بيروت-“القدس العربي”: منذ سنة 2003 والمسرحي اللبناني جو قديح يجدد شباب “الشر الأوسط” وفي كل مرّة يزداد تواصلاً معها، ويترك الجمهور يكتشفها للمرة الأولى. بين العرض الأول في برودواي، والاستعادة للمرة الثانية في بيروت، أزالت مسرحية “الشر الأوسط” الالتباس والتكهن عنها، وباتت شخصياتها تُسمى بأسمائها.
تجمع “الشر الأوسط” حولها جمهوراً كبيراً في كل مرة، وهذا حالها منذ انطلقت في 27 شباط/فبراير وتستمر إلى 24 أذار/مارس الحالي على مسرح مونو. مسرحية عن واقع مُعاش منذ وجدت الأديان في هذه الجغرافيا المتفجرة. سيناريو يقاربه جو قديح بدراية وحنكة، جامعا بين الكوميديا والتراجيديا، بتجسيد من ممثلين رائعين.
معه هذا الحوار:
*”الشر الأوسط” في 2003 بكرت في طرق الأبواب المحرّمة بنص من كتابتك. هل كان الواقع ملحاحاً؟
**واقع النص المسرحي عمره سبعة آلاف سنة. وحين قررت عرض المسرحية سنة 2003 كنت أتجه نحو المسرح الاختباري رغم حبي لكافة أنواع المسرح. وبما أنني أول عربي يعرض في برودواي رغبت في تعريف الجمهور الأمريكي والكوزموبوليتان الذي يعيش في نيويورك على أحداث منطقتنا، وبطريقة مختلفة. لم أرغب في اظهار المأساة الناتجة عن الحروب، بل جرّبت الوصول بطريقة مختلفة. فربما يعتقد الكثير من الأمريكيين أن يسوع المسيح ولد في ولاية أوكلاهوما، ذلك كونهم يعرفون معادلة وحيدة أن العربي يساوي مسلم، وبالتالي إرهابي. كان هذا ثابتاً حين قدّمت عرضي في سنة 2003 وإثر تفجيرات 11/9/2001. الآن ورغم حداثة هذا الموضوع لكن النظرة تبدلت بفضل انتشار وسائل التواصل الجديدة، إزداد الوعي وتناقص غسل الأدمغة نسبياً. في 2003 كنت أرغب بحماس تناول موضوع يخص المنطقة التي ولدت وعشت وأنتمي إليها. مع إصرار بأن لا أجنح إلى مقولة “لبنان يا قطعة سما”.
*بالعودة إلى 2003 كم عُرضت المسرحية في نيويورك وما هي أبرز ردود الفعل؟
**عُرضت ثلاثة أسابيع، وحصدت ردود أفعال مختلفة ومتنوعة. تشكل الجمهور من كافة الأطياف، وحينها لعب ماريو باسيل شخصية المسلم، وكانت نافرة و”إكزوتيك”. فبعد أحداث أيلول/سبتمبر 2001 كان لا يزال المسلم غامضاً بالنسبة لعامة الشعب الأمريكي رغم وجود جالية مسلمة كبيرة جداً في الولايات المتحدة. هذا الجزء من الجمهور الأمريكي وجد الكاراكتير المسيحي واليهودي عاديين، في حين لفّت علامات الاستفهام الكاراكتير المسلم. فماريو باسيل يمتاز بكاراكتير خاص، والجميع كان ينظر إليه متسائلاً ماذا يحدث؟ في حين نظر الجمهور اللبناني إلى أنطوان بلبان على أنه “إكزوتيك” حين لعب دور اليهودي سنة 2008 في بيروت.
*ألا يجب تقديم شخصية غير نافرة عن المسلم في نيويورك؟
** كانت شخصية المسلم “إكزوتيك” ونافرة بالنسبة لهم. فيما عالجت الشخصيات الأربع بموضوعية قصوى (مع شخصية المرأة التي تمثل القانون الأمريكي). وقفت على الحياد، وسعيت للدخول بنمطية كل من تلك الشخصيات، وكيف لكل منها أن تتصرف.
*هل كان الاقبال كبيراً؟
** “فوّلت” كافة العروض في نيويورك. لعبنا في مسرح “لاماما” الاختباري، ومنه انطلقت أسماء كبيرة كما روبيرت دي نيرو، وأل باتشينو، ودايان ليند، وأندريه سربان وغيرهم.
*ألم تتردد في مقاربة تابو الدين؟
**مطلقاً. لماذا سأتردد؟ بالنسبة لي الدين ليس تابو، لقد تناولت واقعاً نعيشه، وبنظرة موضوعية وعلمانية لما يحدث. أخبرت ما أراه وأعيشه عبر حدوتة وبأسلوب مسرحي. رحم الله جلال خوري الذي قال لي بعد قراءة النص “تناولت أربع تابوهات أساسية باستثناء التابوهات الصغيرة. وهي محرمات الدين، والسياسة، والجنس والموت”. ثمة طقوسية للموت، وتشدد لدى الدين الإسلامي في مراسم الدفن، وهذا ما يصبح أكثر تعقيداً في الدين اليهودي. ونحن نعرف هذا التشدد اليهودي في عمليات تبادل أشلاء وجثث قتلى الجيش الصهيوني مع حزب الله. إذاً نحن حيال تابو الطقوس التي تشربناها من الدين، والتصرف حتى حيال الموت. كل هذا ورد في المسرحية بأسلوب خفيف ومضحك، ودون أذى لأحد. في عروض بيروت سنة 2008 كان بين الجمهور رجال دين من مختلف الطوائف والمراتب، وكثير من النساء المحجبات ومن كافة الأطياف الإسلامية، وما من أحد بينهم شعر بأي استفزاز. نفر ربما أقل من أصابع اليد نعرتهم المِسلة الموجودة أصلاً تحت إبطهم.
*بين عروض نيويورك 2003 بيروت 2008 وبيروت مجدداً ماذا بدّلت في النص؟
** لم يتغير شيء في جوهر النص، وفي التفاصيل كان التغيير كبيرا. التغيير الأساسي في دينامية العرض. عندما أشاهد “الشر الأوسط” في سنة 2019 أجد توازناً بين الشخصيات الثلاث على المسرح، والشخصيتين الأخريين. فالمرأة في غرفتها المرتفعة هي مُحركة الدمى. فقد رسمت صولانج تراك شخصية خاصة بها، وكذلك اعتبر الدمية التي ترمز للميت شخصية محورية في المسرحية. فهي تحمل رمزية الأرض التي يتمُّ الصراع حولها.
*لماذا الآن قررت الاستعادة؟ ألهذا المستوى “الشر الأوسط” قريبة منك؟
**لي مع هذه المسرحية ذكريات جميلة وأليمة في الوقت عينه. أليمة ليس بالمعنى الدرامي بل هي حقبات من حياتي. في حوزتي الكثير من المسرحيات التي كتبتها منذ زمن، وبعضها سأنشره قريباً، لكن “الشر الأوسط” تُسَلِّيني. في الواقع كنت ذاهباً نحو خيار آخر وبدأت التمارين مع طلال الجردي. سبق وعرضت على طلال لعب شخصية المسلم سنة 2008 ولم يرض، فلعب الدور الممثل عمّار شلق بشكل جميل جداً. بحكم صداقتي مع طلال الجردي كنا نعمل معاً على أمر مهضوم من مسرح برناردا ألبا إنما وفق أسلوبنا. توقف المشروع، وسألته العودة لـ”الشر الأوسط” فقال “هيا بنا”.
*بين بيروت 2008 وبيروت 2019 هل زادت رحابة الصدر فيما يخص النقد الديني؟
** حتى الآن ردات الفعل في غاية الإيجابية. كل من يحضر العرض يحبه. والحضور كبير كما هو الحال في 2008 في بيروت، و2003 في نيويورك. في حين أن مشاعري تقول لي أن ناس هذا الوطن ازدادوا تعصباً دينياً عن ما كان حالهم سنة 1975 عشية الحرب الأهلية، وكذلك هم أكثر تعصباً من سنة 2008. في الأساس اللبناني متعصب دينياً. العروض جميلة حتى اللحظة وتناقض مشاعري حيال ازدياد التعصب.
*في نص كما “الشر الأوسط” هل تستشير مختصين تلافياً لأي هفوة؟
** أكيد. اجتمعت مع رجال دين مسلمين ومسيحيين واستشرتهم. واتقن طلال الجردي اللهجة الفلسطينية بعد زيارات متكررة لمخيمات فلسطينية، كما تعاون مع أصدقاء فلسطينيين لهذا الهدف. كذلك استعان بيار شماسيان بالخلفية الأرمنية التي يمتلكها. الفرق في شخصية المسلم بين عروض نيويورك وسنة 2008 وسنة 2019 أننا كنا حيال شخصيات نمطية لمسلم، مسيحي ويهودي ودون ذكر ذلك عبر الكلام، إنما الشكل ينبئ عن الحال. في عروض بيروت هذا العام نحن حيال شخصيات الفلسطيني، الإسرائيلي واللبناني.
