«استيقظت على صراخ الأطفال بسبب الجوع، الذي ينهش أجسادهم الغضة، نحن نتحمل الجوع، لكن الأطفال لا يستطيعون، صراخهم يمزق قلوبنا، حسبنا الله ونعم الوكيل»! آهات من الصحافي أنس الشريف، من غزة، التدوينة التي تناقلتها الكثير من الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي. تدوينات تبين حجم معاناة الناس في القطاع المحاصر، وصور تتجاوز الجوع، ومقاطع فيديو من أطفال وشباب ونساء وإعلاميين، أقل ما توصف بعار على الإنسانية جمعاء!
فقدنا الرغبة في الأكل والنوم والانتماء لعالم هجرته الكرامة والرحمة، عالم عربي إسلامي فاشل، يعجز أن يطعم أو يسقي من خيراته! أنأكل الطعام وبني هاشم جوعى، قالها أحد كفار قريش منذ مئات السنين، ونقلها ناصر شريفي على صفحته في فيسبوك، كما كتب، على خلفية صور لأطفال غزة ينتظرون الأكل وأن تملأ صحونهم الحديدية الفارغة بما يسد رمقهم «انثروا القمح على رؤوس الجبال، كي لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين»! لو تدري من جاع اليوم يا عمر»؟
آلاف الأطفال والنساء والرجال جياع، ونحن نتابع مأساة إنسانية وبطون أشقائنا متخمة وأصابها مرض السكري من التخمة، وطفل صغير يتمنى أن يستشهد «لأن في الجنة خبز»!!
أين من يحكم العالم المسعور، وأين من يحكم العوالم العربية والإسلامية المذعورة الخانعة؟!
هكذا تباد غزة بين هؤلاء وأولئك. غريب أمرنا وأمر دنيانا، ونحن نبحث عن «مخسسات» لنحت أجسامنا واتباع نظام صارم، على أبواب رمضان ونتهيأ لما لذ وطاب للشهر الفضيل، وأهلنا في غزة على مشارف مجاعة، لا سيما الأطفال الصغار ممن لا يمكنهم التحمل، فماذا يمكن لهؤلاء الأطفال أن يتحملوا بعد؟! كما دون الشاعر رزق الله معمر، على صفحته في فيسبوك:
«شفني منظرهم وبقيت محتارا.. من أطفال غزة النايمين..
في وقت الشتا وهطول الأمطار وهم في وحول الخيمة
والريح يضرب والماء يسيل عليهم وأرضهم عايمة.. لقد كثر اليتامى».
هل ننتظر من البرازيل أو من جنوب افريقيا، ومن العالم وما به من أحرار ليقدموا مساعدات غذائية لغزة ونبقى نحن من نتشارك الحدود معها، ونتقارب في التاريخ والجغرافيا واللغة والمصير والدين وكل شيء، متفرجين مكتوفي الأيادي، لا والله، الخزي والعار لمن يسارع لمساعدة الصهاينة ومدهم بالجسور البرية والجوية والغذاء! ونحن نخاف حتى على حالة أطفال الصهاينة النفسية، إنسانية منافقة في غير موضعها، أخوك هنا ليس مرغما وليس بطلا وليس إنسانا، ولم نعد مع «ابن عمي» على الغريب، ولم يعد الظفر العربي يحك جلده!
كلينتون ومسار ملطخ بالدماء
تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، وهي تتلقى وابل الانتقادات والشتائم من متدخلين، حضروا مؤتمر مؤسسة «السينما من أجل السلام» في العاصمة الألمانية، ومن صفحة «الفارس الليبي» نقرأ عن الموضوع، تقول «إسرائيل لديها الحق في الدفاع عن نفسها، يجب أيضا أن نتوقع أن إسرائيل ستفعل أي شيء، فقاطعها الحاضرون: هل أنت جادة؟ عن أي حقوق تتحدثين؟ هناك إبادة جماعية ترتكب من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، والحكومة التي تقفين في صفها، يجب أن تخجلي من نفسك، أنت لست امرأة، أنت لست إنسانة، اخجلي من نفسك، فلسطين حرة، يديك ملطخة بالدماء، أنت مسؤولة عن مقتل آلاف الأفغان، أنت دعمت الحرب في أفغانستان والعراق، وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، أنت مجرمة حرب، أنت منافقة، عار عليك»!
وعلق الروائي واسيني الأعرج على ما حدث، على صفحته قائلا: «الإنسانية لم تمت. ما زال في قلوب الناس عاطفة حقيقية. شباب من داخل قاعة المنتدى العالمي للمستقبل يبهدلون هيلاري كلينتون، التي لا تعرف من جرائم الإبادة ضد الفلسطينيين إلا الدفاع عن دولة الجريمة: إسرائيل. يجب إيقاف هذا الوحش والوحوش الحامية له». وكذلك، علينا كعرب، مواجهة الوحوش المدجنة بيننا بهذه الجرأة نفسها.
أطفال غزة و«بسيناتهم»
الإنسانية بعيدة جدا عن شنبات الصهاينة، ومن يتودد لهم، هي بين من يقصفون وتدمر بيوتهم، بين الجوعى والعطشى والمقهورين في غزة.
تتكرر صور الأطفال مع قططهم، التي حملوها معهم، ولم يأبهوا للقصف، وللدمار. يعيش هؤلاء في فضاءات وملكوت لا يدركها المجرمون وأزلامهم، يعيش الأطفال مع «بسيناتهم سعادة أبدية وفي عز الحرب وأزمة الغذاء والمياه يفضلون إطعام قططهم وتدفئتها ورعايتها. «هاي بيستي حبيبتي بحبها أكثر من روحي، لما طلعت ماخذتش معي ولا إشي غير بس البسة وبحبها أكثر من كل إشي، ظليتني معلقة فيها وطعميها وشربها وكل إشي، بعيط بعيط لأهلي عشان آخذ البسة وما اتركها تموت، أخذتها وخلاص. يعني لو ماتت، بعيد الشر، إش بدي أسوي بزعل، بعيط بدي غيرها، ع قلبي البسة خلص، هاي البسة فيها روح زي البني آدم، ماقدرش أسيبها، أحطلها أكل الصبح، أحطلها لحم، كل إشي، مع إن الأكل قليل، بحسب حسابها زي أهل الدار، مقدرش أسيبها، خلاص زي أختي، زي أخوي، روحي ماقدرش أسيبها بالمرة، لو إيش مايصير يصير بخذها معايا».
كان هذا الفيدبو، بداية هذا الشهر، وكل ما أخشاه أن تكون «البنت والبسة» التي حكت عنها زميلتنا الإعلامية مريم المشتاوي على صفحتها منذ أيام قلائل في كلمات تنزف دما وإنسانية، والقصة التي لن تنساها إلى آخر عمرها، فبينما هي تفتش في الأخبار رأت فتاة صغيرة «يمكن عمرها ست سنين وقاعدة بوشها بسينتها وبسينتها كمان راح تموت بين لحظة والثانية، وتقول البنت للبسينة: تعرفي إن شاء الله بنموت سوا، بس إذا أنا مت قبلك معليه ما تاكليني، تاكلي حدا تاني»!
تضيف مريم «يعني البنت استوعبت فكرة إنو هي راح تموت وتقبلت مصيرا مرعبا وتقبلت جوعا، وكلشي عم تفكر فيه، إنو بسينتها اللي بتحبا كتير مات اكلها، شفتو لوين وصلنا»؟!
إلى أكثر من هذا أين سنصل مريم؟
٭ كاتبة من الجزائر