جولة الملك والنذالة وتفادي الكوارث في دوري أبطال أوروبا

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: بدأت تتشكل ملامح الفرق المتأهلة للأدوار الإقصائية لدوري أبطال أوروبا، بعد حدوث ما كان متوقعا منذ البداية، باقتراب 50% من عمالقة الدوريات الخمسة الكبرى من حسم التأهل بشكل رسمي مع انتهاء مواجهات الجولة الثالثة لدور المجموعات، فيما نجح النصف الآخر في إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، بتحقيق نتائج مقنعة مقارنة بالبداية المخيبة لآمال المشجعين، أشبه برؤية الضوء في نهاية النفق المظلم، تمهيدا للحاق بركب المتأهلين عمليا، قبل توزيع البطاقات بشكل رسمي بداية من المرحلة المقبلة.

الملك الثائر

لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد، حيث واصل النجم المصري محمد صلاح عروضه السينمائية في الآونة الأخيرة، بقيادة فريقه ليفربول للثأر من أتلتيكو مدريد، بالفوز عليه في عقر داره «واندا متروبوليتانو» بثلاثة أهداف مقابل اثنين، في قمة مواجهات المجموعة الثانية التي تضم معهما ميلان الإيطالي وبورتو البرتغالي، وفي أول معركة بين عملاقي البريميرليغ والليغا، منذ صدام دور الـ16 الشهير في النسخة قبل الأخيرة، حين فعلها التشولو دييغو سيميوني بإقصاء حامل اللقب آنذاك، بالفوز بهدف نظيف في ذهاب العاصمة الإسبانية، وبنفس نتيجة أمسية الثلاثاء في إياب «آنفيلد»، في ما كانت آخر مباراة كرة قدم طبيعية بحضور جماهيري كامل العدد، قبل أقل من 48 ساعة من إعلان منظمة الصحة العالمية، أن كوفيد – 19 جائحة عالمية منتصف مارس / آذار 2020، وكما شاهدنا، كانت سهرة درامية بأتم معنى الكلمة، بداية بظهور نوايا الضيف البريطاني في الانتقام لهزيمة العام الماضي، والتي انطبعت على وجوه الجماهير واللاعبين، بعد صدمة استقبال هدفين في أول ربع ساعة، منها هدف ماركة أبو صلاح، بفاصل من المراوغة «المُهينة كرويا» للمدافعين، انتهى بتسديدة لولبية شارك فيها جيمس ميلنر لتذهب في المكان المستحيل على الحارس المغوار يان أوبلاك.
وتبعه ابن قارته السمراء الغيني نابي كيتا، بضربة غادرة من على حدود منطقة الجزاء، حاول معها الحارس السلوفيني، لكن بعد فوات الأوان، هنا اعتقد جمهور الريدز، أن فريقه على موعد مع انتصار تاريخي في أرض الإسبان، المستعصية على الكيان منذ الفوز الأخير على ريال مدريد في نسخة 2009، لكن على ما يبدو، أن رفقاء صلاح ظنوا أن المهمة قد حُسمت، أو بمعنى آخر فضلوا توفير طاقتهم لكلاسيكو البريميرليغ المقرر له مساء اليوم أمام العدو الشمالي مانشستر يونايتد، والعكس بالنسبة لرجال المدرب اللاتيني، الذين أحسنوا استغلال الثغرات الواضحة بين ثلاثي الوسط جوردان هيندرسون وجيمس ميلنر ونابي كيتا، وبين رباعي الدفاع أندي روبرتسون وفيرجيل فان دايك وجويل ماتيب وترينت ألكسندر أرنولد، وحدث ذلك بتطويع الحلول الفردية لمصلحة الفريق، والحديث عن البرتغالي اليافع جواو فيليكس، الذي فعل كل شيء في كرة القدم، إلا وضع الكرة في الشباك، ولو أنه وضع واحدة على قدم من ذهب أمام الأنيق أنطوان غريزمان ليهز شباك أليسون بيكر، ومثله ليمار في مباراته الجانبية مع أرنولد، ما ساهم في انتفاضة الهنود الحمر، التي أسفرت عن إعادة المباراة إلى نقطة الصفر قبل الذهاب إلى غرف خلع الملابس بين الشوطين.

