جَرُّ الذّيولِ

في لغتنا اليوم تقلّصت وبشكل كبير استعمالات كثير من العبارات؛ وليس أفضل من مثال كلمة (ذيل) الذي يكاد ينحصر في استعمالنا الفصيح اليوم على استعمال حقيقي هو ذنب حيوانات، كالكلب والقطّ والفأر، ويمكن أن يستعمل الذيل في معنى مجازيّ يراد به التحقير والحطّ من قيمة شخص، إذ يكون خادما ذلولا لجماعة أو لبعض الأعيان فيقال عن فلان، إنّه ذيل فلان أو ذيل الحزب الفلاني، يقال عنه ذلك وقد يقال له في سياقات مواجهات عنيفة.
كان لعبارة (ذيل) استعمالات كثيرة فمن معانيها التي نجدها في المعاجم ما تتركه الريح في الرمل؛ وسمي الأثر كذلك لأنّ السائرين الضاربين في الصحارى يحتفون به، إذ يرونه شكلا مميزا يشبه صورة مجردة لذيول حيوانات ألفوها غير أنها قدّت هنا من رمال. هذا الضرب الذي يمكن أن يستمدّ شرعية استعماله من ذيل الحيوان، ليس معنى مجازيّا، ولا يقف خلفه تشبيه، بل الأمر أكثر تشعّبا مما قصره المعجميون والبلاغيون على تطور المعاني بالمجازات.
يمرّ الإعرابي بالصحراء فيرى على الرمل شكلا يشبه شكل الذيل، إنّه يرى رسْما ينقله ذهنا إلى رسم آخر. يعيش الإعرابي الذي أطلق اسم الذيل على أثر الريح، ضربا من استنساخ معرفيّ يجعله يقيس معرفة على معرفة، وشكلا على شكل قياسا عجيبا. هو يستنسخ في الطبيعة جزءا من الحيوان الذي يركبه أو يرعاه أو يؤنسه، ويراه منعكسا مسقطا على أرضية الصحراء، ليتعرف عليه ويراه شكلا مميزا من الأشكال التي صنعتها الطبيعة، وأعطاه البدويّ معنى بالاستنساخ والقياس. عملٌ كهذا ينمّ عن معالجة للطبيعة الغُفْل بعناصرها على أنّها تشبه – وهي تتحرك وتتفاعل – عناصر حيّة في محيط المتفاعل المتخيّل. هذا الذي في الأرض من التسميات التي تعتمد تشبيهات للعناصر الطبيعية وأفعالها، يشبه ما يحدث في السماء من تسمية كواكب النجوم بأسماء الحيوانات، فقد سمّى العرب كوكبة من النجوم بالدبّ الأكبر، وسمّوا أخرى دبّا أكبر لا لشيء إلاّ لأنّ تجميع عناصر تلك الكوكبة أوصل الجامع الرائي إلى ضرب من استنساخ لصورة الدب في السّماء. صورة الذيل على الرمل وصورة الدبّ الذي في السماء هي عملية ذهنيّة تسمّى المسح Scanning الذهني. تعني هذه العبارة عملية ذهنية تهدف لبناء المشهد بأداة إدراك بصرية مثلا للحصول على معلومات مثل المقارنة، أي مقارنة مشهد غفل بمشهد مألوف: النجوم بالدب خط الرمل بالذيل. يمكن أن يرى الرائي في النجوم التي تؤلّف دبّا أكبر شيئا آخر غير الدبّ، وهذا ما حدث فعلا في شعوب تسمّي الدبّ بتسميات حيوانات أخرى تنتمي إلى بيئة المسمّى، أو حتى أشكال أخرى كتسميته في الفرنسية اسما يعني المقلاة Casserole لأنّ في كوكبة النجوم ما يوحي بهذه الآلة.

تأتي القصص عادة لتشرح أسباب القول، ولتبرّر هذا العدول بالمعاني من قيمتها الموجبة إلى قيمتها السالبة؛ ومهما كانت قصّة البيت السابق، فإنّ جرّ الغانيات للذيول لا يرقى البتة مهما كان جميلا إلى القتال في الحياة، أو لمقاتلة الحياة سعيا وراء عيش رغيد.

