“جوكر” أمريكا و”بؤساء” فرنسا السينما وكرنفالات الانتقام الحتمي

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”:صدر في العام الفائت كل من الفيلم الأمريكي “جوكر” من إخراج تود فيليبس، والفرنسي “البؤساء” من إخراج لادج لي. ورغم الأجواء المختلفة للفيلمين، إلا أنهما انطلاقا من فكرة مدى التفاوت ما بين الفئة القليلة التي تمتلك كل شيء، وتريد صياغة العالم وفق هواها، وبين فئة عريضة تمثل الأغلبية، تعيش على الهامش ومنسية من الجميع. “الجوكر” الأمريكي لا يختلف عن طبيعة تكوين مجتمعه، ممثلاً فكرة الخلاص الفردي أولاً، حتى يصبح رمزاً لكل المشردين والمنسيين في الأرض، بينما “البؤساء” الفرنسي يتمثل شكل المجموعة المغضوب عليها، صانعاً مفارقة على أرض جمهورية الحرية والإخاء والمساواة. كل من الفيلمين أشار في حدة ووضوح إلى مصير هذا العالم في ظل الرأسمالية التي لن ترحم أحدا، وأن الضربة ستأتيها لا محالة من كائنات خرافية لا تراها السلطة مطلقاً، تناستهم وحولتهم إلى مخلفات بشرية، فقط تعيش لتخدم هؤلاء، وعليها في النهاية أن تقدم صلوات الشكر على الدوام، ولكن ما حدث وسيحدث سيقضي على هذه الأحلام تماماً.

خُلِقتَ لتجلب السعادة

كانت أم آرثر فليك ــ الذي تخلص منها ــ تكرر على مسامعه دوماً، وهو الحالم بأن يصير فنانا كوميديا شهيرا “أنت خلقت لتجلب السعادة لهذا العالم البائس”. ومن هذه العبارة يحاول آرثر المضطرب نفسياً أن يكون هذا الفنان الشهير، حيث مثله الأعلى مقدم برامج كوميدي شهير، يتخيله آرثر كثيراً بأنه والده. وعن طريق جوكر الثمانينات ــ تدور الأحداث في نيويورك 1981 ــ يستطيع جوكر أخيراً أن ينتقم لكل المنسيين في التاريخ الاجتماعي الأمريكي، ضارباً عمق المعتقد الأمريكي القائم على الميديا، كذلك يتماس وبعض الأفلام التي تشابهت في نقد المجتمع الأمريكي، لعل أشهرها “سائق التاكسي” و”ملك الكوميديا” كل منهما قام بالتمثيل فيهما روبرت دي نيرو، وأخرجهما مارتن سكورسيزي.

فكرة التأصيل هذه استخدمها الفيلم، ليصبح دي نيرو هو المثل الأعلى لجوكر، ورغم أنه كان يريد أن يراه أحد، وأن يستشعر وجوده، فملك الكوميديا اختطف مقدم برامج وأصبح شهيراً، لكن موقف جوكر أكثر تعقيداً، فكان الحل في مقتل هذا المثل الأعلى أمام الجمهور وشاشات التلفزيون، فلم يعد سوى فعل القتل، فهو الحل الوحيد. فكرة التوثيق هذه تؤكده حادثة الاعتداء على عدة أشخاص، وهي واقعة إطلاق نار حقيقية حدثت في نيويورك عام 1984. ورغم إصابة هؤلاء في الحقيقة، إلا أن جوكر يقضي عليهم تماماً. وهنا يبدأ المناصرون في نصب كرنفالهم والاحتفاء بوجه الجوكر الذي قتل رجالاً يعملون في وول ستريت، لتبدأ عمليات العنف، وهو ما يتماس بدوره في حركة “احتلوا وول ستريت”.

أما على مستوى الوعي المغلوط، فجوكر هو الشخصية الشريرة مثيرة الفوضى على الدوام في أفلام “الرجل الوطواط” هذا الشخص الخيّر، لكن مَن هو بات مان؟ هو ابن عمدة المدينة، حامي الأثرياء، المدينة الغارقة في القمامة والفقر والبؤس، وبالتالي سيكون التساؤل، عن أي فئة سيدافع السيد بات مان، وأي عدالة يمثلها؟ ورغم اختلاف هذه الشخصية في الأفلام السابقة ــ التي جاء جوكر على نقيضها تماماً ــ فإن الجوكر في أفلام بات مان، يمثل الحقب السياسية المختلفة، بداية من فيلم “بات مان” 1989 حيث اتسمت شخصية الجوكر بالبلاهة والهوس بجمع السلاح، حتى قضى على سكان المدينة في النهاية بغاز الضحك القاتل، ذلك كان عهد ريغان. أما جورج بوش الابن، فتمثل في فيلم “فارس الظلام” 2008 ليصبح جوكر شخصاً شريراً، يستمتع بإحداث الدمار في العالم. أما جوكر 2019 فأصبح يمثل الناس/الأغلبية، فلم يعد يجدي سوى العنف في عهد ترامب. لذلك جاءت اللافتات تؤيده من كل سكان المدينة، فإن كان المهرج هو الفاعل، فـ “كُلنا مهرجون”. حتى أن الضحكة المرتسمة بالماكياج في البداية، أصبحت في ظل ما حدث مرتسمة بالدماء، لينهض بين رفاقه، وقد عرفه الناس وعرف نفسه، لتتحقق مقولته “طوال حياتي أشك في وجودي من الأصل، لكن الآن أنا موجود، وبدأ الناس بملاحظة وجودي”. وأنه بالفعل خُلق لجلب السعادة.

في صحة الجمهورية

تحت ظلال العلم الفرنسي وقرب قوس النصر يتحلق الجميع لمشاهد المباراة النهائية في كأس العالم عام 2018 والذي فازت به فرنسا، نلحظ الفتى عيسى)أحد المهاجرين الأفارقة، وهو يسير والعلم الفرنسي فوق كتفيه، مهللاً لفوز الفريق الفرنسي. هذه اللقطة الافتتاحية المُبهجة ستختفي تماماً، وفي شكل أقرب للأسلوب الوثائقي يتم سرد الأحداث. ففي حي مونتفرمي الباريسي ــ الحي نفسه الذي شهد أحداث رواية البؤساء لفيكتور هوغو ــ تدور الأحداث، وهو حي يجتمع فيه المهاجرون من الأفارقة المسلمين وبعض العرب، وكأنهم مقصيون عن الجميع، في ما يُشبه الثكنة أو المحمية، مشردون، سجناء سابقون، تجار مخدرات، قوادون وداعرات، بجانب المتأسلمين الموصومون دوماً بالإرهاب. مكان موبوء، لا يختلف عن مكان بؤساء هوغو، رغم مرور كل هذه السنوات.

للمكان قوانينه، وللشرطة أخلاقياتها، ومن خلال نماذج ثلاثة لرجال الشرطة الذين يجوبون الحي ــ وحدة الجرائم الخطرة ــ رئيسهم عنصري متعصب، يتباهى بجموحه واستخدام القوة، حتى أنه يصرخ قائلاً عند مناقشته “أنا القانون” وآخر من أهل الحي صاحب أصول أفريقية، وأخير تم نقله مؤخراً للحي، يمثل صوت العقل في تعاملاته. في هذا المكان لا يوجد قانون، بل كل فئة تحتمي بكبير لها يحكم بينها. سجين سابق افتتح مطعماً للمأكولات وأصبح منتمياً لتيار الإخوان المسلمين. وآخر يشرف على تجارة البضائع المُهربة وغير المشروعة، بخلاف فرض الإتاوات على الباعة الآخرين، وتأجير الشقق لبائعات الهوى وزبائنهن. كل ذلك بمعرفة وتحت عين رئيس وحدة الجرائم الخطرة، الذي يستفيد من الجميع في حل مشكلة، أو تسليم خارج على القانون.

يتم اختطاف شبل من فرقة سيرك تزور المكان، وبالطبع سيكون عيسى هو صاحب الفِعلة. وعند محاولة الشرطة الوصول إليه وفراره منهم، يطلق عليه رفيقه الأفريقي طلقة مطاطية من بندقيته، فيصاب بالإغماء ويتشوه وجهه ــ يتماس الفيلم هنا وحادثة قتل الشرطة لاثنين من المهاجرين عام 2005 والتي اشتعلت إثرها أعمال عنف وشغب في أنحاء باريس ــ على الناحية الأخرى يقوم باز طفل آخر، بتصوير ما يحدث من خلال طائرته، التي تطل على الحي لتصور الجميع. هنا تصبح المطاردة للإمساك بصاحب الطائرة. ويتم اللجوء إلى رجال الحي، سواء التائب الإخواني أو التاجر صاحب الأتاوات، حتى يذهب باز إلى الأول ــ الأكثر ثقة ــ ويسلمه ما سجله بكاميرته، ليقوم بدوره وبعد نقاش عقلاني بتسليمه إلى الضابط المنتقل إلى الحي حديثاً.

خلال هذه الأحداث يتم التعرف على حياة هؤلاء وطريقة معيشتهم، وعلاقات القوى التي تتحكم بهم، فلا وجود لدولة ولا نظام. كل مجموعة تختلق نظامها، أما رجل الشرطة، ممثل الدولة، فلا يرى في كل هؤلاء سوى أوبئة يجب القضاء عليها، وفي أفضل الأحوال كبح جماحها واتقاء شرها.

وفي إحدى الصباحات تقوم سيارة وحدة الجرائم الخطرة بالسير في الحي كالمعتاد، ورجال الشرطة الثلاثة يتوجهون نحو مصيرهم المجهول. الشارع هادئ، الأطفال يلعبون كعادتهم، دراجات تتابع السيارة عن بُعد، وبمسدسات ومدافع الماء التي يلعب بها الأطفال يوجهونها إلى عربة الشرطة، فينالون من السباب ما ينالون، وبعدها تصبح الألعاب النارية بديلاً عن الماء، ويبدو أن حرباً ستبدأ، حتى يستدرج الفتيان رجال الشرطة إلى أحد المباني، وهنا يتم الإيقاع بهم. دفعات من الألعاب النارية شديدة الانفجار، حتى أنهم يستدعون قوات الدعم، ليظهر عيسى ويوجه الضربات إليهم، وحتى قواد الحي الذي يأتي مسرعاً لإنقاذ الموقف، يتلقى ضرباً يقضي عليه، وصولاً إلى عيسى الممسك بزجاجة مولوتوف في مواجهة الضابط الجديد الذي حاول إنقاذه من قبل. وكأن هذا الجيل الجديد من الأطفال والفتيان لن يجد سبيلاً أو حلاً سوى استخدام القوة في مواجهة هؤلاء، هنا لن يصبح الانتماء إلى العلم الفرنسي كما في بداية الفيلم، وكأنها بداية ساخرة لما يحدث بالفعل، فالعنف هو الحل في النهاية، حتى يشعر الآخرون أن هؤلاء لهم كل الحق في الحياة.

ربما لم تعد محاولة التعايش بالحيلة ممكنة، وأن الواقع نفسه يفرض سلوكاً آخر لا مفر منه. جاء الفيلمان قبيل جائحة كورونا، وتأثيراتها الاقتصادية، ونتيجة ذلك أن يشهد العالم ليس ضغطاً هذه المرّة، بل محواً لفئات كثيرة يرى أصحاب السلطة ورأس المال أنهم زائدون عن الحاجة، ويجب التخلص منهم، لكن الأمر لن يكون بهذه البساطة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية