باريس- “القدس العربي”: ذكّرت مجلة “جون أفريك” الفرنسية المختصة في الشؤون الأفريقية، بأنه تم إغلاق الحدود البرية بين الجزائر وتونس منذ شهر مارس من عام 2020 بسبب تفشي جائحة كورونا، في الوقت التي تستقطب فيه تونس كل فصل صيف حوالي ثلاثة ملايين سائح جزائري.
في المقابل، ليس اللجوء إلى السفر جوا متاحا لكل الجزائريين، كما هو الحال مع فؤاد البالغ من العمر 46 عاما، وهو أب لثلاثة أطفال، ويقول إنه سيلغي سفره هذه السنة أيضا بسبب ارتفاع أسعار تذاكر الطيران عبر الخطوط الجوية التونسية، بعد أن اعتاد في الماضي على الدخول إلى تونس براً عبر الحافلة بحوالي 39 يورو، ما يتيح له توفير قدر كبير من ميزانيته وإنفاقه خلال عطلته.
لكن هذا العام مرة أخرى -تضيف “جون أفريك”- ما تزال الحدود البرية بين البلدين مغلقة على الرغم من تحسن الوضع الصحي في الجزائر التي تحصي ما بين 0 إلى 10 أشخاص مصابين يوميا منذ عدة أسابيع. بينما تم في ذروة الوباء استئناف الرحلات الجوية والبحرية في الأول من يونيو 2021 بقرار من مجلس الأعلى للأمن الجزائري.
مع إبقاء الحدود البرية مغلقة، تخسر تونس 3.8 مليون جزائري تستقبلهم سنويا على أراضيها من أجل العلاج أو الإقامات السياحية
غير أن سعر التذكرة الذي حددته الخطوط الجوية الجزائرية، ورغم أنه أقل من سعر الخطوط التونسية، ما يزال العديد من الجزائريين يعجزون عن دفعه. ما بين 45 ألف و48 ألف دينار جزائري بالنسبة للدرجة الاقتصادية، تضاف إلى 8 آلاف دينار كرسوم لإجراء اختبار الكشف عن كورونا PCR.
وفي شهر أغسطس، من المتوقع أن يتجاوز سعر تذكرة الذهاب والإياب بين الجزائر العاصمة وتونس حسب توقعات شركة الطيران الوطنية، 60 ألف دينار. وبحسب مسؤول في وزارة السياحة، فإنه حتى قبل جائحة كورونا، كان السفر برا هو البوابة الرئيسية للسياح الجزائريين إلى تونس بنسبة 93 في المئة.
وتتابع “جون أفريك” أنه مع إبقاء الحدود البرية مغلقة، تخسر تونس 3.8 مليون جزائري تستقبلهم سنويا على أراضيها من أجل العلاج أو الإقامات السياحية. ففي منتصف شهر مايو 2022، سافر 36 ألف جزائري فقط إلى تونس، مقارنة بـ400 ألف في الفترة نفسها قبل جائحة كورونا. وموسم الصيف هذا العام لا يعد بأفضل. فإلى جانب التكلفة الباهظة لتذاكر الطيران، لا يمكن لأسطول الخطوط الجوية التونسية المخصص للتبادل التجاري مع الجزائر، استيعاب الطلب في السوق لموسم الصيف. الأمر نفسه بالنسبة للخطوط الجوية الجزائرية، التي تخصص سبع رحلات أسبوعياً فقط من وهران إلى تونس.
وأشارت “جون أفريك” إلى أنه منذ فصل الربيع، كثف المسؤولون في قطاع السياحة التونسي دعواتهم لإعادة فتح الحدود البرية بين البلدين. وخرجت مظاهرات في مدينة نفطة جنوب غرب تونس احتجاجا على هذا الإغلاق.
