عادة ما تعكف الإدارات الأمريكية في الأسابيع الأخيرة من حياتها السياسية على ترتيب أوراق انسحابها والتركيز على إجراء عملية انتقال سلس للسطة، لكن هذا الأمر لم ينطبق هذه المرة على إدارة ترامب وهي تمر فيما بات يعرف سياسيا بمرحلة “البطة العرجاء” وهي مرحلة الأسابيع الأخيرة من حكم الإدارة الأمريكية التي تتجمد فيها النشاطات الخارجية. إذ أعلنت الخارجية الأمريكية عن جولة أوروبية وشرق أوسطية يقوم بها وزير الخارجية مايك بومبيو، والتي ابتدأت يوم 13 تشرين الثاني/نوفمبر، ومن المتوقع ان تستمر حتى 23 تشرين الثاني/نوفمبر وستشمل كل من فرنسا، وتركيا، وجورجيا، وإسرائيل، والإمارات، وقطر، والسعودية.
ولم يتضح هدف جولة بومبيو الأخيرة، فبينما أعلن في باريس أن هدف زيارته هو التباحث في ملفات مثل الإرهاب أو النزاع حول إقليم ناغورني قره باغ، نجده قد ركز في زيارته إلى اسطنبول على الحريات الدينية، والغريب أن المسؤولين الأتراك لم يستقبلوا مايك بومبيو الذي ألتقى بطريرك القسطنطينية المسكوني برتلماوس الأول، الزعيم الروحي للكنيسة الأرثوذكسية، في مقر البطريركية، ثم قام بجولة في مسجد رستم باشا القريب، وكان هدفه المعلن من الزيارة حسب التصريحات الرسمية البحث في “مسائل دينية في تركيا والمنطقة وليؤكد الموقف الحازم للولايات المتحدة حيال هذه المواضيع” وقد أثار هذا التصرف انتقادات شعبية في اسطنبول كما أثار امتعاض المسؤولين الأتراك.
وفي محطته الثالثة، العاصمة الجورجية تبليسي، أكد بومبيو على دعم بلاده لسيادة جورجيا أمام “نفوذ روسيا المتزايد في منطقة القوقاز” وكذلك دعم الولايات المتحدة للمؤسسات الجورجية التي اهتزت جراء أزمة “ما بعد الانتخابات” الأخيرة، وأعرب بومبيو للمسؤولين الجورجيين عن تفهمه “للألم الناجم عن احتلال بلدكم” في إشارة إلى الجمهوريتين الانفصاليتين أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، اللتين اعترفت موسكو باستقلالهما بعد حرب 2008. كما أكد في لقائه مع الزعيم الروحي للكنيسة الأرثوذكسية الجورجية، البطريرك إيليا الثاني على التزام الولايات المتحدة بدعم الحريات الدينية، كما أكد على الدور المهم لجورجيا في دعم الحرية الدينية في العالم.
سياسة الضغط القصوى
بدا واضحا أن إدارة ترامب وفي مقدمتها وزير خارجيته مايك بومبيو لا يريد أن ينهي الدورة الرئاسية بدون تجميع أكبر ضغط ممكن على إيران، والسعي لزرع أكبر عدد ممكن من المشاكل التي تعيق إعادة التعامل السلس بين واشنطن وطهران التي تتوقع انفراجا ملحوظا قادما على يد إدارة الرئيس المنتخب جوزيف بايدن الذي يتوقع الإيرانيون منه العودة لسياسية الرئيس أوباما الذي وقع الاتفاق النووي عام 2015.
وقد انعكس كل ذلك على إعلان الهدف من زيارة مايك بومبيو للشرق الأوسط عبر تأكيده على التحشيد ضد إيران، إذ أعلن بومبيو في باريس في مستهل جولته قائلا؛ إن “الولايات المتحدة ما زال لديها المزيد من العمل في الأسابيع المقبلة لتقليل قدرة إيران على تعذيب الشرق الأوسط”. وأضاف في تصريحات لصحيفة “لو فيغارو” الفرنسية، “حرصنا على أن يكون لديهم (إيران) أقل قدر ممكن من الدولارات والموارد لبناء برنامجهم النووي”. كما أعلن عن “عزم الولايات المتحدة تشديد عقوباتها ضد طهران” على خلفية ما وصفه بسياسة “القمع السياسي” الذي يمارسه النظام الإيراني ضد معارضيه.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت حزمة عقوبات على إيران في إطار سياسة الضغط القصوى نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر المنصرم، إذ أعلن بومبيو في تغريدة على حسابه الرسمي في “تويتر” يوم 30 تشرين الأول/اكتوبر أن بلاده “فرضت يوم أمس عقوبات على 11 كيانا و5 أفراد على صلة بصناعة النفط الإيرانية” وشدد على أن أمريكا لن تتوانى إطلاقا عن ملاحقة أي كيان أو فرد يساعد النظام الإيراني على التهرب من العقوبات الأمريكية.
وكان بومبيو قد سبق جولته الأخيرة بتصريحات خطيرة في أيلول/سبتمبر الماضي، إذ قال؛ إن “الإمارات وإسرائيل توصلتا لاتفاق لتشكيل تحالف ضد إيران لحماية الأراضي الأمريكية والشرق الأوسط عبر اتفاقية التطبيع المعروفة بـ (اتفاق أبراهام)” وعلق بومبيو في حوار تلفزيوني مع قناة “فوكس نيوز” الأمريكية المقربة من إدارة ترامب بالقول إن؛ “أبو ظبي وتل أبيب تنظران إلى طهران على أنها خطر كبير” كما أشار إلى أنّ “الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل لبناء علاقة يمكن من خلالها تشكيل تحالف، للتأكد بألا يصل الخطر إلى الأراضي الأمريكية أو يؤذي أحدا في الشرق الأوسط”.
الضربة الأخيرة
ونتيجة هذا التصعيد ساد الأجواء الدولية والإقليمية تخوف من احتمال اتخاذ الرئيس ترامب خطوات تصعيدية ضد إيران قد تقود المنطقة إلى حرب إقليمية. فقد كشف تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” عن مصادر بارزة في البنتاغون، أن القلق يسود من تخطيط ترامب لعمل دراماتيكي أخير قبل مغادرته البيت الأبيض، وأن هذا الخطر يتمثل في هجوم عسكري في إيران أو فنزويلا. وقد أشارت الصحيفة في تقريرها إلى نظر الرئيس ترامب في الخيارات الممكنة لمهاجمة إيران من أجل إيقاف برنامجها النووي، وهي الخطوة التي أثناه عنها مستشاروه الذين حذروه من أن الأمور قد تتصاعد إلى صراع أوسع في الأسابيع الأخيرة له في المنصب. كما كشفت الصحيفة في مستهل تقريرها، الذي أعدَّه مجموعة من المراسلين، أن الرئيس ترامب سأل كبار المستشارين في اجتماع بالمكتب البيضاوي يوم الخميس 12 تشرين الثاني/نوفمبر عما إذا كانت لديه خيارات لاتخاذ إجراءات ضد منشأة “نطنز” النووية الإيرانية بعد إعلان المفتشين الدوليين عن زيادة كبيرة في مخزون إيران من المواد النووية.
من جانبها أشارت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية إلى تعجبها من زيارة مايك بومبيو إلى إسرائيل إذ قالت في تقرير؛ “لماذا يأتي وزير الخارجية الأمريكية المنتهية ولايته إلى هنا، مع استمرار تفشي جائحة فيروس كورونا، ومن المفترض أن يحزم رئيسه حقائبه بعد خسارته الواضحة أمام بايدن في الانتخابات الرئاسية؟”. لكنها بينت؛ إن “المسؤولين الإسرائيليين يحاولون فهم نوايا ترامب بشأن إيران حتى نهاية جلوسه في البيت الأبيض” وهذا ما سيتم مناقشته بين بومبيو ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بحسب الصحيفة.
كما أشار الكاتب الإسرائيلي ران أدليست في مقال في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية إلى التوتر الأمريكي الإيراني الأخير بقوله؛ “عندما اعتقدنا أننا تخلصنا من الشيطان الإيراني، قفز مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، وذكرنا بأن إدارة ترامب، لا تزال ترى في إيران خطرا على وجود العالم، وذخرا استراتيجيا مهما في حملة الانتخابات”. وأضاف “بعد أن فشلت مساعي ترامب لتمديد حظر السلاح على إيران، أعلن بومبيو أن الولايات المتحدة ستفعل آلية العودة إلى العقوبات على طهران، إذ يتوقع انضمام شركاء إلى الاتفاق”. كما ذكر موقع “أكسيوس” أن المبعوث الأمريكي الخاص بإيران إليوت أبرامز، التقى في إسرائيل برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات لبحث خطة العقوبات، وأبلغت مصادر إسرائيلية الموقع بأن ما وصف بـ “طوفان” من العقوبات سيزيد الضغط على إيران، ويمنع بايدن من العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة.
وفي الإطار ذاته، قال أحد مستشاري ترامب لشبكة “فوكس نيوز” إن “هناك احتمالات بأن تهاجم إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية قبل مغادرة ترامب لمنصبه”. واستذكرت صحيفة “هآرتس” ما جرى بين عامي 2009 و2013 حينما فكر نتنياهو في شن ضربة جوية ضخمة ضد إيران، وما حدث من جدل مع وزير دفاعه آنذاك إيهود باراك، إلى جانب اعتراض رئيس الموساد مئير دغان على هذه الفكرة، لأنه لا يمكن الاستعداد لهجوم في غضون أسابيع قليلة.
الرد الإيراني
تحدث عدد من المراقبين للشأن الإيراني عن وجود وجهتي نظر إيرانية بخصوص احتمالية توجيه إدارة ترامب ضربة عسكرية قبل مغادرة الرئيس للبيت الأبيض، فوجهة النظر الإيرانية الأولى ترى أن ترامب الذي لم يرد على إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة، أو استهداف قاعدة عين الأسد في الأنبار، لا يريد المزيد من القتلى الأمريكيين في المنطقة. بينما تقول وجهة النظر الثانية أن ترامب يحتاج لهذا التحرك من أجل إحراج الإدارة الجديدة ومنعها من العودة للاتفاق النووي الذي انسحب منه، وكذلك سيكون تصرفه استجابة للضغوط الإسرائيلية والعربية في هذا الإطار، وذكر بعض المطلعين على الشأن السياسي الإيراني أن إيران أبلغت أطرافًا وسيطة برسالة لأمريكا، مفادها أنها سترد على أي عمل عسكري، وسيكون الرد مزلزلا في المنطقة ولن يتوقف عند معركة صغيرة، إذ ربما يؤدي إلى حرب مفتوحة.
وقد توعدت الحكومة الإيرانية، بتصريحات رسمية قالت فيها، أن أي تحرك أمريكي ضد مواقعها النووية سيقابل بـ “رد ساحق” جاء ذلك في تصريح المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي، خلال مؤتمر صحافي قال فيه إن “أي تصرف ضد الشعب الإيراني سيواجه قطعا برد ساحق” وأضاف ربيعي أن “المجتمع الدولي بما فيها المحاكم الدولية، أدانت سياسات النظام الأمريكي نظرا للأضرار التي تسببب فيها نتيجة للحظر الذي يفرضه على إيران”.
اقتباس
إيران توعدت برد ساحق لأي تحرك أمريكي ضد مواقعها النووية