قرأت مرّة خبرا من الأخبار التي لا سند لها، إذ لا حاجة في أن حاكما من حكام المسلمين – لعلّه الحجّاج بن يوسف الثقفي – أراد أن يجمع جيشا عظيما، فلم يكتف فيه بمن هو كفء للنزال من أهل الفتوّة والبأس، بل أراد أن يحشد أيضا المراهقين في أوّل عمر البلوغ، وكان يرسل إلى الأهالي من يفتكّهم من أمهاتهم، وكان يعزّ عليهنّ أن يفرّطن في فلذات أكبادهنّ، فكانت المرأة تصيح خلف ابنها وتقول: «بأبي أنت» فسمّي ذلك الجيش جيش بأبي.
بأبي هي جملة مختزلة حذف فيها الفعل والفاعل والمفعول فالأصل: «أفديك بأبي» يا ولدي أفديك بأبي وأمّي».
أصل الجملة أن تقال لمن أردت أن تفتديه بروح من يعزّ عليك، وهو روح الأب والأمّ كأن يقال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله. والخطاب الذي تقال فيه هذه الجملة يعرف بالتفدية. وأقدم أشكالها في الحروب والأسر، حين يقدّم الفداء لتخليص الأسير، أو لتحرير الرهينة فيسترجع بمقابل مالي في الغالب. ويبدو أن هناك أشكالا قديمة من الفداء عرفها العرب، من بينها أن تفتدي المرأة نفسها من زوجها فتقدّم له مالا تحرّر به نفسها منه بالطلاقِ، وهذه مسألة أخرى لا تعنينا ههنا إلاّ لإثبات الطابع التعاقدي للتفدية، وأنّها ضرب من شراء الحرية المستلبة أو المفتكّة.
السياق الذي قيلت فيه جملة النسوة أعلاه، هو سياق غير هذا الضرب من التفدية، ذلك أن التفدية التي تنتج أقوالا متعدّدة من نوع أفديك بروحي، أو بمالي، أو بعرضي أو أفديك بأبي وأمّي، وغيرها من العبارات هي أقوال لا تبرم عقودا كالتي تبرم حين يفدي الرجل أسيرا له، أو تفدي المرأة نفسها من زوجها.
جاء في لسان العرب تمييز بين المفاداة والفدية؛ تكون الأولى في الحروب، حين يتبادل المتحاربان الأسرى، فيدفع رجل بدلا من رجلا؛ أمّا الفدية فتعني أن يُدفع مالٌ لمن أريد تحريره. وبهذا المعنى وردت العبارة في التنزيل الحكيم: «وإنْ يأتوكم أُسَارَى تُفادُوهم» (البقرة ـ 85) ومنهم من قرأها «تفدّوهم فمن قرأها بلا ألف أراد شراء الأسرى بالمال، ومن قرأها بالألف حملها على معنى المجادلة في ثمن الأسيرين. قال صاحب لسان العرب: «وأمّا تفادوهم فيكون معناه تماكسون من هم في أيديهم في الثمن ويماكسونكم» (لسان العرب، (ف.د.ي ) 15/ 150).
هناك تطوّر معقول في استعمال عبارات التفدية لا من جهة تداولها، بل من جهة تغيّر الحاجة التداوليّة إليها، يمكن أن نرتّب الاستعمالات ترتيبا زمنيّا باعتماد أقدم الأشكال التعامليّة التي تغطّيها عبارة الفدية (ومثالنا ههنا بأبي).
لا شكّ في أن الحاجة التداوليّة في استعمال أفديك أو أفاديك، أو غيرها من العبارات، كانت في سياق الميثاق الغليظ الذي يكون بين من ينوي الفداء والسلطة العليا المقدّسة، كان الفدى في الأصل عقدا منويّا، ثمّ يصبح بعد تحقّق الطلب شيئا عمليّا. الحاجة في هذا السياق هي حاجة تندرج في الوعد، أو النذر والإيفاء بهما. كأنّها شكل من أشكال تسديد دين لشيء طُلب واكُتسب سلفا. هذا هو المعنى هو الذي تطوّرت منه عبارة أفديك بنفسي أو أفديك بأبي وأمّي، مع تسجيل خلاف يتمثّل في أن البديل هو من جنس المبدل منه نفسه، أو لنقل المفتدى به، وهنا تصبح العبارة في سياق استعمال مجازي، وليس لها في الوقائع ما يؤكّدها، إذ لا ينتظر في خطاب الافتداء أن يضحّي الرجل بأمّه أو أبيه، كي ينقذ شخصا آخر، ولكنّ الخطاب الذي لا يحيل على شيء متحقّق، بل على شيء افتراضي غير قابل للتحقّق، قد احتاجته خطابات المجاملات بين الناس. نزل التداول الحادث بالكلام من عليائه التعبدي إلى أرض التعامل بين الناس.
المجاملة عمل لغوي يبدو لنا غير مفيد، أو غير ناجع في حياتنا العملية، لكنّه في تقديرنا من أقدم الأعمال لأنه سليل الأعمال العباديّة التي يقبل فيها الإنسان على عبادة سلطة تتنازعها في عبادتها مواجيد مختلفة منها، الخوف والطمع والحبّ والمجاراة.
لقد انتقلنا من « قدرة تداوليّة» إلى أخرى، القدرة التداولية حسب بعض الدارسين هي قدرة المتكلمين على أن يتفاهموا بالأقوال في مقامات معلومة، بدون أن يرتكزوا على المعنى الثابت الذي في تلكم الأقوال، غير أنّه لا فرق في نظريّة الأعمال اللغوية أن يكون العهد أو الوعد منجزا، أو غير منجز، لأن الكلام مهما كانت له قوّة إنجازيّة بقطع النظر عن تحقّقه أو عدمه. ففي رأي شيوخ البراغماتية من أمثال أوستين وسيرل، أن الأقوال هي أعمال؛ فالمتكلم لا يستعمل فقط اللغة حين يتكلم إنّه أيضا ينجز الأفعال بها.
الانتقال من خطاب الإنشاء الإيقاعي، أي خطاب توقيع العقود بالكلام (افتداء الأسرى) إلى خطاب المجاملات، يتطلّب النظر في توريث الأعمال الإنشائيّة كثيرا من دلالاتها للمجاملات. الموت والافتداء بالحيّ، هو مدار عمل المجاملات شريطة أن هذا كلّه يحدث في عالم افتراضي، أو في فضاء ذهني افتراضيّ يكون موازيا للفضاء الواقعي، على حدّ عبارة فوكونياي. الفضاء الواقعي في قصّة جيش بأبي هو فضاء أسر الصبية واقتيادهم عنوة إلى ساحة الحرب، والفضاء الافتراضي هو الوعد بفكّ أسرهم، حتى لوكلّف الأمر التضحية بالأب أو الأم (أي الجدّ والجدة). إلى هذا الحدّ يكون الطفل المقتاد إلى الحرب عنوة موضع فدية هي في الأصل لا تقلّ شأنا من المفتدى. هناك طبقات من الإنشاء الإيقاعي الذي تطوّر من معاهدة بين البشر على تحرير الرقبة من الأسر، أو من الزواج، إلى الوعد بتحرير عزيز على غير وجه الحقيقة. الإنشاء الإيقاعي في الأوّل يبرم عقدا فعليّا لكنّه في الإنجازيّات الثانية، التي وردت على لسان الأمهات لا تبرم عقدا، ولكنّها تنجز وعدا. لا فرق من جهة التأثير في الكون بين أن تنجز عقدا فعليّا، أو أن تنجز عقدا فرضيّا فكلاهما ضرب من الإنجازيات ستغير الكون.
المجاملة عمل لغوي يبدو لنا غير مفيد، أو غير ناجع في حياتنا العملية، لكنّه في تقديرنا من أقدم الأعمال لأنه سليل الأعمال العباديّة التي يقبل فيها الإنسان على عبادة سلطة تتنازعها في عبادتها مواجيد مختلفة منها، الخوف والطمع والحبّ والمجاراة. نحن نجامل من نحبّ ونجامل من نطمع فيه، ونتظاهر بحبّ من نجامله ونتظاهر بمجاراته في ما يحب ويريد. حين نقول لمن نجامله (أفديك بأبي وأمّي) فنحن نريد أن نؤثر فيه تأثير من له سلطة، فتخفى عنّا سلطته، وتأثير من نعشقه وليس لنا إلى قلبه سبيل صريح، لذلك نحن نجامل كي نتواصل، أو قل نتواصل كي نجامل.
لكنّا ونحن في هذا السياق من الحديث عن عمل لغوي متعلق بالفداء، توقفنا عند جهتين من جهات تغير الحاجة التداوليّة لهذه العبارات، في سياقي الإنشاء الإيقاعي والوعد، وهذان سياقان متعاملان، الأوّل منهما زال لزوال أسبابه، أو كاد يزول، وأحال التداول إلى مجال جديد من التفدية بالنفس، تقال على سبيل المجاملة أو التعبير عن شدّة التعلق، لكنْ أن يسمّى الجيش باسم بأبي هذا ينقل العبارة من التداول في سياق مخصوص إلى التعيين. ليس غريبا أن نسمّي بالجمل أشخاصا أو غير الأشخاص، الغريب أن اللغة يمكن أن تحنّط بتلك التسمية شكلا استعماليّا وتجمّده، لتقصره على تعيين ذات أو ما شابهها تعيينا يرتبط بسياق وحيد من تداول الكلام، بحيث يصبح لذلك التداول تاريخ وحكاية.
إن التسمية بعمل لغوي هي شكل متطوّر من استعمال الفداء، لا في العمل اللغوي بل في التعيين. فالتسمية ليست كلاما، بل هي جزء من كلام يعود العمل اللغوي فيه إلى حالة اختصار قصوى تنفيه عن مجال تداوله وتجعله اسما بسيطا.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية