جورج كلوني لـ«القدس العربي»: فيلمي الجديد «سماء منتصف الليل» يحذر من تدمير كوكبنا

حسام عاصي
حجم الخط
0

لوس أنجليس – «القدس العربي»: عندما التقى جورج كلوني بالمحامية اللبنانية أمل علم الدين عام 2013 طلب منها مساعدته في كتابة وصيته. «لم يكن عندي عائلة أو أطفال، فأردت أن اوزع أموالي على أصدقائي، لأن معظمهم لا يملك الكثير، ويحتاج إلى المال لإلحاق أبنائه بالجامعات وأمور أخرى».
يقول لي كلوني في حديث عبر خدمة «زوم» من بيته في لوس أنجليس. «وعندما ارتبطت بأمل رومانسياً، وحصلت على نسبة ضخمة من أرباح فيلم «جاذبية» الذي لقي نجاحاً هائلا في شباك التذاكر، قررنا أن ندفع مليون دولار لكل واحد من أصدقائي وننهي الموضوع بدلاً من كتابة وصية والانتظار».
أصدقائه هم الذين ساعدوه عندما حضر مفلساً الى هوليوود في سيارة قديمة من بلدته في ولاية كنتاكي أواخر السبعينيات، بينما كان في العشرين واستقر في بيت عمته. في بداية لم يحصل إلا على أدوار هامشية في مسلسلات تلفزيونية وأفلام رعب إلى أن حالفه الحظ ونال دور الطبيب دوغ روس في المسلسل التلفزيوني «إي آر» الذي حقق له شهرة واسعة فتحت له أبواب الشاشة الكبيرة عام 1996 حين قام بأول دور سينمائي في فيلم الرعب «من الغسق حتى الفجر» وتلاه بأدوار بطولة في عدة أفلام تجارية ضخمة عززت من شهرته العالمية ورفعته إلى قمة هوليوود.
«عندما كنت في العشرين وبدأت أمثل، وظهر فيلم «فاست تايمز أت ريجمونت هايت» وكان كل هؤلاء الممثلين يلمعون، ثم ظهر «أوستايدرز» وجميع ممثليه كانوا يلمعون، كان يراودني الشعور دوماً أنني أريد أن أشارك في أفلام مماثلة لأفلام شون بين. وانتهى بي المطاف أن أشارك في مسلسل «حقائق الحياة» بالإضافة إلى فيلم بعنوان «العودة إلى ثانوية الرعب». عموماً إذا كنت في مجال عملي، فأنت تحاول فقط الحصول على وظيفة معظم حياتك المهنية، وإذا حالفك الحظ وتمكنت من الاختيار، فالأمر يتعلق أيضاً بما ستختاره وما ستقوم به وما هو الصواب، وأحيانا تصيب وأحياناً تخطئ».
لكن كلوني لم يسافر الى هوليوود لكي يمثل في أفلام تجارية وحسب، بل أراد أن يحذو حذو والده الصحافي والناشط السياسي، نيك كلوني، ويروج لمبادئه الليبرالية ويطرح قضايا اجتماعية وسياسية محلية وعالمية مهمة في أفلامه. ومن أجل تحقيق ذلك، انخرط في مجال الإخراج والإنتاج.
ففي عام 2002 أخرج فيلمه الأول «اعترافات عقلية خطيرة» عن نجم برامج ألعاب تلفزيونية يدّعي أنه يعمل لحساب «سي أي إيه». وتلاه بـ»تصبحون على خير وحظ سعيد» عن تصدي الإعلامي إدوارد مورو لحملة السيناتور جوزيف مكارثي ضد الليبراليين. وفي «منتصف شهر مارس» تحرى عن الفساد في حملات انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة.
بينما سلط الضوء في «رجال الآثار» على سرقة النازيين للوحات الفنية خلال الحرب العالمية الثانية. وفي «سابربيكن» تناول العواقب الوخيمة للجشع والعنصرية في المجتمع الأمريكي.
كما أنتج فيلمَين تناول فيهما قضايا الشرق الأوسط وهما «سيريانا» و«ارغو» و«الرجال الذين يحدقون في الماعز». وهذا الشهر يطلق كلوني فيلم «سماء منتصف الليل» حول الكارثة، الذي مولته «نتفليكس» بميزانية تضاهي ميزانيات أفلام هوليوود الضخمة.

أكبر مشروع لنتفليكس ولكلوني

«هذا أكبر مشروع قمت به على الإطلاق، يضاعف تقريباً أي فيلم أخرجته من قبل من حيث الميزانية. وبالتأكيد مواضيعه مماثلة لفيلم «تصبحون على خير وحظ سعيد» من حيث الحديث عن القضايا الكبرى على المستوى الجزئي» يعلق النجم الهوليوودي.
في الفيلم يؤدي كلوني دور عالم يدعى أوغستين، يبقى وحده في محطة أبحاث في القطب الشمالي بعد دمار كوكب الأرض، وعندما يدرك أن طاقم فضائيين ما زال على سطح أحد أقمار زحل وهو كـ 23، حيث يقوم أفراده بدراسة إمكانية عيش البشر هناك، يحاول أن يتواصل معهم ليحذرهم من العودة إلى الأرض.
خلافا لأفلامه السابقة، التي كانت تسبر مواضيع سياسية واجتماعية متجذرة في الواقع «سماء منتصف الليل» فيلم خيال علمي تدور أحداثه في الفضاء والقطب الشمالي في المستقبل.
«اذا نظرنا الى جائحة الكورونا، التي نعيشها الآن يصبح الفيلم أقل خيالاً وأكثر وثقائقياً» يضحك كلوني. «أحب فكرة الحديث عما يمكننا فعله لبعضنا بعضاً إن لم نعتن بأنفسنا، وأحب الحديث عن كيف أن الكراهية سمّ يقسّمنا في بلدنا في الولايات المتحدة. إنها أيضا تقسّم دولاً أخرى بطرق عدة. نرى الغضب بين الناس الذين يؤمنون بالكوفيد ومن لا يؤمنون به. ترى كل هذه الأمور. وإذا جرت الأمور هكذا لمدة 30 أو 40 عاماً، فليس من المستبعد أن ندمر الأرض، وبالتالي تعجبني فكرة الحديث عن كيف أن هذه كلها قضايا من صنع الإنسان. الكوفيد من صنع الإنسان، بالتأكيد من خلال رد فعلنا عليه وعدم قدرتنا على احتوائه. أو إذا فجرنا العالم في مواجهة نووية أو إذا تسبّبنا في هوّة في الغلاف الجوي بسبب تغير المناخ. جميع ذلك من صنع الإنسان. وإذا كان من صنع الإنسان فيمكن بالتالي إزالته ويمكننا فعل شيء حيال ذلك.»
كلوني لم يتطرق لهذه المواضيع في الفيلم، بل جعل خراب الكوكب نتيجة كارثة مجهولة، يصفها أوغستين بخطأ، دون أن يكشف عن الخطأ أو الأسباب التي أدت له، تاركا الأمر لخيال المشاهد.
«قد تقول: الأمر كله يتعلق بالمناخ أو ربما بالأسلحة النووية كحرب بين الهند والباكستان اللتين تمتلكان أسلحة نووية. والآن هناك أمور كالوباء، وبالتالي ظننت أن خيالك أكثر إثارة للاهتمام من أي شيء يمكننا شرحه.»
رواية الفيلم مستلهمة من كتاب ليلي بروكس دالتون «غود مورنينغ ميدنايت» الذي يحكي قصة ستة ناجين من دمار الأرض نتيجة كارثة بيئية. وعندما بعثت «نتفليكس» سيناريو الفيلم إلى كلوني للقيام ببطولته، أثار إعجابه، فقرر أن يخرجه بنفسه. وبعد موافقة «نتفليكس، قام بتعديلات تتلائم مع رؤيته، مثل التخلي عن معظم حوارات شخصيته، الذي يقضي جل وقته لوحده في القطب الشمالي بصحبة فتاة لا تتكلم.
«لماذا أتحدث إذا لم يكن هناك من أتحدث إليه» يضحك كلوني. «كان مخططاً أن يبدو وكأنه يتحدث لجمهور ليس موجوداً. فطلبت من الملحن أن يكتب الحوار بالموسيقى حتى لا أقول شيئاً، ما جعله يبدو وحيداً كما كان يشعر.»
كما غيّر سن الفضائيين من جيل العشرينيات الى منتصف العمر لكي يعزز من مصداقية حواراتهم. «بالنسبة لي، لا ثقل أو عواطف لشخص في العشرين عندما يقول إنه يريد العودة إلى المنزل. لكن عندما يقول رجل في الخمسين إنه يريد العودة الى المنزل ليرى زوجته وأطفاله، هذا يضفي ثقلاً كبيراً عليه، وحديثه عن فلسفة الحياة ومعنى الوقت يعني الكثير عندما تكون شخصاً لديه تلك التجربة.»
لكن التغيير الأكبر والأهم كان جعل شخصية العالمة ضمن طاقم الفضائيين امرأة حاملاً وربطها رومانسياً مع قائد الطاقم الأسود البشرة، فأصبح جنينها الأمل في استمرارية الإنسانية على سطح كوكب آخر.
من المفارقات أن الفيلم يريد أن ينجد الإنسانية من الهلاك ويمنحها بيتاً جديداً على سطح كوكب آخر، علماً أن الإنسانية كانت الفيروس الذي أسفر عن دمار كوكب الأرض. أليس حرياً بنا أن نمنح الفرصة لمخلوقات أقل شراً وعنصرية وأكثر وعياً لحماية هذا الكون؟
«هذا ما نقوله بطرق شتى فنحن نتكلم عن التصرف بشكل أفضل هذه المرة ربما» يجيب كلوني. «لا طفل يولد عنصرياً، يجب أن تلقن ذلك. إنها تجربة مكتسبة. فنحن نقول، دعنا نبدأ من جديد لنحاول أن نتجنب ذلك هذه المرة. فلنجد طرقاً لنفعل ذلك. لا يضر أنه رجل أمريكي من أصل أفريقي وأمرأة بيضاء وطفل رضيع مختلط العرق قادم إلى العالم. إنها بالتأكيد طريقة جيدة للبدء.»

حملات كلوني ضد العنصرية

حملات كلوني ضد العنصرية في الولايات المتحدة وخارجها لا تقتصر على تسليط الضوء عليها في أفلامه بل أيضا التحذير منها في وسائل الإعلام ونشر المقالات في الجرائد العالمية.
فعندما اندلعت مظاهرات «حياة السود مهمة» الصيف الماضي، كتب مقالاً على صفحات جريدة «دايلي بيست» الالكترونية، وصف فيه العنصرية في الولايات المتحدة بجائحة طالت أربعمئة عام. ومن أجل التخلص منها، ناشد الأمريكيين بالتصويت لسياسيين لا يحرضون على الكراهية والعنف مثل ترامب ومناصريه.
من المفارقات أن العنصرية في الولايات المتحدة كانت متفشية أيضاً خلال حكم الديمقراطيين، الذين يرّوج لهم كلوني، وأن هوليوود الليبرالية لم تفتح أبوابها للملونين والمسلمين إلا مؤخراً عندما استلم ترامب الحكم.
«لا تنسى أنه كان لديك رئيس أسود لثمانية أعوام ويستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تتسرب هذه الأمور وبالتالي لتندمج في المجتمع، ومن الواضح أننا لم نصل إلى هدفنا بعد» يرد كلوني. «الأمر الآخر، هناك رد فعل مبالغ فيه. فعندما يقف رئيسك ويقول أريد منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، رد الفعل المفرط سيكون من الجانب الآخر وهو أن يضعهم على التلفزيون.
وعندما يقول رئيسك أن الصحافة هي عدو الشعب، ترى المزيد من الصحافة وتراها أكثر فاعلية. فالضغط من جانب واحد يساعد في الواقع على فتح الجانب الآخر.»
أنهى كلوني تصوير الفيلم أواخر شهر فبراير/شباط، عندما تفاقمت أزمة كوفيد-19. فانتقل مع عائلته الى لوس أنجليس، حيث قام بتوليف الفيلم في بيته، الذي يلازمه خشية إصابة ابنه بفيروس كورونا، حيث يعاني من حساسية الربو. «يبدو أنه ورثها مني لأنني أيضاً أعاني من حساسية الربو. ويبدو أنه ورث الكثير من جيناتي وحاجبَي. فعلينا أن نكون حذرين. وكما تعلم هذا العام سأبلغ الستين عاماً، أي أنني كبير في السن. لكن يبدو أن اللقاح وصل فآمل أن نحقن أنفسنا قريباً ونستعيد حريتنا.»
تباينت آراء النقاد حول طرح «سماء منتصف الليل» السردي والضمني. لكن على المستوى الفني، الفيلم يتميز ببصريات مذهلة ولحن موسيقي مؤثر وأداء رائع من كلوني، الذي أنقص ما يقارب ثلاثة عشر كيلوغراما من وزنه من أجل تجسيد شخصية اوغوستين، ما قد يسهم في ترشيحه للأوسكار هذا الموسم. وقد أطلقت نتفليكس الفيلم في دور العرض بداية هذا الأسبوع وستبثه على منصتها الالكترونية في الثالث والعشرين من الشهر الجاري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية