بينما تعيش بريطانيا واحدة من أحلكِ مراحل حياتها السياسيّة في التاريخ الحديث، لا سيّما في ظلّ اقتراب نهاية المهلة للتوصل إلى اتفاق بشأن ترتيب عمليّة خروج البلاد من الاتحاد الأوروبيّ (البريكست) دون أن تتوفر لحكومة حزب المحافظين الجديدة برئاسة ترامب الإنكليزي بوريس جونسون مساحات كبيرة للمناورة، فإن اليمين البريطانيّ بقيّ متوجساً مبللا بالخوف – خلال السنوات الثلاث الأخيرة – من سيناريو كان محتملاً قد ينتهي إلى تولي جيريمي كوربن، زعيم المعارضة العمّاليّة منصب رئاسة الوزراء.
وبالطبع لا يفضّل المحافظون والنخب ومصالح المال البريطانيّة تولي حزب العمّال السلطة، اللهم إلا عندما يتفاقم غضب الطبقة العاملة (كما حدث إثر الحرب العالميّة الثانية) وعندئذ يتم استخدام الحكومة العماليّة لفترة محدودة كواجهة لامتصاص الغضب العام، دون تقديم بديل حقيقي مستدام لمصلحة المواطنين العاديين أو إحداث أيّ تغييرات في الهيكلية الكليّة لخارطة السيطرة على مصادر القوّة والثروة في البلاد.
لكنّ كوربن ليس توني بلير أو كليمنت آتلي (رؤساء وزراء عمّاليون سابقون خدموا أجندات اليمين) وحزب العمّال اليوم ليس بحزب العمّال خلال تحالف “بلير – بوش” لشن عدوانهم الغاشم على العراق.
كوربن، زعيم نظيف اليد، لا غبار على مواقفه السياسيّة المنحازة إلى جانب الفقراء والضعفاء وضد الحروب والإمبراطوريّات مذ بدأ نائباً عن إحدى مقاطعات العاصمة لندن عام 1983.
وحزب العمّال في عهده استعاد عافية كان فقدها بعد الأدوار المخجلة، التي لعبها توني بلير (وخليفته غوردن براون) ليس في ذبح العراق فقط، وإنما أيضاً في إنقاذ البنوك الفاسدة من الإفلاس، إثر الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 وعلى حساب دافعي الضرائب البريطانيين الذين يرزحون من وقتها تحت سياسة تقشّف أنهكت الطبقة العاملة ودفعتها إلى حدود اليأس.
وهكذا تضاعف عدد الأعضاء إلى نصف مليون عضو عامل ليصبح حزب العمّال في عهد كوربن أكبر الأحزاب الأوروبيّة على الإطلاق لناحية عدد المنتسبين (قارن بـ 160 ألفاً عدد أعضاء حزب المحافظين الحاكم) كما اجتذب كتلة وازنة من الشباب، الذي لم يصوّت انتخابياً في حياته مسبقاً إلى أجواء السياسة والعمل الحزبيّ الفاعل.
ولأنّ الرجل هذا تاريخه، فليس سهلاً توجيه انتقادات له، رغم جهود كثيفة يبذلها الإعلام الجماهيري البريطاني (المملوك برمّته لحفنة من الأثرياء) لتشويه صورته في عيون العامّة.
ولذا فإن اليمين البريطاني وبالتعاون مع السّفارة الإسرائيليّة في لندن (وهذه موثقة في تسجيلات سرُّبت أكثر من مرّة) يشنّ منذ بعض الوقت هجمة شيطانيّة تتهم كوربن بـ(الكلاشيه) النمطي الجاهز دائماً لقذف الخصوم به: تهمة العداء للساميّة.
بانوراما “بي بي سي”:
التهمة فلسطين
آخر ساحات استهداف كوربن بهذه التهمة المجانيّة كان بانوراما على تلفزيون “بي بي سي” وهو برنامج تحقيقات استقصائي تقدّمه المحطّة ويحظى بمتابعة عريضة. وقد عرض فيلماً وثائقيّاً بعنوان “هل حزب العمال معادٍ للسامية”، يقترح على مشاهديه أن حزب العمّال – حصراً في عهد كوربن – يعاني من تفشٍ لظاهرة العداء للساميّة في صفوفه، وأنّ إداريين داخل مكتبه تدخّلوا بالتّحقيقات الدّاخليّة بشأن شكاوى قدّمت بهذا الخصوص.
لكن الوثائقي كان ضعيفاً لناحية الأدّلة التي قدّمها لدعم مزاعمه وافتقد للحقائق الموثّقة، بل وأثار السخريّة عندما ادعى أحد المتحدثين أن اجتماعات الحزب الداخليّة تشهد هستيريات جماعيّة حول إنكار الهولوكوست اليهوديّ وهو أمر لا يصدقه عقل حتماً.
ومع ذلك، ورغم الانتقادات القاسية التي وجهها حزب العمّال بشأن المحتوى المتهالك للوثائقي، والشكوى الرسميّة التي توجّه بها إلى “بي بي سي”، فإن قوى اليمين البريطاني – بما فيها المجموعات المتصهينة داخل حزب العمال ذاته – أطلقت على أساسه موجة تجريم لكوربن، رافقها هجوم كراهيّة غير مسبوق ضد شخصه على مواقع التواصل الاجتماعي ودعوات لاستقالته.
