ثريا ماجدولين، أحمد هاشم الريسوني، عبد السلام المساوي، محمد بوجبيري
مغامرة جيل
لا يمكن لأي دارس أن يُهون من قيمة المنجز الإبداعي الذي اضطلع به جيل الثمانينيات في سيرورة تحديث الشعر المغربي المعاصر، على صعد اللغة والمعنى والإيقاع والبناء النصي والرؤية الفنية للذات والعالم.
وأهم ما في هذا الجيل هو أن أفراده لم يكتبوا على سوية واحدة؛ فبينهم اختلاف وتمايز في أساليب الكتابة وممارساتها النصية ومرجعياتها الفكرية والجمالية، وحتى الأمكنة والينابيع والمصائر الشخصية، التي أتوا منها لم تكن هي عينها، ما أثمر مَتْـنا فنيا خصيبا، وذا اقتراحات جمالية متباعدة الأطراف، على نحوٍ يُعرّض مفهوم (الجيل) نفسه للمساءلة والتفكيك على مستوى التماسك المنهجي، وبالتالي الاحتراز من وهم التطابق الذي يحشر الشعراء بِقضهم وقضيضهم في «كتلة» لمجرد انطباعات عامة وغير دقيقة. وأبرز شعراء هذا الجيل: إدريس عيسى، وحسن نجمي، ومبارك وساط، وصلاح بوسريف، وأحمد بركات، ووفاء العمراني، ومحمد الصابر، ومحمد عزيز الحصيني، وثريا ماجدولين، ومحمد بوجبيري، وأحمد هاشم الريسوني، ومحمد بودويك، ومحمد عرش، وعبد السلام المساوي، ومحمد أحمد حافظ، ونور الدين الزويتني، ومحمد الشركي، ومصطفى فهمي، وعبد القادر وساط، ومحمد حجي محمد، والزهرة المنصوري وعزيز الحاكم.
رغم أهمية الجيل الثمانيني ووجوه المغامرة التي افترعها، فهو ما زال بلورا منسيا في قراءات الشعر المغربي المعاصر، كأن النقد ليس ما يقوله، أو بالأحرى يكشف عن عجزه وأعطابه المزمنة في القراءة التي لم تُنجز بعد. لا أقول إن هذا الجيل غير محظوظ، أو إنه دفع رمزيا ضريبة الحجاب الذي لازمه، بل هو أكثر من ذلك جيل (البيات)؛ أي سكت عما كان دارجا و«منفوخا» فيه بصوت عالٍ بمعنى ما، رغم أنه عاش وسط الخيبات والانتكاسات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب ومحيطه العربي والعالمي، فواجه العالم بـ«عراء أيديولوجي» ولم يرد أن يُضحي بموقفه الشعري الذي بعث أسئلة الكتابة من رماد القلق والحيرة واللايقين، بل فرض نفسه واحترام مناوئيه من «الحرس القديم» وانخرط فيه شعراء من الجيلين اللذين سبقاه بِكيفيةٍ حاسمةٍ.
رغم أهمية الجيل الثمانيني ووجوه المغامرة التي افترعها، فهو ما زال بلورا منسيا في قراءات الشعر المغربي المعاصر، كأن النقد ليس ما يقوله، أو بالأحرى يكشف عن عجزه وأعطابه المزمنة في القراءة التي لم تُنجز بعد.
يرى أحمد هاشم الريسوني أحد شعراء هذا الجيل «أن فترة الثمانينيات شكلت مُنْعطفا مهما في تاريخ المغرب الحديث، ليس فقط على المستوى الثقافي/ الأدبي، بل على جميع المستويات، من السياسة إلى الاقتصاد؛ نعلم أن الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين كانت تنعت بوصفها سنوات الرصاص، حيث عرف الوطن انتكاسات سياسية وحقوقية فظيعة، ساهمت في وأد ثورة التحديث والتطور التي كان يطمح إليها المجتمع المغربي، لكن الثمانينيات عرفت تحولات إيجابية مهمة تتمثل في الانفتاح السياسي، وكذا المؤثرات الثقافية والحضارية، الآتية من جغرافيات إنسانية كونية.. كما عرفت تعدد الجامعات المغربية في كل الجهات، بدل مركزيْ فاس والرباط، وهذا التعدد هو الآخر كان له تأثيرٌ إيجابي على الحركة الأدبية في المغرب، ومن ثَم ستنحو الكتابات الشعرية في سياق هذا التأثير منحى خاصا، ولاسيما وهي تتفاعل مع هذه الروافد الجديدة لتتجلى في طرائق كتابتهم». كانت صورة العالم تتشكل من جديد، وكانت التشكلات التحديثية ما فتئت تتوإلى وتسهم في رسم ملامح مفهوم جديد للكتابة الأدبية ككل، ومن ثمة في بلورة رؤية جديدة لشخصية جيل الثمانينيات.
فترة انتقالية
كانت هذه الفترة حاسمة تودع مرحلة أمسى الظرف السياسي فيها حارقا ومهيمنا على الثقافي، وتستقبل أخرى تريد أن تنفك من التزامات الماضي وتبحث عن أفق جديد. يقول عبد السلام المساوي الذي كان من رعيل التجربة الثمانينية الأول، وساهم في التعريف بها نقديا: «في هذه المرحلة لم أكن قد امتلكت وعيا حادا بالفروق الفنية المفصلية، التي كانت سائدة بين المرحلة التاريخية السابقة (السبعينيات) والمرحلة الجديدة. لكن بالتأكيد كنت أشعر بضرورة كتابة ما يريح ذائقتي. ولربما كان ذلك إحساسا عاما عاشه شعراء جيلي بفعل المؤثرات التي جرفتنا وفعلت فعلها فينا». وقد تجسد هذا التوتر في بواكير الشعراء كما في ديوان محمد عرش (أحوال الطقس الآتية): «هذا العمل يغلب عليه طابع التسرع، ومحاولة الخروج من القوقعة إلى الفضاء، ويغلب عليه الطابع السياسي الأيديولوجي؛ إنه نسخة لما كان يمور في الساحة الطلابية، فنحن جيل تأثر بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وقد طالنا الحظر والمنع أيام أم الوزارات».
وفي هذا السياق تستذكر ثريا ماجدولين إحدى التجارب النسائية القليلة التي طبعت هذا الجيل، بقولها: «صادفت بداية الثمانينات بداية دراستي الجامعية، وبالتالي بداية الانخراط مع الطلبة في قضايا سياسية، فكان طبيعيا أن تأتي أولى القصائد محملة بعشق الوطن، ولم أجد كبير عناء في نشر قصائدي على صفحات الجريدة رغم سني المبكرة (سبع عشرة سنة) خاصة أن الأقلام النسائية كانت قليلة جدا آنذاك. ولم يكن الظرف الثقافي بمنأى عن السياسي، بل كان رديفا له، وكان أغلب ما نشرته في هذه البدايات عبارة عن قصائدَ نضاليةٍ، وعن واقع سياسي موقوت». وقد انعكس هذا الانتقال على اختيارات الشعراء لإثبات جدارتهم ومواصلة مسار تحديث القصيدة المغربية. تضيف: «جيل الثمانينيات، حقق تحولات مشهودا لها في بنية القصيدة المغربية، رغم تقصير النقد حاليا في الانتباه إليها، إذ شكلت تلك المرحلة انتقالا بين الجيل السبعيني، الذي مثل البداية الحقيقية لشعر الحداثة في المغرب وجيل التسعينيات، الذي وجد أمامه طريقا معبدة لاختيار آفاق مغايرة. وككل مرحلة انتقالية وجد جيلنا أمامه تحدياتٍ متنوعة نابعة من السؤال الرئيسي حول علاقة المثقف بالواقع، نجم عن هذا السؤال جدالٌ ثقافي عميق حول علاقة القصيدة من جهة بتحولات العصر، بعد طغيان ما سميَ بشعر الالتزام عند شعراء السبعينيات، ومن جهة أخرى في مدى حفاظها على مائها الشعري الجمالي، وانسيابها المطلق في عوالم الذات الشاعرة.. والحفاظ على قصيدة التفعيلة أو الانسياق وراء قصيدة النثر».
بدا أن رهان الجيل الثمانيني منذ بدايات المغامرة، هو الانفكاك من الأيديولوجيا التي أمست عبئا على الكتابة الشعرية، وتحرير الذات من مستتبعاتها الباهظة، وإطلاق إمكاناتها الجمالية المكبوتة. يقول محمد بوجبيري أحد شعراء الجيل الأساسيين: «في اعتقادي المتواضع شرع الشعر المغربي في مطلع الثمانينيات في الخروج من الثيمات الأيديولوجية التي هيمنت على الكثير من تجارب شعراء السبعينيات، ومن الخطاب التبشيري بقدوم التغيير المنشود، ومن المنبرية والغنائية المفرطة، بالإضافة إلى الأوزان المقننة خليلية كانت أم تفعيلية، وكذلك من تأثير شعراء الحداثة في المشرق العربي». ويضيف: «الشاعر «الثمانيني» آمن بأن أصدق الشعر ليس ما يكتب إرضاء للقبيلة أو الحزب أو المناخ الفكري السائد والعام، كي يقال عنه إنه شاعر ملتزم. هذا الشاعر آمن بأن ما يكتبه هو استجابة لنداء باطني، فهو لا يلزم نفسه بالحديث عن الشيء إلا إذا كان التعبير عنه ملحا من الداخل، وليس من الخارج».
أخطر ما تَحقق في المنجز النصي لشعراء الجيل هو الانتساب إلى أفق قصيدة النثر، الذي أعاد النظر في العلاقة بين الشعر والنثر، وفي أوضاع الدال النصي، وبالنتيجة في مفهوم الشعر وهُويته الجمالية ككُل.
خيار قصيدة النثر
أخطر ما تَحقق في المنجز النصي لشعراء الجيل هو الانتساب إلى أفق قصيدة النثر، الذي أعاد النظر في العلاقة بين الشعر والنثر، وفي أوضاع الدال النصي، وبالنتيجة في مفهوم الشعر وهُويته الجمالية ككُل. حَـرر هذا الجيل قصيدة النثر في المشهد الشعري المغربي من إسار التردد «اللاتاريخي» الذي كان يصم عما كان يعتمل في رحم الكتابة، ودفع بها تدريجيا إلى زخم الحياة الثقافية وتصادياته ـ عاطفيا ورمزيا- مع ما كان يرد من الخارج، حوارا وترجمة. وإذا كانت لحظة محمد الصباغ رمزية بحكم فرديتها وتاريخها المعزول، إلا أن هذا الجيل هيأ ـ في صمت وصنيع صبور ومُضْنٍ – لحظة محتشدة بالمعاني والإحالات الخفية التي كانت تقطع مع لغة تنتج سائدها بلغة جديدة، تَخلصت من أطروحات المدلول وإحالاته الأيديولوجية، فكانت لحظة مُؤسسة بالقياس إلى ما فتحته من ممكنات كتابية جديدة لا تخضع لقواعد مسبقة ومُجْمع عليها، أو على الأقل تفرض قواعد خاصة بها تُفجرها من داخلها، وقد مالت أكثر إلى القصر والاقتصاد في اللغة والتكثيف، وإلى تشظية وعي الأنا بنفسها وبالعالم، مثلما عملت على تشذير البناء النصي، وأولت الدال الأسبقية في تشييد مُتخيلها وشخصنته في آن.
يقول عبد السلام المساوي: «شعراء جيل الثمانينيات لم يحققوا مكاسب فنية وحسب، التي تمثلت في تحرير النص الشعري من تابوهات العروض والبلاغة الكلاسيكية، ومن ادعاء التغيير الاجتماعي والسياسي، وتمثلت كذلك في شعرنة اليومي، والتركيز على التعبير بالصورة الجديدة القائمة على الرمز والمفارقة والسخرية السوداء؛ بل إضافة إلى ذلك، غيروا مفهوم الشعر بشكل يساير شكل الحياة التي يعيشونها، ويتفاعل مع الجو الفكري والحضاري الذي أدركوه. لقد جعلوا من الشعر منهاجا للقول الجميل القادر على تجميع أشياء العالم وأفكاره، تبعا لصيرورة لغوية وذهنية تنتقي من لحظات التدفق الحيوي زمن الكثافة المجدية. لقد عرفوا أن النص الشعري لا يكتسب شرعيته، باعتباره فنا، من الرفض الجاهز؛ كما وعوا بأن النص الشعري ليس شارة احتجاج تعمل في السطح، بل هو الشكل الأخير الذي تسفر عنه مواجهة الذات للعالم باللغة المنفتحة على تعددها. لقد تحدد مصير الشعر عند هذه الثلة من الشعراء بمصير المفهوم الشعري وتوجهات وظيفته الجمالية التي لا تنفصل عن الإحساس بالوجود والرؤية الكونية للحياة. فالشاعر الثمانيني لا يهمه أن يسمى شاعرا بقدر ما ينشغل بمواجهة مفارقات الوجود والمجتمع بمفارقات أحدَّ وأقوى؛ وهو يركب أقصى درجات المكر التعبيري من أجل تحقيق هذه الغاية، متمثلا في ذلك كل ما تتيحه اللغة من وسائل الكشف، وما توفره كذلك من أستار الإخفاء».
وقد عزز هذا الخيار الكتابي انفتاح شعراء الجيل على تجارب شعرية عربية وأوروبية : كما انتبه إليه الشاعر نور الدين الزويتني، إذ اعتبر أن «أهم الآثار التي يمكن أن ننسبها إلى شعراء الثمانينات في المغرب، هي انعكاس لآثار الشعراء في الغرب والمشرق وتعميق لها آنذاك، تهمّ سؤال الشعر بما هو أفق مفتوح على المغامرة، وليس معطى جاهزا في قوالب يكفي التقيد بها؛ أي أن الشعراء أثاروا هذا السؤال بحدة، ولجّوا في طرحه، على أن هذه اللجاجة ستأخذ صيغة رتيبة لن تنتشله منها، أي من تلك الرتابة، حتى قصيدة النثر التي بدأت في ذلك الوقت تنيخ بكلكلها. وهي الرتابة ذاتها التي هيمنت على الحداثة الشعرية عالميا، أي إعادة صياغة سؤال الشعر، أو أسئلة الشعر واستحالة الرسو على بَرّ. وفي ذلك ما فيه من إيجابيات عادت على الشعر باستكشاف آفاق جديدة، منذ زمن الرواد إلى الآن ربما، وأيضا هو السؤال الذي كان له أثر كبير على الأشكال الشعرية والمضامين والرؤى والصور».
أعتقد أن لجيل الثمانينيات أفضالا جمة على انعطافات حداثة هذا الشعر تاريخيا وجماليا، وعلى أبناء جيلي الذين مَـهدوا لهم طرقا وفتحوا شُرْفاتٍ، بل حفروا دهاليز وأنفاقا كعلائم على أنه لا شيء ثابت، أو يبعث على الاطمئنان في المعرفة الشعرية وخوضها كتجربة كيانية شاملة.
سيرورات عمودية
كانت كتابات الجيل تتطور على مراحل، بينها فواصل صمت وانقطاع وغياب، ولهذا أخذت أعماله الشعرية الأولى والدالة على مزاجه وسمته وعنفوانه، تصدر منذ أواخر السبعينيات، عبورا بالثمانينيات والتسعينيات وحتى بدايات الألفية الجديدة، كأن عمره المحتمل في مشروع القَلْب لا يُقاس بعقد زمني؛ من قبيل: كيف تأتي المنافي؟» لمحمد عزيز الحصيني (1980) و«عاريا أحضنك أيها الطين» لمحمد بوجبيري (1988) و«امرأة من أقصى الريح» لإدريس عيسى، و«زهرة البراري» لمحمد الصابر(1989) و«سقط سهوا» لحسن نجمي، و«على درج المياه العميقة» لمبارك وساط (1990) و«أبداً لن أساعد الزلزال» لأحمد بركات، و«الأنخاب» لوفاء العمراني (1991) و«فاكهة الليل» لصلاح بوسريف (1994) و«ذئب الفلوات» لمحمد حجي محمد (1995) و«جراح دلمون» لمحمد بودويك (1997) و«كهف سهوار ودمها» لمحمد الشركَي (2001) و«القربان والملكة» لنور الدين الزويتني (2007) تمثيلا لا حصرا.
كان بعض هذه الكتابات يبحث عن نفسه وسط تنميطات السائد، وبعضه بدا راسبا في النثرية، أو متأثرا بنماذح لقصائد نثر وافدة من المشرق (محمد الماغوط، أدونيس، سركون بولص) ومن فرنسا تحديدا. وبعضه تم إدماجه ضمن الوعي بما هو كتابي في الشعر كعلاقات بصرية/ مادية تتم في اللغة وعبرها، على نحو يعيد تشكيل الدال وتوزيعه خطيا ومقطعيا، ويُطلق داخل احتمالات الدلالة داخل الصفحة الشعرية. وبعضه الآخر تجاوز مشكلة الشكل، ليعكس من خلال تجربة الذات فلسفة ما، وفهما خاصا للذات والكتابة واللغة والعالم، تطبعه روح المفارقة، ويقف ساخرا وغير مُبالٍ من مفردات حياتنا المعاصرة في شكل ومضات وتشذرات تُفكك وهم الواقعي، وترصد منطق الخلل الذي يهيمن على هذه الحياة ويطبع مناخاتها جذريا.
لكن هذه الكتابات كانت تتطورُ في سيرورة مُتدفقة اقتراحا ونَشْرا وسِجالا وتأثيرا، وتُبلور رؤيتها الشعرية الجديدة من ذات إلى ذات، وهو ما سيعكس في نحو عقدين متتاليين ملامحَ حقيقية وخاصة لشعر مغربي معاصر ومختلف قطع مع «أساطير» سابقة عنه، أسطورية وسياسية ونفسية. وقليلٌ من هذه الكتابات هو الذي خان أُخوة الواجب الإبداعي. وهذا كُله في معنى الجيل الذي بنى على ما سبق، وأقام في العالم كتجربة شخصية وسؤال لانهائي.
ويمكن القول إن هيمنة البعد الجمالي هو ما أكسب الجيل قيمته ككتابة مختلفة وإبدالات معرفية وفنية توسع دوال الشعر وتسعفه على الذهاب إلى ممكناته النصية والتخييلية. وفي هذا الأفق، يقول الشاعر محمد بودويك: «إلى جانب المهادات التي ساهم فيها وبها الشعراء السبعينيون المغاربة والمشارقة والشوام، قامت البيانات، التي دعت إلى التجديد في كل مناحي الحياة، بدورها في تفتيق الدهشة أكثر، وتفتيح العين على ما يلوح في الأفق القريب، والآفاق الإنسانية الكونية الأخرى، وشحذ اللغة شحذا صار معها الصوغ منحوتا، والشعر منعوتا، والجمالي منفوثا، والمعنى القريب الواضح، ملعونا وممقوتا، أي أن الثمانينيين الحاذقين ـ وليس كل الثمانينيين- سعوا إلى كتابة أخرى، كتابة «انقلابية» في بعض النماذج بالذات، بعثرت المعنى، وجنحت الدلالة، وأحدثت إبدالا ملموسا في لاوعي النص من حيث إبعاده أو استبعاده للنماذج العليا، واحتضانه للهموم الحياتية، والقضايا الصغرى، والمبتذل اليومي. ما يعني أن الوظيفة الشعرية، أصبحت هاجسا رئيسا لدى الشعراء، تقتضي تكثيف اللغة، وشكلنة الصفحة، والتهليل للبياض وللسواد، وأسطرة الذات المتلفظة، خلف ما به تنصهر الذات بالإيقاع الخفي العام، والإيقاع الشخصي كدال يتحكم في بناء النص وهندسته، والذهاب به إلى أقصى البوح، والصمت في آن».
أعتقد أن لجيل الثمانينيات أفضالا جمة على انعطافات حداثة هذا الشعر تاريخيا وجماليا، وعلى أبناء جيلي الذين مَـهدوا لهم طرقا وفتحوا شُرْفاتٍ، بل حفروا دهاليز وأنفاقا كعلائم على أنه لا شيء ثابت، أو يبعث على الاطمئنان في المعرفة الشعرية وخوضها كتجربة كيانية شاملة. ولهذا، لا ننكر ما خلقته الصفحات التي كتبها أحمد بركات وإدريس عيسى ومبارك وساط ـ تمثيلا لا حصرا، من تثوير في الرؤية والحساسية والموقف من كُل شيء، وما أرشدته إلينا من آداب وبصائر في حواريةٍ خفية ومدهشة، ودخلت في نسيج وعينا الشعري إلى غير رجعة.
كاتب مغربي