بدل من الضائع أمام نابولي، ولنا أن نتخيل لو سجلها المهاجم البولندي، لذهب الريدز إلى اليوربا ليغ.
بالنسبة لأفضل لاعب في العالم، كان كالعادة “الكل في الكل” مع برشلونة، يكفي أنه غاب ما مجموعه ستة أسابيع إلى شهرين في الموسم الماضي، تارة لإصابة عضلية وتارة أخرى لإصابة على مستوى الذراع، مع ذلك ختم موسمه وفي جعبته 54 هدفا، منها 36 في 33 مباراة على مستوى الليغا، لينال جائزة “الحذاء الذهبي”، كأفضل هداف في الدوريات الأوروبية الكبرى للمرة السادسة في مسيرته، وسبقها “البيتشيتشي”، أفضل هداف في الليغا، وأيضا للمرة السادسة في مغامرته، وفي الوقت ذاته، أفضل صانع ألعاب في الدوري بـ13 تمريرة حاسمة، حتى في المباراة التي تعرض خلالها لانتقادات لاذعة، ليلة الانحناء أمام ليفربول بالرباعية المذلة، صنع 3 فرص لزملائه، لكن مشكلته أن يلعب بجوار مهاجم وقع على عقد بعدم التسجيل خارج “كامب نو” في الأبطال 4 سنوات متتالية، لويس سواريز، ولمن تأثر بالآراء التي كانت تُرجح مدافع ليفربول على ليو وتفاجأ وقت إعلان الفائز، عليه أن يتذكر أن قائد التانغو أنهى موسمه على قائمة هدافي دوري الأبطال بـ12 هدفا في 10 مباريات، وأيضا برقم الحظ والسعد “للمرة السادسة” أفضل هداف في الكأس ذات الأذنين، هذا وهو بعمر 32 عاما، حيث تبدأ المعاناة مع كابوس الجسد، الذي قال عنه “الجسد لا يظهر أي رحمة، مع مرور السنين يصبح الأمر أكثر صعوبة”، وكلماته المؤثرة تظهر بوضوح على حركة قدميه التي لم تعد بنفس الحيوية التي كان عليها قبل 5 أو 6 سنوات على سبيل المثال، بسبب قطار العمر، لكن العبقرية ما زالت تفوح منه كلما خرجت الكرة من قدميه، ويتجلى ذلك في تطوير مهارته في تنفيذ الركلات الثابتة بشكل لا يُعقل، وبالنظر إلى لغة الأرقام، تقول إنه سجل 6 أهداف من ركلات حرة في الدوري الإسباني، أكثر من أي لاعب في الدوريات الكبرى، بمن فيهم رونالدو مع يوفنتوس، بالإضافة إلى هدفين في دوري الأبطال في الموسم ذاته، الذي شهد وصوله لهدفه الـ400 على مستوى الدوري الإسباني، كأول لاعب في كل العصور يصل لهذا المعدل التهديفي في الليغا، غير أنه كرر هوايته المفضلة بتسجيل 50 هدفا أو أكثر في موسم واحد، للمرة السادسة أيضا، بالإضافة لتخطي عدد انتصارات قديس ريال مدريد السابق إيكر كاسياس في الدوري الإسباني، حتى زميله السابق تشافي هيرنانديز، تخطى رقمه الأسطوري كأكثر لاعب تحقيقا للفوز مع الكتالان، وغيرها من الأرقام الأسطورية، التي ساعدته لتوجيه ضربة مؤلمة للدون، بدت وكأنها قضت على شهر العسل بينهما، كما أظهر رونالدو عبر حسابه على “انستغرام” في تعليق عبر عن صدمته وحالته النفسية بعد تلقيه خبر فوز غريمه الأبدي بالجائزة للمرة السادسة، وكأنه كان يقول لميسي “هذا فراق بيني وبينكم”.
دقت طبول الحرب
قال رونالدو: “الصبر والمثابرة هما سمتان تميزان المحترف عن الهاوي، وكل ما هو كبير اليوم بدأ صغيرا، قد لا يُمكنك أن تفعل كل شيء، لكنك تستطيع أن تجعل أحلامك حقيقة. وتذكر دائما أنه بعد الليل يأتي دائما الفجر”، وهذا بعد أيام قليلة من حديثه مع الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، الذي أقر خلاله، بأن واحدا من أهم أحلامه كلاعب، أن يكون في مكانة أعلى على منافسه المباشر ميسي، حتى أنه لم يكن ينتظر الجائزة هذا العام فقط، بل أطلق العنان لنفسه، بتمني أن يفوز بها 7 أو 8 مرات، وهو الآخر على أعتاب 35 عاما، لكن دعونا نتذكر جيدا، أن هذا الفضائي لم تظهر عليه ملامح الشيخوخة كما الحال مع ميسي، رغم أنه يكبر الأرجنتيني بعامين، إلا أن نظامه الغذائي والرياضي المثالي، بجانب قوامه الرياضي المميز بالطول الفارع، يعطيه ميزة للتأقلم ومد عمره في الملاعب، وهذا بسبب العم زين الدين زيدان، الذي نصحه قبل 3 سنوات، بالتنازل عن أشياء مهمة ليستمر في أعلى مستوى تنافسي أطول فترة ممكنة، أهمها تقبل فكرة الجلوس على الدكة أو حتى الابتعاد عن القائمة في المباريات التي لا تحتاج المغامرة، مع إلزامه بالركض بالسرعة القصوى في أوقات وأماكن معينة في الملعب، حرصا على طاقته، والشيء المثير في رونالدو، أنه طّور نصيحة زيدان، بالاعتماد على مجموعة من المختصين على مستوى الأحمال البدنية والنظام الغذائي، ليظهر بالقوام شبه الإعجازي بالنسبة للاعب في عمره كما يبدو الآن، بينما ميسي، لم ينتبه بعد لناقوس الخطر، الذي وضح أكثر من أي وقت مضى، في تعبيرات وجهه لحظة معاناته مع إصابته الأخيرة أمام فياريال، لسوء الحظ، بدا وكأنه بدأ يرفع الراية البيضاء أمام صراع الجسد، ناهيك عن ظهور تقدم السن على وجهه، لكن هذا لا يمنع، أنه بأساليب الطب والتأهيل الحديث، قد تنجح محاولة الإبقاء عليه بنفس الصورة لفترة أطول، لكن قبل ذلك، يحتاج مساعدة من مدربه فالفيردي، بتوظيف جديد داخل الملعب، بدلاً من استنزاف طاقته بتركه يفعل كل شيء في الثلث الأخير من الملعب، وربما لو عاد المدرب بمقاطع فيديو برشلونة في موسم 2011 و2012، سيرى كيف كان يتم توظيف ليو، بوضعه على بعد أمتار قليلة من منطقة الست ياردات، لاستغلاله في الفوضى الخلاقة داخل منطقة الجزاء. في عام 2012 بالذات، ظهرت قدرته الفائقة على توقع مكان الكرة داخل مربع العمليات، فتجد الكرة تذهب هنا وهناك، وفي الأخير تلتصق بقدميه بطريقة عجيبة، وكأنه “تسوباسا”، كابتن ماجد، لكنه كان يؤدي هذا الدور في وجود أسماء مثل دافيد فيا وبيدرو رودريغز وأكثر من مهاجم مميز بالتحركات داخل المنطقة، أما بعد تحول الفلسفة في عهد لويس إنريكي ثم فالفيردي، أصبح سواريز المهاجم الوحيد، ولم يعد الفريق يلعب بكثافة بمهاجمين داخل منطقة الجزاء، لكن في وجود أنطوان غريزمان ولويس سواريز وعثمان ديمبيلي. يُمكن توظيف ميسي في مركزه القديم، بوضعه على مسافة قريبة من ثلاثي الهجومي، وسيكون من الجيد وضعه في هذا المركز، في وجود بجودة فرينكي دي يونغ وآرثور ميلو، لدى كل منهما لمسة مميزة في الشق الهجومي، بالاعتماد على أحدهما بجانب بوسكيتس أو بالاثنين حال اكتفى بميسي واثنين مهاجمين أحدهما على الطرف الأيمن ومهاجم صريح.
ما زال للحديث بقية
الشاهد، أن ميسي ما زال يملك كل المقاومات اللازمة للعودة للمنافسة والفوز بالجائزة للمرة السابعة في تاريخه العام المقبل، وكما تعهد رونالدو، لن يكتف هو الآخر بدور المشاهد بعد ضياع جائزة الفيفا منه، وبصرف النظر عن بدايته التي لا تختلف عن بداية اليوفي الصعبة في اليوفي، فهو يبدو مُسلحا للانفجار في اللحظات المهمة هذا الموسم، مع الوضع في الاعتبار أن صراع الجوائز الفردية المرموقة لهذا العام لم تنته بعد، هناك حفل آخر مُنتظر في برج “إيفل” لإعلان الفائز بجائزة أفضل لاعب محترف في أوروبا 2019، وهي بالكاد البطولة المُفضلة للنجوم، كونها الأعرق والأقدم على الإطلاق، فكما كان مرشحا فوق العادة للفوز بجائزة الفيفا، سيكون كذلك من أقوى المرشحين بجانب ليو وفان دايك، وحتى لو اتفق خبراء “فرانس فوتبول” مع الاتحاد الدولي، فهذا لا يمنع حقيقة، أن كريستيانو عازم على خوض تحد جديد. رسالته كانت واضحة للجميع، وبُحكم التجارب السابقة، لم يسبق لصاروخ ماديرا أن أخذ على نفسه عهدا ولم يُنفذه، باعترافه في جُل مقابلاته الإعلامية الأخيرة، فإن أكثر من يستفزه من الداخل، رؤية ميسي يحمل الجوائز سواء الجماعية أو الفردية، ربما كان أهون عليه لو فاز بها قائد دفاع الريدز، كما كان الوضع مع مودريتش العام الماضي، لكن الكارثة بحق، كما أظهرت صورته في تعليقه على “انستغرام”، أن الجائزة ذهبت لأشرس وأصعب منافس، وما زاد الطين بلة، أنها جعلته مُجبرا على معادلته مرة أخرى، بعدما عادل عدد مرات فوز ليو بالخمسة مقابل خمسة عام 2018 بطريقة كان يراها البعض شبه مستحيلة، لذلك من يعرفه جيدا، يثق تماما أنه سيحاول فعل كل شيء ممكن وغير ممكن للرد على ميسي في أقرب فرصة ممكنة، بالعربي “لن يرتاح باله إلا إذا تساوى معه غريمه”، ومفتاح حل هذه الشفرة يعرفه كريستيانو جيدا منذ أيامه الخوالي في “سانتياغو بيرنابيو”، أقرب طريق لاحتكار الجوائز الفردية الفوز بدوري أبطال أوروبا، ويفهم جيدا أنه لو فاز بالأذنين في موسمه الأول مع اليوفي، لما حصل فان دايك على جائزة “اليويفا” ولا ليو على جائزة “الأفضل” رغم مستواه الفردي الخيالي، ومعروف أن هدفه وهدف ساري وكل من له علاقة بالسيدة العجوز الرئيسي هذا الموسم، هو إنهاء عقدة كأس الأبطال، الجميع على استعداد للتضحية بالألقاب المحلية، مقابل الفوز بنهائي ملعب “آتاتورك”، والمفارقة أن الأمر ذاته ينطبق على ميسي وأتباعه، همهم الأكبر تقليص فارق الثمانية ألقاب أوروبية مع الريال بعد الطفرة الأخيرة في عهد زيدان، ما يعني أن كل المؤشرات تصب في مصلحة عشاق كرة القدم الحقيقية، بفتح القوس لإضافة موسم آخر من الصراع والعدوانية الممتعة بين رونالدو وميسي، إلا إذا حدثت متغيرات لا قدر الله، بتجدد معاناة البرغوث بعد إصابته الـ12، أو حدث شيء غير متوقع للآخر، قد تتغير المعطيات، وهذا ما لا يتمناه أحد، خصوصا الفئة التي تستمتع بالاثنين دون وضع مقارنات بينهما.