التفاصيل البسيطة والنذالة

من شاهد المباراة، لاحظ كيف انقلبت الأمور رأسا على عقب بعد عودة الأتليتي في النتيجة، بعودة الصورة التقليدية المعروفة عن فريق دييغو سيميوني، حيث التكتلات الدفاعية وغلق المساحات في كل متر في الملعب، مع الاعتماد على الهجمات المرتدة، في المقابل، وكأن هناك ريمونتادا تُطبخ على نار هادئة، خاصة بعد تأثر وسط ليفربول بالتغيير غير الموفق، الذي أجراه كلوب مع بداية الشوط الثاني، بإقحام البرازيلي فابينيو على حساب أحد نجوم الشوط الأول نابي كيتا، لكن التفاصيل البسيطة أرادت أحمر الميرسيسايد في الأوقات الفاصلة، وكانت البداية بلحظة طرد غريزمان في أول سبع دقائق في الحصة الثانية، لتهوره «المجاني» على فيرمينيو، في لعبة لا تستدعي كل هذه المجازفة غير المحسوبة، ثم بخروج هيرموسو عن النص، بارتكاب هفوة أقل ما يُقال عنها ساذجة في اشتراكه مع البديل الآخر الموفق جوتا داخل منطقة الجزاء، ليعطي الحكم الضوء الأخضر للفرعون للفتك بشباك أوبلاك من علامة الجزاء، لينتهي الاشتباك بنجاح ممثل البريميرليغ في تأمين العلامة الكاملة في أول ثلاث مباريات، كأفضل سيناريو للثأر من أكثر هزيمة تحسر عليها يورغن كلوب منذ توليه القيادة الفنية لليفربول، والتي قال عنها في آخر مقابلة صحافية: «لأكون صادقا، كانت ليلة غير طبيعية، وهي المباراة الوحيدة في مسيرتي التي خسرتها وأنا الأفضل». نفس المقابلة التي كشف خلالها عن رأيه بكل رقي واحترام في التشولو، قائلا: «لا أعرف كيف أستطيع احترام أسلوبهم، بصرف النظر عما إذا كان يعجبني أم لا، فالمهم أن تكون ناجحا»، ويبدو أنها كانت الكلمات التي فجرت ما في داخل سيميوني من نذالة وانعدام للروح الرياضية وتقبل وجهة نظر الآخر، كما وثقت العدسات لقطة هروبه من أرضية الملعب، بسرعة تحاكي الأسطورة يوسين بولت، فقط لإحراج نظيره الألماني أمام الملايين، ضاربا بأبسط أعراف وتقاليد البشر عرض الحائط، بتجاهل الضيف ورفض مصافحته عن عمد، وذلك بحجة «ثقافته الأرجنتينية»، التي ترعرع عليها، بالتعامل مع المدرب المنافس على أنه عدو، إلى أن تجمعهما الحياة بالصدفة كأصدقاء، كما برر فعلته في وسائل الإعلام، بعد تعرضه لواحدة من أشرس حملات الهجوم عليه، كنوع من أنواع الدفاع عن كلوب، الذي تمنى بالمثل العربي الدارج «لو تنشق الأرض وتبتلعه»، من شدة حرج الموقف غير المألوف، أن يبادر ببروتوكول المصافحة بعد إطلاق صافرة نهاية المباراة، وفي الأخير يُفاجأ بما قام به سيميوني على مرأى ومسمع الجميع، كواحدة من أسوأ لقطات الجولة، إن لم تكن أقبحها على الإطلاق، كما وصفها لاعب مانشستر سيتي ومنتخب إنكلترا السابق جوليان ليسكوت، ولو أن ما فعله التشولو لم يؤثر على الهالة الإعلامية والحملة الداعمة لحصول صلاح على الكرة الذهبية، مع استمراره في الحفاظ على مستواه المخيف في الآونة الأخيرة، إلى جانب ممارسة هوايته المفضلة في تحطيم الأرقام القياسية، آخرها إزاحة الزعيم ستيفن جيرارد من صدارة هدافي الريدز في الأبطال، بتسجيل 30 هدفا أو أكثر، فضلا عن الانفراد برقم جديد، كأول لاعب في تاريخ النادي لا يتوقف عن التسجيل في تسع مباريات تواليا، وغيرها من الأرقام والإحصائيات التي عاد بها من العاصمة الإسبانية.

تفادي الكوارث

في اليوم التالي للسهرة الإنكليزية المدريدية المميزة، كان برشلونة ومدربه رونالد كومان، على موعد مع مصالحة المشجعين للمرة الثانية في غضون ثلاثة أيام، وذلك بتخطي عقبة دينامو كييف الأوكراني بهدف القيدوم الكتالوني جيرار بيكيه، بعد اصطياد خفافيش بلنسية بثلاثية مقابل هدف في نفس الملعب «كامب نو» في عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة. صحيح الأداء لم يرتق لطموح الآلاف الذين زحفوا نحو القلعة الكتالونية العتيقة، لكنهم تنفسوا الصعداء بتصحيح صورة الفريق، بعد البداية المفزعة، التي أسفرت عن السقوط في أول مباراتين على يد الدابة السوداء بايرن ميونيخ والجار البرتغالي بنفيكا، بنتيجة واحدة 3-0، كأسوأ بداية للبارسا منذ عام 1997، لتنتعش فرص الفريق في تفادي كارثة الخروج المبكر من دور المجموعات، بدعم سخي من العملاق البافاري، وصل لحد إذلال مضيفه البرتغالي بالأربعة في عقر داره ملعب «النور»، بخلاف الأهداف الأخرى التي ألغاها حكم الفيديو، ليتبقى فقط أن يكرر المدرب يوليان ناغيلزمان وكتيبته تفوقهم الكاسح على بنفيكا في نزهة «آليانز آرينا» القادمة، وفي نفس الوقت، يعود كومان وفريقه الشاب من أوكرانيا بأهم ثلاث نقاط، قبل أن يأتي موعد تحديد هوية المتأهل الثاني من المجموعة، في موقعة برشلونة وبنفيكا في الجولة الخامسة، التي ستعقبها زيارة جحيم «آليانز آرينا» في ختام مرحلة المجموعات.
وعلى سيرة تفادي الفصول الباردة، نجح عملاق الليغا الآخر ريال مدريد، في تجاوز حرج الهزيمة الأخيرة، التي مني بها على يد المغمور شيريف في قلب «سانتياغو بيرنابيو» بنتيجة 2-1، وذلك باكتساح شاختار دونيتسك الاوكراني بخماسية بلا هوادة خارج القواعد، منها ثنائية للمتوهج منذ بداية الموسم فينيسيوس جونيور وهدف لمواطنه رودريغو غوس وآخر للحكومة كريم بنزيما، فيما افتتح سيرجي كريفتسوف مهرجان الأهداف بهدف بالنيران الصديقة عند الدقيقة 37، ليخطف الميرينغي صدارة المجموعة الرابعة، برصيد ست نقاط، بأفضلية الأهداف عن الحصان الأسود المولودوفي، الذي توقفت مغامراته التاريخية بالسقوط أمام الإنتر بنتيجة 3-1 في «جوسيبي مياتزا»، لتتضاعف آمال بطل الكالتشيو في تجنب ما حدث الموسم الماضي، بالخروج المبكر من مرحلة المجموعات، بوصوله للنقطة الرابعة، في انتظار هدية جديدة من اللوس بلانكوس عندما يستضيف شاختار في المباراة المقبلة، على أن يتكفل رجال سيموني إنزاغي بإرسال شيريف إلى المجهول في نفس التوقيت، ليصبح ترشح الكبيرين إلى مراحل خروج المغلوب مجرد مسألة وقت، حتى يأتي موعد الفصل في صدارة المجموعة في «سانتياغو بيرنابيو» في الجولة الأخيرة.

الانتصار المُخدر

واحد من الكبار الذين وضعوا قدما في قرعة دور الـ16، هو مانشستر يونايتد، بعد انتصاره المخدر على ضيفه الإيطالي أتالانتا بنتيجة 3-2، الذي جاء على طريقة «الولادة القيصرية»، بصدمة كربونية لما حدث مع أتلتيكو مدريد في أول ربع ساعة أمام محمد صلاح، باستقبال هدفين، ولولا براعة ديفيد دي خيا واستبساله في دفاعه عن عرينه، لانتهى الشوط الأول بأكثر من هدفين، ليختلط الحابل بالنابل في الشوط الثاني، منها لتأثر فريق المدرب غاسبريني بالخروج الاضطراري لنجم الشوط الأول وصاحب الهدف الثاني ميريح ديميرال بداعي الإصابة في مطلع الشوط الثاني، ومنها أيضا للاستفاقة الجماعية لأصحاب الخبرات، وبعض البدلاء الذين تذكرهم المدرب الاسكندينافي في الربع ساعة الأخير من المباراة، ليخطف اليونايتد الثلاث نقاط بشق الأنفس، وبلحظات إبداعية من نجومه، وليس بجملة أو خطة متفق عليها، مقارنة ببصمة غاسبريني الواضحة على لاعبيه المغمورين، مقارنة بالأسلحة الفتاكة التي يمتلكها سولشاير، سواء في قوامه الرئيسي أو على مقاعد البدلاء، وإلى الآن ما زال يبحث عن الخلطة السحرية، التي تضعه على قدم المساواة مع مشروع توماس توخيل مع تشلسي ويورغن كلوب مع ليفربول والفيلسوف بيب غوارديولا مع مانشستر سيتي، والدليل على ذلك مقارنة الصورة أو المحتوى الذي يقدمه الفريق على أرض الملعب، مقارنة بخصومه المحليين، الذين يلعبون بإستراتجية وشخصية واضحة في كل المباريات سواء على ملاعبهم أو في الخارج، ويكفي أن أغلب المحللين أجمعوا على أن كريستيانو رونالدو وباقي رفاقه لعبوا من أجل مدربهم في الشوط الثاني، كونه كان على بعد خطوة من الطرد، بعد استمرار سلسلة النتائج الكارثية على المستوى المحلي، بالتجرع من مرارة الهزيمة أمام ليستر سيتي في أول مباراة بعد عودة اللاعبين الدوليين، ليبقى السؤال: هل سيستغل سولشاير هذه الدفعة المعنوية المثالية، باستعادة نغمة الانتصارات في البريميرليغ بداية من قمة اليوم أمام ليفربول؟ أم ستعود ريما إلى عادتها القديمة ويتجدد صداع تذبذب الأداء والنتائج؟ هذا ما ستكشف عنه الأسابيع القليلة القادمة.

ميسي الحاسم والمهرجانات

على ملعب «حديقة الأمراء»، كان البرغوث ليونيل ميسي، يفي بدفعة جديدة من العودة والآمال المعلقة عليه من قبل مشجعي باريس سان جيرمان، بظهوره بنسخته الكتالونية المعروفة عنه، متقمصا دور البطل بعد تأخر فريقه في النتيجة أمام لايبزيغ بنتيجة 2-1، بالتكفل بتسجيل هدف التعديل ثم الهدف الثالث والحاسم، ولولا تواضعه بترك كيليان مبابي يسدد ركلة الجزاء التي أهدرها في الدقائق الأخيرة، لخرج بأول «هاتريك» في مشواره مع العملاق الباريسي، لكن في كل الأحوال، فعل ليو المطلوب منه في غياب شريكه البرازيلي نيمار جونيور بداعي الإصابة، بقيادة الفريق للانتصار الثاني على التوالي، بعد مساهمته في إسقاط وصيف بطل النسخة الثانية مانشستر سيتي بثنائية نظيفة، لينفرد «بي إس جي» بصدارة المجموعة الأولى بالوصول للنقطة السابعة، بفارق نقطة عن الفريق السماوي، الذي اكتسح كلوب بروج بالخمسة في بروكسل، منها ثنائية لفخر العرب الآخر رياض محرز، ليكسر رقم الأسطورة رابح ماجر الصامد منذ عقدين من الزمان، بالانفراد بصدارة أكثر لاعبي الجزائر تسجيلا للأهداف في دوري أبطال أوروبا.
وكانت نتيجة مباراة السيتي العريضة، في واحدة من المباريات التي انتهت بمهرجان أهداف جنبا إلى جنب مع انتصاري ريال مدريد وبايرن ميونيخ على شاختار وبنفيكا، مثل فوز لشبونة على بشكتاش التركي على ملعبه «فودافون آرينا» بنتيجة 4-1، لحساب المجموعة الثالثة، التي شهدت مفاجأة أخرى من العيار الثقيل، بسقوط بوروسيا دورتموند في وجود إيرلنغ براوت هالاند أمام أياكس أمستردام برباعية نظيفة في «يوهان كرويف آرينا»، لتختلط حسابات المرشح الثاني بجانب أياكس صاحب العلامة الكاملة (9 نقاط)، بتوقف أسود الفيستسفاليا عند ست نقاط وخلفهم لشبونة بثلاث نقاط ومهمة أخرى سهلة أمام بشكتاش في البرتغال، وكذا استعرض حامل اللقب تشلسي قوته المفرطة أمام ضيفه المتواضع مالمو، باكتساحه برباعية مع الرأفة، وذلك في الوقت الذي عاد فيه يوفنتوس من روسيا بفوز معقد، بتخطي زينت سان بطرسبرغ بهدف سجله ديان كولوسيفسكي قبل النهاية بدقيقتين، ليصبح تأهل اليوفي وتشلسي مجرد مسألة وقت، بسيطرة الأول على الصدارة بالعلامة الكاملة وخصمه الإنكليزي في الوصافة بست نقاط، وتزامنا مع ريمونتادا الشياطين الحمر، تمكن فريق فياريال من قهر يانغ بويز بالأربعة في عقر داره، ليتقاسم الوصافة مع أتالانتا، ولكل منهما أربع نقاط، بفارق 3 نقاط عن أصدقاء كريستيانو رونالدو، لتبقى المنافسة مفتوحة على مصراعيها وقابلة لكل الاحتمالات في الجولات القادمة الفاصلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية