لوس أنجليس – «القدس العربي»: في بداية نشأة السينما، نهاية القرن التاسع عشر، كانت الأفلام مقاطع مصورة قصيرة محملة على جهاز كينوسكوب، الذي اخترعه توماس أديسون. الجهاز كان يتيح لشخص واحد مشاهدة الصور المتحركة عبر فتحة خاصة.
وفي مطلع القرن العشرين، اخترع الإخوة لوميير سينماتوغراف، الذي مكن من عرض الأفلام على شاشة كبيرة أمام جمهور عريض.
وتدريجيا، طورت هوليوود السينما لتنتج أفلاما روائية طويلة، ثم استخدمت لاحقا تقنيات مثل السينراما والسينما سكوب والايماكس لتكبير حجم صورها على الشاشة الكبيرة، في ظل تحديات ظهور التلفزيون والفيديو تحت شعار الأكبر أفضل.
لكن أحد عمالقة هوليوود وهو جيفري كاتسمبرغ أطلق هذا الشهر منصة بث الكترونية وهي كويبي، تقدم أعمالا سينمائية وتلفزيونية، روائية وواقعية، قصيرة، لا تتخطى مدتها عشر دقائق، على أصغر شاشة عرض وهي شاشة الهاتف المحمول، التي يتشابه حجم صورتها مع حجم صورة الكينوتوغراف.
وفي حديث معه عبر خدمة سكايب، قال لي إن حجم الصورة لا علاقة له بخدمة كويبي «في الواقع، أنا أفكر بالأمر بطريقة مختلفة قليلاً. أنا راوي قصص وأفكر في الأمر في هذا السياق. فالجيل الأول من سردية السينما كان أفلاما أو قصصا مدتها ساعتان ويفترض أن تتم مشاهدتها في مدينة واحدة. الجيل الثاني من سردية السينما كان التلفزيون، حيث القصص طويلة للغاية تصل مدتها إلى 13 أو 26 حلقة تمت روايتها في أجزاء مدتها ساعة. وكويبي هي الجيل الثالث من سردية السينما. إذ يبلغ عددنا ملياري شخص، جميعنا نمسك يوميا تلفزيونا محمولا نأخذه معنا أينما ذهبنا. ولكي ننتقل الى هذا الجيل المقبل، حيث في امكانك أن تجمع بين هاتين الفكرتين سويا، تأخذ قصة مدتها ساعتان وترويها في أجزاء تتراوح مدتها من 6 الى 10 دقائق، وفي إمكانك مشاهدتها خلال يومك وفترات اطلاعك على جهاز محمول وبسرعة.»
تقديم الصورة عبر المحمول
لتحقيق ذلك، اخترعت كويبي تكنولوجيا حديثة وهي «تيرن ستايل»، التي تقدم الصورة للمتلقي أفقيا أو عموديا تلقائيا من خلال التكيف مع اتجاه تلفونه المحمول.
لكن إطلاق كويبي خلال أزمة فيروس كورونا، كشف أيضا عن ضعفها، وذلك لأن الناس يجلسون أمام شاشات تلفازهم أكثر من استخدامهم لهواتفهم هذه الأيام. لكن لا يمكن مشاهدة فيديوهات كويبي على شاشات تلفزيوناتهم.
«في مرحلة ما سنصل الى التلفزيون»، يرد كاتسمبرغ. «لكن ما أردناه هو صنع شيء جميل على هاتفك للمرة الأولى وأن تكون هذه هي التجربة الأساسية والأفضل. إذ يمكنك مشاهدة الكثير على جهاز التلفزيون، فلماذا لا يكون لديك شيء جميل خاص بهاتفك، الذي يرافقك خلال يومك لوقت أطول من تلفازك حتى في ظل هذه الأزمة»؟
حقل البث الالكتروني بدا مزدحما مؤخرا بعد أن شرعت الاستوديوهات الكبرى في إطلاق منصاتها لمواجهة شركة نيتفلكس، التي وصل عدد مشتركيها الى مئة وتسعين مليونا. ففي العام الماضي أطلقت «ديزني» منصة «ديزني بلاس» وجذبت ما يقارب مئة مليون مشترك، بينما أطلقت شركة أبل منصة «أبل تيفي»، التي حققت ما يقارب عشرين مليون مشترك. ذلك فضلا عن مئة وأربعين مليون مشترك في منصة أمازون.
كما تستعد استوديوهات «وورنرز» و»يونيفيرساك» لاطلاق منصتيهما «بيكوك» في الأشهر المقبلة. كاتسمبرغ حصر خدمة كويبي على الأجهزة الجوالة لأنه لم يرد أن يخوض معركة ضارية مع أولئك العمالقة. بل أغراهم بدعم كويبي والمشاركة في إنتاج مشاريعها.
لكن في الواقع، المنافس الأقوى لكويبي هي منصات التواصل الاجتماعي، على غرار «يوتيوب» و»فيسبوك» و»سنابشات» و»تيك توك»، التي تجذب مليارات المشتركين وتقدم لهم ملايين الفيديوهات القصيرة مجانا، في حينْ أن الاشتراك بكويبي يكلف خمسة دولارات شهريا.
«أنا أحب كل منصات التواصل الاجتماعي وأستمتع بمشاهدة تطبيقاتها الذكية»، يعلق كاتسمبرغ «لكن هذا ليس ما أقوم به. قضيت مسيرتي المهنية كراوي قصص في هوليوود. وبدأت أفكر في إمكانية إحضار رواة القصص وصانعي الأفلام الأكثر موهبة خلف الكاميرا أو أمامها في هوليوود، ثم البدء برواية قصص سردية رفيعة المستوى باستخدام التكنولوجيا الحديثة على الهاتف.»
فعلا، عادة ما تكون فيديوهات مواقع التواصل الاجتماعي القصيرة إنتاجاً منزلياً غير محترف، بينما قد تصل تكلفة إنتاج دقيقة واحدة في فيديوهات كويبي إلى ما يقارب مئة ألف دولار. التكلفة الباهظة جعلت الاستثمار بكويبي مجازفة خطيرة. ومع ذلك، عندما شرع كاتسمبرغ بحملة تمويل، سارعت كل من هوليوود وبنوك وول ستريت وشركات التكنولوجيا في «سيليكون فالي» لدعمه فجمع مبلغا أكبر مما كان يبغاه قدره مليار وثماني مئة مليون دولار. وذلك لأنهم يثقون به وليس بالضرورة بكويبي.
من هو جيفري كاتسمبرغ؟
في التاسعة والعشرين من عمره، عيّن كاتسمبرغ رئيسا لقسم الإنتاج في استوديو «باراماونت»، حيث نجح في إنعاش سلسلة «ستار تريك» عام1979. وفي عام 1984 تسلم إدارة شركة ديزني، التي كانت تحتضر بسبب خسارات فادحة. فحولها الى أكثر الاستوديوهات دخلا، إذ أشرف على إنتاج أكثر أفلامها ربحا مثل «صباح الخير فيتنام» وأكثر مسلسلاتها التلفزيونية شعبية مثل»الفتاة الذهبية»، وتحت إدارته أنتجت ديزني أكثر أفلام الأنيميشن نجاحا على المستويين الفني والتجاري، وأبرزها «الأسد الملك» و»علاء الدين» و»الجميلة والوحش».وفي عام 1994، أسس استوديو «دريموورك» مع زميليه ستيفن سبيلبرغ وديفيد غيفين. واستلم زمام إدارة قسم الرسوم المتحركة، حيث أشرف على إنتاج عشرات الأفلام الضخمة، من ضمنها «أمير مصر»، و«شريك» و»كيف تدرب تنينك»، إلى أن باع الشركة عام 2016 مقابل ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار. لهذا ليس عجبا أن الممولين أخرجوا دفاتر شيكاتهم عندما طلب دعمهم المادي.
فضلا عن جذب اهتمام الممولين في هوليوود، قان حماس كاتسمبرغ لفكرة ما، يثير أيضا حماس مواهبها، إذ تدفق أبرز نجومها للعمل على مشاريع كويبي. من ضمنهم جينيفر لوبز، وريز ويذرسبون وليام هيمسوورث وغييرموا ديلتورو وستيفن سبيلبرغ، رغم تحفظ بعضهم بشأن منصات البث الإلكترونية التي يعتبرونها خطرا على تجربة السينما على الشاشة الكبيرة، وفي مقدمتهم سبيلبرغ، وهو أشهرهم، والذي طالب أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة بحرمان شبكة البث الالكتروني، «نيتفلكس»، من المشاركة في منافسة الأوسكار.
«سبيلبرغ، مثل غيره من صناع الأفلام في هوليوود هو أيضا رائد أعمال»، يرد كاتسمبرغ «فهنا نهج جديد من رواية القصص مع مجموعة جديدة من الأدوات، لهذا تحمس الجميع بشأن هذه الفرصة الريادية.»
فعلا، التكنولوجيا الحديثة أنجدت صناعة السينما واستوديوهات هوليوود من الهلاك خلال أزمة فيروس كورونا، إذ مكّنت من طرح أفلامها على شبكات البث الالكتروني بعد إغلاق دور العرض. لكن تلك الشبكات في حاجة لمحتوى، وهو ما يضع كويبي في مأزق لأن تصوير المشاريع توقف بسبب الأزمة، بينما لم تتأثر شبكات الاستوديوهات الأخرى التي تزود منصاتها بآلاف الأفلام من أرشيفها.
التحديات التي واجهتها كويبي بسبب أزمة وباء فيروس كورونا، دفعت كاتسمبرغ لمنحها مجانا للمستهلكين، لكي يجذبهم لاستخدامها بينما يقضون جل وقتهم في بيوتهم. «استخدام كويبي كان في الأساس في لحظات سريعة وفي أوقات الفراغ»، يقول المنتج إبن التاسعة والستين «لكن في الحقيقة حتى في ظل ملازمتنا لمنازلنا جميعا، لدينا الكثير من أوقات الفراغ خلال مسار يومنا، سواء كنا ندرس أولادنا في المنزل أو ما بين الاجتماعات التي نجريها على الهاتف أو عبر سكايب أو زوم. جميعنا لدينا الكثير من أوقات الفراغات وما لاحظناه هو أن نسبة مشاهدة الفيديو المتنقل على هواتفنا في شهر مارسم/آذار من هذا العام ارتفعت 60 في المئة عن العام الماضي وبالتالي فإن الناس يقضون وقتاً أطول على هواتفهم».
مستقبل كويبي غامض مثل مستقبل السينما ما بعد أزمة فيروس كورونا. هل سينتهي أمرها مثل منصات الأفلام القصيرة الأخرى التي لم تتمكن من البقاء على قيد الحياة، رغم دعمها من شركات ضخمة مثل»فيروزون» و«أتش بي أو»؟ أو هل سينجح كاتسمبرغ مرة أخرى في تحقيق معجزة تعيد ابتكار خدمة التلفزيون المدفوع مقدما وتنتعش السينما القصيرة للأجيال الجديدة؟