فلسطيني يرشق قوات الاحتلال بالألعاب النارية- أرشيف
جنين- “القدس العربي”: ينطلق الرصاص في أغلب مدن الضفة الغربية منذ سنوات طويلة لأسباب لها علاقة بالاحتفالات والأعراس ومناسبات المواطنين، أو لتكون تعبيرا عن خلافات العائلات الفلسطينية وصراعاتها في المدن والقرى والمخيمات، وهما حالتان أصبح إطلاق الرصاص فيهما بكثافة أمرا معتادا لفرط تكراره.
ويتندر المواطنون من خلال التعبير عن قدراتهم في معرفة طبيعة الرصاص المحلي ونوعه وسبب الإطلاق أيضا، لكن مدينة جنين ومخيمها شكلا خلال الشهرين المنصرمين حالة استثناء فريدة، فإلى جانب مصادر الإطلاق التقليدية السابقة فإن هناك إطلاقا للرصاص يعيد الاعتبار للبندقية وحاملها طالما تتوجه إلى قوات جيش الاحتلال التي تتناوب على اقتحامات ليلية في أغلب المدن الفلسطينية.
يؤرخ المراقبون وأهالي المدينة لهذا التحول إلى الفترة التي وقعت فيها معركة “سيف القدس”، حيث قامت مجموعة من المقاومين في المدينة بعمليات إطلاق نار على حاجز الجلمة الفاصل بين مدينة جنين شمال الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، وتبع ذلك عمليات إطلاق نار على قوات الاحتلال التي كانت تمارس قبل ذلك عملياتها بهدوء وسلاسة، حيث كانت تدخل وتقتحم وتفتش وتعتقل المواطنين على خلفية نشاطهم السياسي والعسكري.
آخر هذه الاشتباكات بين قوات الاحتلال ومقاومين كانت فجر الأربعاء 28 يوليو/ تموز عندما اشتبك مقاومون فلسطينيون مع قوة لجيش الاحتلال اقتحمت مخيم جنين ونفذت حملة اعتقالات فيه، طالت كلاً من: عبد السلام جمال أبو الهيجاء، مازن السعدي ونجله أوس من منازلهم.
وبحسب ما أفادت به مصادر محلية فإن المقاومين لاحقوا القوة الإسرائيلية خلال انسحابها من جنين، وأطلقوا عليها وابلا من الرصاص خلال تواجدها في شارع حيفا الواصل لمنطقة سالم التي تقع فيها الإدارة المدنية للمنطقة.
ولا يعلم المواطنون كيف يتجمع الشبان المقاومون ولا ما هي الخلفيات التنظيمية الفلسطينية، لكن فيديوهات وثقها أهالي المنطقة ما تلبث أن تتحول على شبكات التواصل الاجتماعي إلى حديث الأهالي وسط عبارات الثناء والفخر والتمجيد.
ويؤكد مراقبون ونشطاء حزبيون لـ”القدس العربي” أن نواة هذا الفعل العسكري بدأت من خلية تتبع سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي التي نفذت مجموعة من عمليات إطلاق النار على دوريات الاحتلال وحواجزه، حيث يقول مصدر رفض الكشف عن اسمه “كانت خلية جميل العموري (الشهيد) هي الأولى، وكان بمثابة رأس التنظيم، وتوقع الاحتلال أن يترتب على اغتياله تشتت الخلية وتوقفها على القيام بنشاطها المقاوم.
وكانت قوات الاحتلال قد اغتالت الأسير المحرر العموري من مخيم جنين، بتاريخ 10 يوليو إلى جانب شهيدين من جهاز الاستخبارات العسكرية الفلسطيني، وهما الملازم أدهم ياسر توفيق عليوي، والنقيب تيسير محمود عثمان عيسة.
وكانت قوة كوماندوز إسرائيلية من وحدة “يمام” قد اقتحمت المدينة بهدف ملاحقة عنصرين من حركة الجهاد الإسلامي هما الشهيد جميل العموري، ورفيقه وسام أبو زيد الذي اعتقل بعد إصابته خلال العملية العسكرية، واللذين كانا مطلوبين لها على خلفية إطلاقهما النار وتشكيلهما خلية تعمل ضد قوات الاحتلال.
لكن نشطاء أخبروا “القدس العربي” أن النتيجة التي ترتبت على اغتيال العموري كانت أن تحول إلى رمز وطني مقاوم لعشرات الشبان في مخيم ومدينة جنين، كما أن عدد الشبان المنخرطين في النشاط المقاوم تجاه القوات الإسرائيلية المقتحمة يتضاعف ويكبر.
ويؤكد أحد النشطاء الذي رفض الكشف عن اسمه أن المقاومين اليوم غير ملونين، (لا يعبرون عن فصيل سياسي واحد فقط)، لكنهم يتحركون بطريقة شبه منظمة، بحيث ينسقون خطواتهم وأماكن تواجدهم واللحظات التي يظهرون فيها لإطلاق النار على الجنود ودورياتهم المصفحة والمعززة.
الاشتباكات العنيفة التي تشهدها مدينة جنين ومخيمها وأحياؤها في الأسابيع الأخيرة جعلت من قوات الاحتلال تعترف أن “عملية اقتحام المدينة ومخيمها لم تعد روتينية”.
قائد وحدة المستعربين في الضفة الغربية الملقب “د” اعترف في تقرير نشر في 14 من الشهر الجاري أن “الاشتباكات في جنين عنيفة إلى درجة أنها ذكرتهم باشتباكات جنوب لبنان”.
وقال قائد وحدة المستعربين إن الدخول إلى جنين لم يعد كما كان عليه الوضع في السنوات الأخيرة، مؤكدا تعرض وحدته “لكمين كاد أن يكون قاتلا في المدينة”.
وبتاريخ 10 مايو وقع اشتباك عنيف بين مقاومين أطلقوا النار تجاه قوة من جيش الاحتلال اقتحمت مخيم جنين، حيث أظهرت مقاطع مصورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أصوات إطلاق نار وتكبيرات، تزامناً مع اقتحام قوات الاحتلال للمخيم.
وتترافق الاشتباكات المسلحة مع إلقاء عبوات محلية الصنع تسمى “الكوع”، على القوات المقتحمة.
قال قائد وحدة المستعربين في الضفة قال “إن واقعًا جديدًا يجري فرضه وتغييره في مدينة جنين ومخيمها شمالًا خلال الأسابيع الأخيرة، ما يشكل تحديًا كبيرًا لجيش” الاحتلال الإسرائيلي.
وأوضح الضابط في حديث لوسائل إعلام عبرية أن ما يحدث في المدينة من اشتباكات عنيفة يعتبر حدثًا غير مألوف في الضفة الغربية المحتلة، حيث أصبحت عمليات إطلاق النار تتم من مسافات قريبة، والمسلحون يتمتعون بجرأة كبيرة.
والحديث بالنسبة لقوات الاحتلال يدور اليوم حول “تهديد كبير ويومي للقوات المقتحمة للمدينة” التي كانت العملية بالنسبة لها طوال سنوات عبارة عن جولة بأقل قدر من مصادر الخوف والقلق.
وحسب مصادر مقربة من نشطاء المقاومة في مخيم جنين فإن هناك محاولات إسرائيلية للضغط على السلطة الفلسطينية للتعامل مع مطلقي النار ليلا أثناء الاقتحامات في المدينة، وهو ما لم نتمكن من التأكد منه حتى اللحظة.
عن سر التحول في إطلاق النار على الجنود المقتحمين قال أحد النشطاء السياسيين إنه لا يمكن أن نقول إن هناك تحولا “فمن يطلق النار على الجنود المحتلين لم يستخدم سلاحه سابقا في أي مكان، إنهم جيل جديد يرفض واقع أوسلو وكل تبعاته وما ترتب عليه من علاقة مع الاحتلال، إنه جيل لم يشهد الانتفاضة الأولى عام 1987، والانتفاضة الثانية عام 2000، إنه جيل يطالب ويعمل على ضبط البوصلة ورسم الخريطة النضالية بصفتنا شعبا نريد الاستقلال”.
وتابع: “جانب من قوة جنين هو تاريخها النضالي الممتد من ثورة عام 1935 حتى اللحظة، حيث هناك جهود مقاومة للمحتل مرت بمراحل تاريخية كثيرة وهو أمر راسخ في عقيدة السكان، أما الجانب الثاني فيعود إلى تنظيم الجهاد الإسلامي الذي يعتبر صاحب باع طويل في مقارعة الاحتلال حيث كانت بدايات هذه الظاهرة مرتبطة بالشهيد جميل العموري ورفيقه الأسير”.
ويؤكد الناشط أن “إسرائيل باغتيال العموري لم تحقق ما هدفت إليه، كانت تريد أن تقتل الفكرة والبذرة، لكن الميدان يؤكد أنها فشلت، العموري تحول إلى رمز نضالي لدى عشرات الشبان في المدينة ومخيمها”.
ويضيف الناشط: “الاحتلال وعبر منصاته باللغة العبرية يحاول تقزيم المقاومة وربطها بشخص واحد فقط، يريد أن يقول إن المقاومة هي أشخاص محددون وبمجرد اغتيالهم تنتهي ظاهرتهم، أما من خلال الإعلام العبري فتحاول أن تقول إنها قتلت قائدا كبيرا وخطيرا، بحيث تبالغ في حجم إنجازها الأمني، والأمران غير صحيحين، إنها دعاية سياسية محلية وخارجية”.
ويؤكد الناشط أن إسرائيل لا تثق بأجهزة الأمن لدى السلطة الفلسطينية، وهي تعتقد أنها تمتلك الأدوات والوسائل للقيام بالعمليات الأمنية بنفسها، هذا ما يؤكده الإعلام العبري، وبالتالي ستحاول في قادم الأيام أن تتعامل مع هذه الأنشطة المقاومة بمزيد من الاعتقال والاقتحامات.
وفي مقابل هذا العمل العسكري تعمل السلطة الفلسطينية وحركة فتح على تفعيل خيار المقاومة الشعبية بناء على توصيات المجلس الثوري للحركة قبل شهرين إزاء الممارسات الإسرائيلية المختلفة وتحديدا النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية.
وكانت قوات الاحتلال في عام 2000 قد أعادت تأكيد حقها في دخول المناطق “أ” التي تصنف أنها تحت سيطرة أمنية وإدارية فلسطينية وفقًا لما تسميه “الاحتياجات التشغيلية” وهو ما جعلها تمنح لنفسها الحق بممارسة أنشطة عسكرية وأمنية من دون الرجوع للسلطة الفلسطينية، في حين أن اتفاقية أوسلو نصت على أن تقوم إسرائيل بمخاطبة الجهات الفلسطينية بالمهمات الأمنية وهي تنفذها بدورها.
وتدرجت مسألة الاقتحامات الليلية التي تنفذ عادة بين الساعة 2 صباحًا و4 صباحًا في إبلاغ الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تقوم بدورها في إخلاء أماكن تواجدها وإفساح المجال للقوات المقتحمة بداية إلى تنفيذ عمليات الاقتحام من دون أي تنسيق أمني يذكر، وهو الأمر الذي ترفضه السلطة من دون أن يترتب على ذلك أي نتيجة وهو ما شكل وصمة عار بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين على أداء الأجهزة الأمنية.
ويمارس جيش الاحتلال مداهماته الليلية من خلال جنود ملثمين وبمرافقة الكلاب البوليسية، وباستخدام معدات القتال الكاملة بهدف القبض على من تسميهم “المشتبه بهم”، ولإجراء عمليات التفتيش، ورسم خريطة الهيكل الداخلي للمنازل، وتصوير الشباب صغار السن.