كومة أكاذيب قد تتسبب
بالضرر ليهود الغرب
بالطبع فإن الوثائقي ليس أكثر من كومة أكاذيب مسيّسة – كما أعلنت بعض المجموعات اليهوديّة اليساريّة، مؤكدة أن كوربن لم يسجّل عليه يوماً أن دعا لعنصريّة أو عادى اليهود، وكل جريمته بالطبع هي تأييده الثابت لحقوق الشعب الفلسطيني، وانتقاده للممارسات العنصريّة للسلطات الإسرائيليّة.
لكن الأخيرة تبذل جهودا استثنائيّة للضغط على الجاليات اليهوديّة في الغرب للربط بين العداء للساميّة وانتقاد إسرائيل، واعتبار أيّ ذمّ للصهيونيّة السياسية – وهي نزعة عنصريّة قوميّة حديثة – ذماً لليهود بعامة، وأن تأييد حقوق الفلسطينيين يعني بالضرورة هجوماً على حق إسرائيل في الوجود – على حد زعمهم -.
وهو أمر خطير بالطبع إذ يفقد العداء الحقيقيّ للسامية الذي كان سائداً في بعض الأوساط الأوروبيّة خلال النصف الأوّل من القرن العشرين المصداقيّة في ذهن الغربيين – الذين هم اليوم أقدر بما لا يقاس على متابعة جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين – ويمكن عملياً أن يستعيد موجة كراهية غربيّة لليهود، الذين يضطهدونهم. الأمر الآخر هو فرض نوع من التجنيد الإجباريّ على اليهود غير المتصهينين، لا سيّما الأجيال الجديدة للانخراط بحروب الاحتلال الظالمة ضد الشعب الفلسطيني، مع أن قطاعات متزايدة من تلك الأجيال – لا سيّما في الولايات المتحدة – تعادي الصهيونيّة وترفض سياسات الاحتلال.
يلخّص أحد المتحدثين في الوثائقيّ – ربّما دون أن يشعر – غاية المجهود الاستثنائي الذي بذلته “بي بي سي” في الهجوم على كوربن، إذ يقول: “لقد كان ممكناً لجريمي كوربن أن يتعامل مع تهمة العداء للساميّة الموجهة إليه لو أنّه فقط ألقى خطاباً واحداً بشأن مواقفه حول الشرق الأوسط يعترف فيه بحق (إسرائيل) في الوجود”.
البروباغاندا البريطانيّة:
سيطرة اليمين على الإعلام
الوثائقيّ، الذي قدّمه برنامج بانوراما يُعيد من جديد طرح تساؤلات كثرت في الأجواء البريطانيّة خلال الآونة الأخيرة حول سيطرة تامّة لليمين البريطاني على هذه المؤسسة الإعلاميّة الكبرى، والتي يفترض بها نظرياً أن تكون مؤسسة وطنيّة عامّة تموّل مباشرة من ضريبة – يدفعها سنوياً كل بيت في بريطانيا تقريباً قيمتها أقل قليلاً من 200 دولار أمريكي – لترتقي فوق الحكومات العابرة والتحزّبات السياسية الضيقة، وأن تقدّم تغطية غير منحازة قدر الإمكان للاتجاهات السياسيّة في البلاد. وتظهر تغطية المؤسسة انحيازاً واضحاً يكاد يصل إلى حدّ التآمر ضد كوربن وفريقه في معظم البرامج السياسيّة التي تقدّمها والتي يتولاها إعلاميون لا يخفون تأييدهم لحزب المحافظين الحاكم، وهم يستغلون كل مناسبة لنشر الأكاذيب والاتهامات المعلبّة ضد رئيس حزب العمّال – مثل وصفه بأنّه حليف موسكو (حيث لندن على عداء وقطيعة مع الدّولة الروسيّة) وأنّه يحمل أجندة ماركسيّة على النسق السوفياتيّ (وهذا بعبع قديم لدى الإنجليز)، وأنّه صديق الإرهابيين (أي الفلسطينيين).
وللحقيقة أنّه رغم الحملات السلبيّة ضدّه في الإعلام البريطانيّ – صحافة وتلفزيونات – عموماً، فإن شعبيّته ما تلبث تتسع، وخاصة بين الجيل الجديد من طلبة الجامعات والشبان في مقتبل العمر. لا بل وتشير استطلاعات للرأي أن ثقة الجمهور البريطاني بوسائل إعلامه تبدو في فضاء أدنى مستوياتها التاريخيّة، ولذلك فإنه من المحتمل أن حملات التشهير المسعورة ضدّ الرّجل تأتي بمفعول عكسي، وتزيد من نجوميته الفائقة كما لو كان نجم غناء مشهورا.
وهناك اليوم تيارات متسعة بين المواطنين البريطانيين تتجه إلى إلغاء المطالبات بحقهم بدفع ضريبة التّلفزيون التي تذهب بالكامل لتمويل “بي بي سي” بحجة أنهم لم يعودوا بحاجة إلى تلفزيون محليّ في وجود القنوات البديلة على الإنترنت مثل “نيتفليكس” و”أمازون” وغيرها.
لكن تلك ليست كلّ الحكاية. فبعض الجمهور لم يعد يجد في المحتوى المؤدلج والمنحاز ما يستحق أن يدفع من أجله بنسا واحدا. ربما كانت تلك هي لعنة كوربن… ولعنة فلسطين.
كاتية لبنانية بريطانية – لندن