على الجانب الجزائري -توضح “جون أفريك”- تخشى وكالات السفر أيضا من خسائر فادحة. فمثلاً، يتساءل مدير الوكالة السياحية في حي سيدي يحيى الراقي بالجزائر العاصمة، الذي يكافح لبيع باقات سفره المنظمة إلى تونس عبر النقل الجوي، يتساءل ما الذي يدفع إلى الإبقاء على الحدود البرية مغلقة بين البلدين، على الرغم من انخفاض معدلات الإصابة بكوفيد-19 على جانبي الحدود؟
على المستوى الثنائي، تراكمت بوادر الاختلاف في الأشهر الأخيرة، على عدد من الملفات يتقدمها الملف الليبي، وتخشى تونس أن تتوقف الجزائر بسبب التأخير في سداد فواتيرها عن إمدادها بالغاز الطبيعي بالكميات اللازمة لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
رسمياً، لا توجد فجوة بين البلدين اللذين يتباهيان بـ”علاقة مميزة وتاريخية” كما تؤكد “جون أفريك”، موضحة أنه تم التأكيد على موقف في 10 يونيو خلال زيارة وزير الخارجية الجزائري رمضان لعمامرة إلى تونس، يحمل رسالة من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الرئيس قيس سعيد، يؤكد فيها رغبته في “زيادة تعزيز علاقات الأخوة المتميزة”.
وخلال مؤتمر صحافي على هامش لقائه بالرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون: إنه “مستعد لمساعدة تونس على الخروج من الوضع الصعب الذي سقطت فيه والعودة إلى المسار الديمقراطي مثل الجارة ليبيا”. وهو تصريح يتناقض مع الموقف التقليدي الذي كان حتى الآن كريما للرئيس قيس سعيد، والذي سارع رئيس الدبلوماسية الجزائرية رمطان لعمامرة إلى تصحيحه بعد خمسة عشر يوما خلال زيارته لتونس، وصرح بأن “بلاده تثمن الاستقرار ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لتونس، واحترام اختيار قادتها والثقة في قدرتهم على خدمة مصالح البلاد على أفضل وجه في المرحلة المقبلة”.
ولكن على المستوى الثنائي، تراكمت بوادر الاختلاف في الأشهر الأخيرة، على عدد من الملفات يتقدمها الملف الليبي. فبينما تطالب تونس بتسوية ليبية- ليبية، في إطار الحياد الصارم بين الفصائل الليبية، اختارت الجزائر دعم معسكر حكومة الوحدة الوطنية. وعلى صعيد المبادلات الاقتصادية، تخشى تونس أن تتوقف الجزائر بسبب التأخير في سداد فواتيرها عن إمدادها بالغاز الطبيعي بالكميات اللازمة لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
وتوضح “جون أفريك” أن الجزائر طمأنت مرة أخرى جارتها من خلال وزير الطاقة، الذي قال إن السلطات الجزائرية والشركات ستستجيب بشكل إيجابي، مضيفا أن تونس بحاجة للطاقة لتمكينها من قضاء موسم الصيف في أفضل الظروف.
الوضع الراهن لا يناسب السلطات التونسية، بينما يبدو من ناحية أخرى مواتياً للاقتصاد الجزائري باعتبار أن وزارة السياحة أطلقت منذ عدة أشهر استراتيجية لإعادة توجيه السائحين الجزائريين إلى الوجهات المحلية على حساب تونس
وبحسب مسؤول كبير في وزارة الخارجية الجزائرية، فإنه وبعد فتح الحدود الجوية والبحرية عام 2021 والإعلان في 28 يونيو عن إعادة فتح الحدود البرية مع تونس للبضائع، سيتبع ذلك حتما فتح الحدود أمام الناس. ويضيف هذا المسؤول الجزائري أنها مسألة وقت فقط، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال تأويل هذا التأخر في فتح الحدود بأنه علامة على الخلاف بين البلدين، تشير “جون أفريك”.
وتعتبر المجلة أن الوضع الراهن لا يناسب السلطات التونسية، بينما يبدو من ناحية أخرى مواتياً للاقتصاد الجزائري، باعتبار أن وزارة السياحة الجزائرية أطلقت منذ عدة أشهر استراتيجية لإعادة توجيه السائحين الجزائريين إلى الوجهات المحلية على حساب تونس، من خلال تعزيز قدرات الاستقبال وتحسين جودة الخدمات التي تقدمها الفنادق، وكذلك اعتماد صيغة “إيجار منزل”. كما أن الإبقاء على إغلاق الحدود البرية أمام الجزائريين، يسمح بعدم عدم إنفاق احتياطيات النقد الأجنبي للجزائر، إذ يستفيد نحو 3 ملايين سائح جزائري يزورون تونس كل عام، من منحة بقيم 80 يورو للفرد الواحد، في الوقت الحاضر سيبقى هذا المبلغ الضخم في خزائن الدولة.