هناك أهمية دائمة للأنواع الأدبية أو الفصائل الكتابية، بالرغم من وجود عدد من التساؤلات المستمرة حول جدوى وجودها وفاعليتها، وخاصة في العقود الأخيرة، حيث أصبحت التداخلات واضحة والحدود شبه غائمة ورجراجة. ففي بعض الأحيان نشعر أن مفهوم أي نوع من الأنواع موجود ومختزن، ولكن عند الممارسة الفعلية نشعر أن هذا المفهوم بتحديداته المعهودة ليس كافيا، لإسدال حدود وملامح متماسكة بين الأنواع، وخاصة تلك الأنواع التي تتشابه في المنطلق الأساسي في تجليها وتشكلها، وفي جذرها الأساسي المغذي لتمددها.
وظيفة وجدوى النوع
يظلّ سؤال جدوى الأنواع الأدبية مهما، وذلك للمتغيرات التي تلحق بهذه الجدوى أو تلك الوظيفة أو الوظائف التي تقوم بها، وإذا كان هناك دائما شكوك أو تساؤلات ترتبط بقيمة الأنواع الأدبية أو بجدوى النظرية بشكل عام، فإن هذه الشكوك وتلك التساؤلات تتولّد في الغالب من تغير الدور الحيوي الذي تقوم به الأنواع الأدبية، واختلافها من لحظة زمنية إلى لحظة زمنية أخرى. ويمكننا الإجابة عن معظم هذه التساؤلات إذا كان لدينا وعي بتطور هذا الدور وتلك الجدوى، من وقوفها عند كونها أداة تصنيفية تقيم حدودا ثابتة، إلى تخليها عن هذا الدور، وارتباطها- فوق دورها السابق – بدور جديد يرتبط بفاعلية مغايرة تتعاظم على الدور التصنيفي الذي يحدّد ويسكّن الأعمال الأدبية وفق تصوّر مسبق، إلى دور يسهم في عملية القراءة، بحيث تتجاوب مع الممارسة والفهم، وتتحوّل في سبيل ذلك من أداة تصنيفية إلى أداة جمالية تزيد من متعتنا في قراءة وتلقي النصوص الأدبية.
فالعلاقات التي لا يمكن ملاحظتها بعيدا عن وجود سياق تجعلنا في مواجهة السمات المميزة التي يتيحها كل شكل كتابي بالرغم من وجود الجذر وتحققه في أشكال عديدة، فالأنواع هنا تصبح بحثا عن الفرادة أو التميز الذي يتيحه كل نمط، فتشابه الأفراد داخل الأسرة الواحدة لا ينفي أن هناك خصوصية لكل فرد. فالكتابة النثرية بتوجهها السردي-الرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية والنقد الأدبي- تشير إلى جذر خاص يجمع كل هذه الأشكال، ولكن عمل نظرية الأنواع هنا لا يرتبط- في دورها الجديد- بالجذر بقدر ارتباطه بخصوصية كل توجه أو نمط من الأنماط السابقة، وما يتيحه من خصوصية التوجه المعرفي في إدراك العالم ومقاربته.
ويمكن أن تكون المقارنة بين الوظيفتين ماثلة في وقوف الوظيفة الأولى – التصنيفية- في منجزها عند حدود التعريف والتحديد، وارتباط الوظائف الأخرى لعمل وجدوى النوع واستحضاره من خلال عملية وصفية للعمل، وارتباط القيمة النوعية المصفاة بتلقي العمل، وجعله يتم وينجز على نحو خاص. فالتعريف يرتبط بالمحدد وينطلق من الثبات والسكون، ولا ينجح (تعريف) أو (تحديد) النوع في أداء دوره إلا إذا ارتبط بالممارسة النقدية والفهم، وأصبح داخلا في نسيجها، فالتعريف يعتمد على النماذج المستقرة.
وظيفة النوع وفق هذا التحديد الأخير تصبح إطارا مرجعيا ومدرجا يستطيع القارئ من خلاله اختيار وتأويل النصوص، وهذا يعزّز وعينا وارتباطنا بالنصوص. وفي إطار ذلك ينقل تشارلز إي ماي اقتباسا من فريدريك جيمسون وثيق الصلة بالسرد في إطاره العام، وبالقصة القصيرة بوصفها نمطا كتابيا داخل ذلك الإطار، حيث يشير جيمسون إلى أن السرد إطار معرفي، وأحد التصنيفات التي يمكن من خلالها أن نفهم العالم، وبريد أن يعرف ما إذا كانت السرديات القصيرة تفهم العالم بشكل مختلف عن السرديات والأشكال الطويلة.

جوهر النوع بين القصر والانقطاع
تتولّد لبعض الأنواع الأدبية – نظرا لتطابق الجذع السردي المغذي لكل هذه الأشكال أو الأنماط الكتابية – الكثير من الإشكاليات التي تلازم تحديده، وتطل برأسها على الدوام. ولعل القصة القصيرة تعدّ النوع الأبرز في ذلك السياق. ففي كل الآداب لدينا في البداية مساحة ممتدة يطل فيها مصطلح القصة مصطلحا جامعا للرواية والقصة القصيرة. ويمكن في ذلك الإطار أن نتوقف عند بعض الصفات المقدمة للقصة القصيرة في اللحظة الآنية، أو دخولها في تراتب هرمي بينها وبين الرواية، حيث تأتي الرواية في المقدمة، وتأتي هي تابعة، ونتيجة لذلك لا يمكن صياغة تحديد نوعي لها إلا من خلال جدلها مع الأنواع السردية الأخرى التي تشكل قمة الهرم.
وثمة تحديدات ترتبط بالموضوعات والثيمات التي تبدو غير كافية بوصفها أساسا لتحديد النوع، لأنها متغيرة من زمن لزمن، ومكفولة ومتاحة لكل الأنماط الإبداعية الأخرى. ففي دراسة ماري لويس برات نجدها تربط القصة القصيرة بالتهميش المكاني والجنساني والسياسي، ففي رأيها أن القصة القصيرة تزهر حيث تسعى المجموعات المهمشة لتأكيد صوتها داخل الآداب القومية. ولكن التحديد الأهم الذي ربما يكون قريبا من تجسير نوع من المشروعية يتمثل في مجموعة المقاربات التي ترى القصة القصيرة مشدودة للحركة والثبات في آن، فهي تنتمي للسرد النثري بوصفه الوسيط، وتستخدم اللغة الاستعارية المشحونة دلاليا للإيحاء وعدم المباشرة.
فالقصة القصيرة وفق التحديد الأخير سردية في الشكل، ولكنها غنائية في الجوهر، فهي تقدم رؤية حيوية للحياة. يشير ألان إتش باسكو جامعا لكل هذه السمات المرتبطة بالحركة داخل الثبات في قوله «القصة القصيرة بوجه خاص لها انشداد ملحوظ نحو الإبجرام والصيغة والمثال، والحقيقة الأساسية أو الفكرة التي ترتفع عن الزمن، وتنفي أي تطور زمني يمكن أن يمتلكه العمل». وربما يرتبط بالتوجه ذاته إشارة إدجار ألان بو إلى قدرة القصة القصيرة في صناعة الأثر النفسي لدى القارئ.
وفي ظل هذا التعدد في توجهات التحديد أو الوصف، من المنطقي أن نشير إلى أن كل هذه التوجهات على اختلاف مساربها لم تصل إلى تعريف أو وصف قار للقصة القصيرة، فلا يمكن لتوجه واحد أن يضمّ هذا التنوع اللافت للأشكال، ويبدو أن السمة الغالبة هو تحقيق هدف سردي في فضاء موجز نسبيا. ولكن هذا القصر أو الإيجاز – بالرغم من أهميته فليس هناك من يجادل في ضرورة الإيجاز- لم يسلم من مناقشات مهمة حوله، وحول اعتبار هذا القصر-بالرغم من نسبيته- سمة نوعية مستقرة. فقد تساءل فريدمان: ما الذي يجعل القصة القصيرة قصيرة؟ بالرغم من إدراكه أن القصر في القصة القصيرة نسبي، ولكن نسبيته – كما يشير باسكو- لا تجعله عديم الفائدة أو الجدوى.
القصر في التحديد السابق ربما يعد مظهرا كاشفا عن شيء جوهري يمثل مركز النوع أو بؤرته حيث يرتبط بالسياق الفكري أو المعرفي، ويتمثل في الوجود الجزئي القائم على الانقطاع دون تاريخ مؤسس سابق، والقارئ لكي يستكمل هذا السياق الفكري أو المعرفي عليه أن يتجاوز هذا الانقطاع الجزئي. وقد أشار خوليو كورتيزار إلى فكرة قريبة من الفكرة السابقة في قوله: إن القصة القصيرة تشبه لقطة الكاميرا فهي تلتقط شظية من الكل أو لقطة، وتستخدمها للانفتاح على واقع أكثر اتساعا، ولتقديم رؤية دينامية تتجاوز الفضاء الذي وصلت إليه الكاميرا.
القصة القصيرة هي فن الجزء الذي يتعاظم على حدوده، للوصول إلى صورة كاملة للكل بالرغم من هذه الجزئية المنقطعة عن السابق التاريخي أو اللاحق المستقبلي. فتوزع القصة القصيرة بين فكرتي الجزئية والانقطاع، ومحاولة الوصول في ظل هذه الجزئية وذلك الانقطاع إلى إعطاء صورة تشير وتكشف عن كيان كامل ملمح أساسي من ملامحها النوعية المؤسسة. ومن ثم تنفتح القصة القصيرة على وحدة الإدراك المعرفي الذي يستوعبه القارئ بشكل عام، من خلال هذا الانصهار والاندماج والتوجيه إلى إطار فكري خاص.
ارتباط القصة القصيرة بالأسطورة، أسهم في تأسيس هذا البناء المغاير المرتبط بتجلي الأفكار التجريدية خارج حدود الزمن ومظاهره المعروفة والمحددة، وأسس لجزئية الانقطاع، والتعاظم في الوقت ذاته لمحاولة تشكيل وإكمال الأجزاء المتبقية أو الإحساس بفحواها على الأقل، بالرغم من ظلام النقصان أو الغياب المطبق. فجزئية الانقطاع بوصفها ملمحا جوهريا للقصة القصيرة تشير إلى تجل أساسي من أساسيات النوع، فنحن غالبا في القصة القصيرة أمام شخصيات غير مكتملة منقطعة عن سياقها، وتقدم بهذا النقصان، وهذا يوجه عملية التلقي الخاصة بها إلى جزئيات قد تكون أكثر عمقا من مجرد السرد البسيط لحكاية ما. وفي ذلك يقول خوليو كورتيزار: تصبح القصة القصيرة ذات مغزى حين تخرج من حدودها الضيقة من خلال مدى الطاقة الروحية التي تكشف فجأة عن شيء أو أشياء أكثر بعدا عن ذلك الشيء البسيط في الحكاية التي تروى.
وهذا قد يشير إلى فارق جوهري بين القصة القصيرة والرواية، فالرواية في ظل التحديد المستقر خطاب له مسحة أقرب إلى البشرية، لأنه قائم -بالرغم من بلاغته الخاصة- على الاتصال الحرفي المباشر، وإن كان لا يخلو من الرموز. أما القصة القصيرة فهي خطاب- ربما لانشدادها للأسطوري- به مسحة إلهية مقدسة نابعة من كون القصص لا تكف عن الإشارة إلى عوالم أخرى. فهي تجاهد- بالرغم من تجذرها داخل سرديتها النثرية- للوصول إلى شيء غير موجود، ولا يمكن الإمساك به بشكل مباشر. وهذا يفسر كثافة القصة القصيرة، ومن ثم تصبح – على حد تعبير أحد النقاد- متمتعة بقدرة غير محدودة لتذويب الحدود بين المعلوم والمجهول، والمرئي وغير المرئي، والسطحي والغائر العميق لمجمل الأشياء المحيطة.
القصة القصيرة في تحديدها النوعي خطاب نثري يعاني من الانقطاع، ومن ثم يعاني بالضرورة من النقصان وعدم الاكتمال، وهي – نتيجة لذلك النقصان وهذا الانقطاع – تبحث عن اكتمالها، ومن ثمّ تتوجه نحو الخارج الفكري المعرفي المجرد لتكتمل به، حيث يشكل عناصر غائبة، تستدعيها بالضرورة جزئيات حاضرة ودافقة في بنية النص الناقص، فالمكوّن الأساسي للقصة القصيرة ليس خاصا بالبنية السردية، ولكنه خاص بلحظة الحقيقة والإدراك. يقول ألان إتش باسكو في دراسته «في تحديد القصة القصيرة»: بسبب الحاجة الملحة إلى الإيجاز تميل القصة القصيرة نحو العام، حتى عندما تكون التفاصيل موجودة ومتاحة، فالقرّاء بالضرورة يتوقعون أن تحمل الكلمات أهمية أكثر من الأهمية المعتادة، ولهذا أنا أظن أنها أكثر عرضة للتجريد من الرواية.