*وهذا ورد في العرض دون تعريف مباشر أيضاً؟
** صحيح، وكان الأمر متروك للإيحاء سابقاً. في العروض الحالية تمّ الجزم وباتت الشخصيات واضحة. تمكن انطوان بلبان من اتقان اللهجة العربية المطعمة بالعبرية، واتقن طلال الجردي اللهجة الفلسطينية وكذلك بيار شامسيان كان مميزاً بلهجة لبنانية بلكنة أرمنية مع قليل من الفرنسية والإنكليزية. وهكذا صار للشخصيات طابعها الواضح.
*ما هو دور الراحل جلال خوري في سيناريو “الشر الأوسط”؟
**دور جلال ليس مقتصراً على نص “الشر الأوسط” بل حضوره اخترقني شخصياً. استشرته في كامل تفاصيل هذه المسرحية. وهو من كتب الأغنية العبرية التي غنّاها أنطون بلبان في مطلع المسرحية.
*وهل كان يتقن العبرية؟
** لا يعرفها، لكنه موسوعة، فقد يعرف ما هي لغة سكّان المريخ. كان يمتلك ثقافة عالية، وقد اقترح علينا أغنيتين أخترنا واحدة فقط رغم كوني لا أعرف معناها لكنها تشكل فاتحة للمسرحية.
*جو قديح دائم الذكر لجلال خوري وهو معلمك. هل تختصر الأثر الذي تركه في شخصك؟
** الاختصار قد يمتد لأسبوع من الكلام وربما لا يكفي. جلال بالنسبة لي “صمت قليلاً” وأضاف: ستبكينني الآن، جلال كل شيء بالنسبة لي.
*كيف تقرر حضورك على المسرح بين كاتب ومخرج وممثل؟
** كنت أتكلم مع سيدة وأبلغتها بعد السؤال بالقول: “بعمل مسرح”. ردت: أنت تجمع المجد من أطرافه. كافة الفنون موجودة في المسرح. وبالعودة إلى جلال خوري فقد كان يردد لي دائماً: أولاً وآخراً المسرح هو فن الممثل. أي الكاتب، المخرج، السينوغراف يختفون جميعهم أمام أداء الممثل. فإن لم يتقن الممثل حضوره فلن يقوى النص والإخراج على النجاح من دونه. المسرحية هي الممثل أولاً وآخراً.
*متى يُشعرك المسرح برضى نسبي إن لم نقل كاملاً؟
** تصفيق الجمهور وضحكه بالنسبة لي أهم شيء. أفرح كثيراً عندما أكون على المسرح سواء لعبت شخصية أو “وان مان شو” الخاص بي. وفي الوقت عينه أرغب كثيراً في العمل مع الممثلين حتى وإن أتعبوني كما حدث في “الشر الأوسط”. “هلكوني” على مدى شهرين من التمارين وبكثير من المحبة. كنت أدرك تماماً الخبرة التي يمتلكها الممثلون، ونظرتهم الجميلة للمسرح، وبدون تلك المميزات لما وقع الاختيار عليهم. كنت أفرح حتى بالمشاجرة معهم. في رأيي نوع المخرجين الذي يقول للممثل “قم بما ترغبه” أنه لا يمتلك سلطة على الممثل. ومن يقمع الممثل فهو يعيش نقصاً في نظرته الفنية ـ مع احترامي للجميع ـ أنا مخرج أعرف متى وكيف آخذ من الممثل، ومتى أقول له لا.
*هل ستعرض “الشر الأوسط” بعد خمس سنوات مثلاً؟
** إن كان لنا عمر بعد، لما لا؟ وإن لم أعرضها أنا، ربما يفعل ذلك آخرون.
*هناك تقليد عالمي نفتقده بتكرار المسرحيات الناجحة رغم مئات السنوات؟
** هذا صحيح. إنما زميل لي قال “ألم تمل هذه المسرحية”؟ كان جوابي هذا تعليق معيب. ثمة مسرحيات تلعب منذ 2000 سنة. وهنا يكمن الفرق بين لعبة الإخراج وخشبة المسرح.