هستيريا صلاح والتشكيل المدريدي
لم يكن رونالدو الوحيد الذي أصابته هستيريا من الغضب بعد فوز ميسي، أيضا محمد صلاح خرج من الحفل بأضرار نفسية من نوع آخر، بتجاهل الاتحاد المصري لكرة القدم التصويت له عن طريق المدرب أو القائد، والأصعب من ذلك، تفضيل ممثل الإعلاميين المصريين هاني دانيال رونالدو وماني على صلاح، لا تفهم ماذا حدث عزيزي القارئ، يقولون في الجبلاية إن الخطأ يتحمله المنسق العام، وآخرون يُحملون المسؤولية للمدير التنفيذي، وهذا لم ينطل على أبو مكة، بدليل رد فعله الغاضبة، بحذف وصف لاعب منتخب مصر من حسابه على “تويتر”، ثم تلميحاته عن وجود أشخاص مسؤولين يُحاولون تشويه صورته أمام الرأي العام، وسواء اتفقت أو اختلفت مع روايات اتحاد الكرة، فتصرف صلاح لم يكن حكيما على الإطلاق، من يتابع الأحداث السياسة في مصر، يعرف جيدا أن الساحة ملتهبة في آخر أسبوعين، وحجب اسم منتخب وعلم بلاده من حسابه في هذا التوقيت، كان من الممكن ولا يزال من الممكن أن يُفسر ضده، رغم محاولة تصحيح، أو إن جاز التعبير “تبرير” ما فعله بالتغريدة العاطفية، وبعيدا عن المواقف السياسية، فكان من الأفضل عدم وضع منتخب مصر “كبش فداء” أو طرفا في أزمته مع المسؤولين، على أقل تقدير من منطلق أنه بطل قومي في بلاده وقدوة بالفعل للأجيال الصاعدة والقادمة، لكن في الوقت ذاته، دعونا نتفق أنه مُحق في غضبه، خاصة بعدما أظهرت النتائج أنه احتل الترتيب الرابع في القائمة، وتجاهل التصويت له بهذه الطريقة، مع المفاجأة التي فجرها مدرب المنتخب السوداني زدرافكو لوغاروشيتش باستبدال صوته من صلاح إلى ميسي، ربما أفقده السيطرة على أعصابه، لأن هذا لا يتكرر كثيرا في العمر، أضف إلى ذلك صاعقة استبعاده العجيب من التشكيلة الأساسية لفريق العام المثالي للفيفا ومعه كذلك ماني، في المقابل تواجد 4 بشعار علم ريال مدريد (لوكا مودريتش ومارسيلو وسيرجيو راموس وإدين هازارد)، رغم مأساة الميرينغي الموسم الماضي، والسؤال كيف حدث ذلك؟ لا تُجهد نفسك في التفكير عزيزي القارئ، لن تجد إجابة منطقية أو أنك تضرب أخماس في أسداس وتقول “يا بخت اللي اسم ناديه المُفضل ريال مدريد”. أو من قاموا بهذا التصويت شاهدوا أحداث أخرى، أو نحن كنا في سبات عميق ولم نشاهد سيطرة أندية البريميرليغ على البطولات القارية في الوقت الذي ودع فيه الريال البطولات الثلاث في مارس/اذار الحزين، على أي حال، كانت تقريبا اللقطة الوحيدة غير العادلة في الحفل… والآن دعونا ننتظر المحظوظ الثالث والأخير الذي سيظفر بالكرة الذهبية.