وما يعنينا في هذا السياق أن الذّيل في معنى كثيب الرمل الصغير المتشكل بعد الريح، والدبّ الذي يتسمّى به الكوكب، ليسا تسميتين استعاريتين ولا مجازيتين، وإنّما هما تسميتان محاكيتان لمدلول تسمية أصلية. وهذه المحاكاتية باعتبارها طريقة في التسمية كثير وجودها في اللغة، وأشهر الأمثلة عليها هو عين الماء، فليست العين بما هي نبع للماء استعمالا مجازيّا متطوّرا ولا هي مدخل ثان منقطع الدلالة عن المقطع الأول؛ بل في هذه التسمية ما يدلّ على وجود ضرب من المسح الذهني الحكائي، الذي يرى في عين الماء بدائريتها وسطحها المائع الذي يخفي نبعا تحته ما يحاكي عين الشخص التي تخفي ( وهذا تصوّر عاميّ بسيط ) نبع دمع خلفها فيكفي أن يثيره الحزن، أو القذى حتى يسّاقط مدرارا.
لنعد إلى الذيل في معنى آخر غير أثر الرمل، وسوف نرى كيف أن الحكائية قد فعلت فعلها في تطوير الدلالة. ففي العربية يسمّى أسفل الثّوب ذيلا؛ ومن كانت له من الأثواب ذيول كان له من القماش ما يكفي أن ينسدل على سائر جسده ويفيض عليه حتى يغطي الجسد وزيادة. في الثقافة العربية تطوّر المعنى من الحكائية التي تعتمد الأيقونية إلى الرمزيّة؛ فحين يقال عن فلان إنّه طويل الذيل فيعني أنّه غنيّ. ولا علاقة بين طول الذيل والغنى مبرّرة بالشبه، لكن توجد علاقة شبه بين ذيل الثوب وذيل الحيوان. ليس كلّ من له ذيل في الحيوان مميّزا، لكنّ كلّ من له ذيل من الثوب في البشر يكون مميزاً. كذلك ليست كل الحيوانات ذات ذيول وهذا طبيعي، لكن ليس كل البشر من ذوات الذيول وهذا ثقافي اجتماعي. وليس في الثوب ذيل واحد، إذ يمكن أن يكون له ذيل في موضع الذيل، ويكون له ذيل في أسفل الخصر من الخلف طبعا ككل ذيل. ويمكن أن يكون الذيل أسفل الخصر في ما انسدل من القميص أو من المعطف ففي الثوب ذيول ومواضع يمكن أن يتدلّى منها الثوب، وكلما كان الذيل موجودا كانت دلالة على الثراء أوسع. في هذا السياق الاستعمالي يقترن الحكائي بالمواضعيّ، أو يرتبط الأيقوني (شكل الذيل) بالرمزيّ (ما يدلّ عليه من ثراء ودعة وأناقة).
بالمحاكاة تسمّت في الثقافة العربية كثير من الأعشاب والنباتات بالأذيال، فذيل الحصان هو نبات مائيّ طبّي؛ وذيل الفأر هو ضرب من النباتات البريّة الحوليّة التي تكثر في الأراضي المروية وترعاه الماشية.
لكن انتقلت عبارة الذيل انتقالا مستهجنا للدلالة على أن الشخص تابع تبعا هجينا لشخص إذ هو يبالغ في خدمته على حساب ما ترتضيه أخلاق الخدمات وقوانينها. في ثقافة زالت منها العبوديّة والرقّ، صار لمعنى الذيل هذا الاستعداد للاستعباد. ذيل الشخص في هذا المعنى له طابع رمزيّ فيه تصوّر يفصل بين الحيوان وذيله يجعل الثاني يتبع الأول حيثما تحرّك بل إن في الذيل خصالا أخرى كالتي في ذيل الكلب: إنّه يبصبص مرحّبا بصاحبه، مبالغا في الترحاب، أو طامعا في شيء.
لا يمكن للمحاكاة في إدراك الأشياء أن تعيد تخليق الشبيه، بأنْ تعيد فيه جميع عناصر ما يشبهه. المحاكاة تدعو أيضا إلى الإبداعيّة حتى يكون هناك الفرق أو الفويرق الذي يصنع هويّة الكلمات المختلفة. حين نتكلم عن ذيل حيوان فإننا لا نستعمل له الفعل جرّ ولا شبهه، فالحيوان لا يجرّ ذيله فهو فيه مثلما فيه أيّ عنصر آخر، هكذا إدراكنا لعلاقة مكوّنات الجسد به ؛ لكنّ جرّ الذيل تطلق على الثوب الذي تجرّه السيدة على الأرض، وفي ذلك ضرب من الغنى أو الرفاه أو الترف. من الجميلات الغانيات، من إذا جرّت الثوب أضافت إلى جمالها كثيرا من الجاه والشرف. الغانية تسمية للمرأة من جهة جمالها، وهي المستغنية عن التطرية لإبراز زينتها، وجارّة الثوب تسمية لها من جهة جاهها ومالها. الغانية قد تكون غنيّة بحسنها عن أيّ ملبس يزيّنها، وجارّة الثوب هي التي تطلب في الملبس ما يزيّنها. لكنّ السياق والاستعمال لا يبقي على المعاني التي تبنى شيئا فشيئا، لتعيّن العناصر الثابتة؛ يتلعّب السياق بكل المعاني، ليجد ضالّته مثلما وجد الشاعر ضالّته في جعل من تجرّ أذيالها معيبة ملعونة إذا قال فيها: (كُتِبَ عليْنَا القَتْل والقِتَالُ • وعلى الغانيات جرّ الذيولِ).
تأتي القصص عادة لتشرح أسباب القول، ولتبرّر هذا العدول بالمعاني من قيمتها الموجبة إلى قيمتها السالبة؛ ومهما كانت قصّة البيت السابق، فإنّ جرّ الغانيات للذيول لا يرقى البتة مهما كان جميلا إلى القتال في الحياة، أو لمقاتلة الحياة سعيا وراء عيش رغيد. رغد العيش هذا بين أسمال الكرامة، ونكد العيش ذاك بين الحرير المجرور مسألة تتجاوز الثقافة إلى الرؤية الفلسفية للوجود: كلّ يرى كونه من جانب يرضى بما لديه، ويزهّد في ما لدى غيره حتى إن كان بين يدي غانية تجرّ أذيالها سعيدة.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية