حاجة مصر إلى ‘وزارة حرب’ تحسبا لخطر التدخل الاجنبي!

ليست مصر وحدها التي تمر بحالة شديدة التعقيد، إنها حالة تلف الوطن العربي وتتجاوزه إلى إقليم الشرق الأوسط. والمشكلة أن كل شيء متداخل ومتشابك ومتقاطع؛ تستخدم فيه الأسلحة المشروعة وغير المشروعة.
ومع ذلك ما زال المواطن العادي هو البطل الحقيقي في حراك الثورة المتجدد. ولم يحدث في التاريخ أن اندلعت ثورة بهذا العمق وذلك الشمول، الذي احتوى كافة الأوساط والطبقات والفئات. ومصر منذ 25 يناير 2011 تعيش حيوية كبيرة ورغبة طاغية في المشاركة وتقديم التضحيات، وبدا هدف الحرية قيمة أسمى تستحق التضحية، والحرية لا تستقيم في غياب المساواة والعدل الاجتماعي والكرامة الإنسانية.
ومع إرهاصات الثورة الثانية منذ آذار/مارس الماضي طمأن أهل الحكم أنفسهم بأن الشعب ‘جاب آخر ما عنده’ حسب التعبير الشعبي الشائع، ولم يبق لديه ما يكفي لتكرر ما فعل مطلع 2011، وبنى الإخوان حساباتهم على ما توقعوه بأنه لن يكون أكثر من ‘زوبعة في فنجان’، وذلك سر صدمتهم التي جاءت أكبر من طاقة الإخوان على الفهم أو التحمل، فانفلت العيار وزاد الصراخ وعم الهياج وساد التخبط والارتباك.
كان العالم الغربي سعيدا ومرتاحا لأوضاعه التي كان متوقعا لها أن تستقر لسنوات طوال بوصول جماعة الإخوان إلى حكم مصر. ولم يضايقه إنكفاؤها على نفسها، وغرورها وإعجابها بذاتها وبحياتها في عوالم افتراضية لا علاقة لها بالواقع؛ وتقوم على الصدام الدائم بكل شيء في المجتمع، والعداء المستمر مع كل المواطنين، الذين عاملتهم معاملة القطيع الذي يساق إلى حتفه دون سؤال، وليس أمامه غير الإذعان.
وتوحد الغالبية العظمى من الشعب مرة أخرى، وخرجت بالملايين، في مشهد أكبر من طاقة أي حزب وأكبر من حجم أي تنظيم على الحشد، وانكسر غرور جماعات تصورت أن الناس ما هم إلا قطعان ليس عليها إلا السمع والطاعة، واعتبروا أنفسهم محتكري القدرة على الحشد، بعد أن جربوا ‘غزوة الصناديق’ وأكياس الزيت والسكر والأرز.
ومن يتذكر يجد أن المصريين خرجوا في 25 يناير بمطالب عادية؛ هي الإفراج عن المعتقلين السياسيين ووقف التعذيب وإقالة حبيب العدلي وزير الداخلية في ذلك الوقت، واختاروا يوم ‘عرس الشرطة’ يوما لإعلان مطالبهم، واستكبرت الدولة البوليسية وعاندت وتصدت للمطالب بعنف فوق طاقة الاحتمال، واستفز ذلك مواطنين يتابعون الأحداث في بيوتهم، ونزلوا بالآلاف للشوارع والميادين. ولما زاد العنف ارتفع سقف المطالب، التي لم تقبل بأقل من رحيل النظام، والفضل في ذلك يعود إلى عناد وغباء حكم مبارك، وهما شيئان إذا ما اجتمعا حولا المسؤول إلى وحش كاسر لا يتحمل وجود متظاهر ليوم واحد، فما بالنا إذا ما صمدت الجموع لمدة ثمانية عشر يوما متصلة، لا يبرحون أماكنهم من ميدان التحرير أو من ميادين الثورة في أنحاء البلاد.
ولما ارتَدَى الإخوان مسوح الثورة زيفا لم يستطيعوا خداع الشعب، وفات عليهم أن مدة الثمانية عشر يوما كانت كافية لتغيير البنيان النفسي والسياسي للمواطن تغييرا شاملا؛ وكان هذا التغيير يحتاج إلى نصف قرن على الأقل في الظروف العادية، وخرج المصري إنسانا آخر؛ تحرر من خوفه المعتاد، وأكثر رغبة في المشاركة، وسعيا للمعرفة وطَرْق أبواب التعاون والعمل الجماعي، وزادت ثقته بنفسه، اختفى المصري القديم وحل محله مواطن آخر، وهناك من لم يستوعب هذا التحول النوعي حتى الآن.
وحدثت الزلزلة وتهاوت ركائز الحشد الطائفي وخطاب التعبئة المذهبية ولغة النعرة العشائرية، وكانت ‘حملة تمرد’ قد فتحت باب ‘الحشد الذاتي’ للشعب نفسه بنفسه، فمواطنوه تسابقوا في طبع ‘استمارات التمرد’، ووزعوها وجمعوها، وكانوا من كافة الأعمار وعلى كل المستويات، وكانت حملة عبقرية في بساطتها وديمقراطيتها، فهي من ناحية احترمت إرادة المواطنين، وجعلت من الشعب ‘جمعية عمومية’ لها حق طرح الثقة وطلب انتخابات رئاسية مبكرة.
والدرس المستخلص من ثورة 25 يناير هو تعامل السياسيين معها بمنطق الحصص والغنائم، وقد يكون ذلك مقبولا في السياسة والتجارة والاستثمار، أما الثورة فتحتاج العطاء وبذل الجهد وإنكار الذات، والسياسة جعلت دم الثورة يتفرق بين قبائل السياسة والطوائف والمذاهب والمناطق. ومع ذلك عادت الثورة في 30 يونيو لتسقط نظاما لم يتصور أنه قابل للهزيمة، وهذا درس آخر يؤكد أن من يتصور أنه قادر على إذلال الشعب وهزيمته فهو واهم. وشرعية الشعب تجب ‘شرعية الصندوق’ وليس العكس، وأضحى الحل في تقمص دور الضحية؛ لتبرير الاستقواء بالخارج!!
والشيء غير المستوعب من لدن كثيرين هو ذلك التغيير الذي جرى في موازين القوى الداخلية؛ شعبيا وسياسيا واجتماعيا وحكوميا، وبعد أن كانت عملية تصفية الدولة قد قطعت شوطا طويلا، وكان التقسيم قاب قوسين أو أدنى فيما قبل 30 يونيو؛ استردت الدولة عافيتها، واستجابت القوات المسلحة لنداء الشعب، الذي منحها بدوره التفويض اللازم للتصدي للإرهاب ومواجهة الخروج على القانون.
ومثٌل الشعب وأجهزة الدولة والقضاء والأزهر والكنيسة والمؤسسة العسكرية والشرطة كتلة واحدة، ومنظومة متكاملة اعتدل بها الميزان الوطني، وهذا الميزان ليس من المتوقع أن يعود إلى اختلاله في المدى المنظور، وحتى على افتراض حدوث المستحيل وعاد مرسي فهل سيجد من يمارس عليه الحكم؟، وشعب بكل هذا العنفوان هل من الممكن أن يهزمه مرشد أو جماعة مهما كبرت وتجبرت.
ومن أجل مرسي وليس من أجل مصر تحط قوافل المبعوثين الرسميين السياسيين والعسكريين والأمنيين من عواصم الغرب في القاهرة؛ مهمتها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وحلوا كالجراد وعندهم مطلب واحد هو الإفراج عن مرسي، وإن كان الوحيد الذي طلب الإفراج عنه مشروطا بإذا ‘لم يكن يواجه اتهامات جنائية’ هو وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ، وجاء تصريحه متزامنا مع مغادرة ‘وفد أمني’ بريطاني رفيع القاهرة متجها إلى الأردن!!
وتهيئ جماعة الإخوان المسرح للتدخل بغطاء الأمم المتحدة؛ فقد تلقى الرئيس المؤقت عدلي منصور أول اتصال هاتفي مساء الثلاثاء الماضي، من الامين العام للامم المُتحدة بان كي مون: ‘تناول فيه معالم المرحلة الانتقالية ومسار المصالحة الوطنية، والجدول الزمني لخارطة الطريق’ فور مغادرة كاثرين أشتون للقاهرة عقب مقابلتها لمرسي في محبسه، وتوالت التدخلات بزيارة وزير خارجية ألمانيا غيدو فسترفيلي الاربعاء الماضي، التقى خلالها الحكومة والمعارضة وحمل رسالة تطالب بـ’عودة سريعة’ للديمقراطية!!. وأضاف المتحدث باسمه أنه ‘يدعو كل الأطراف الى عودة سريعة الى وضع ديمقراطي شرعي’.
وهذا الإملاء وهذه الصلافة تعني إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه بقوة الحصار أو التخريب وتعطيل المرافق الحيوية خاصة قناة السويس، وعودة مرسي هو المستحيل بعينه. وطلبت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل بالافراح عن مرسي. وفي بروكسل قال مايكل مان المتحدث باسم وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي ان اشتون ‘طلبت من بيرناردينو ليون (الممثل الخاص للاتحاد الاوروبي لمنطقة جنوب المتوسط) العودة الى مصر لمواصلة العمل مع كافة الاطراف’ لايجاد حل للازمة. واضاف ان جهود الاتحاد الاوروبي تهدف الى ‘تسهيل التوصل الى عملية سياسية شاملة وكاملة’ مكررا بذلك ما قالته اشتون الثلاثاء في القاهرة. ووصول رسالة من الرئيس الفرنسي حملت نفس المعنى!!.
وبعد اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية الأمريكي، اختار الرئيس أوباما اثنين بارزين من شيوخ الحزب الجمهوري المعارض لشد الرحال إلى القاهرة الاسبوع القادم. لحث النظام على تنظيم انتخابات، وقد صرح ليندسي غراهام الاربعاء لقناة سي بي إس الامريكية: ان ‘الرئيس طلب من السناتور ماكين ومني انا شخصيا الذهاب الى مصر الاسبوع المقبل وها نحن نستعد للتوجه الى هناك’. واضاف ان ‘المهمة تتمثل في الالحاح بشكل توافقي على ضرورة التوجه الى حكم المدنيين’. وتابع ‘يجب على العسكريين ان يسمحوا بتنظيم انتخابات جديدة في البلاد والمضي نحو مقاربة ديموقراطية شاملة’، وتبدو اللغة أقرب إلى الإنذار منها إلى الدبلوماسية، وكل هذا لانتزاع القضية من أيدي أبنائها وأصحابها، بجانب أن تكليف رئيس ديمقراطي لشيوخ جمهوريين يعني وجود اتجاه لتوحيد سياسة الحزبين ضد مصر!!
ما سر هذا التدخل السافر، بجانب الدور الخطير، الذي تقوم به السفيرة الأمريكية بالقاهرة؛ لا تتوقف عن إثارة الفتن وتأليب القوى الوطنية والإسلامية بعضها ضد بعض، وسبق وحرضت مرسي على عزل قادة القوات المسلحة لإشعال الفتنة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، لولا الوقفة الصلبة لقادتها وتفويت الفرصة عليها (أي السفيرة)؛ كل هذا يجري مصحوبا بحرب نفسية ضارية تنال من الشعب وموقفه الصارم من التدخل الأمريكي، وهو يعد نفسه للاستغناء عن المعونة الأمريكية التي كبلته وشلت قدرته.
وتشي هذه التدخلات بأن وراء الأكمة ما وراءها، وقد تكون لقطع الطريق على عدم نشر محتويات الصندوق الأسود لعملية الكربون الأسود إذا ما بدأ التحقيق مع مرسي أو محاكمته، بالإضافة إلى ما جاء في الملفات الأمنية السرية جدا التي حصلت عليها المخابرات الأمريكية خلال العام الماضي.
إن الأمر جد خطير، وعلى الإدارة المصرية أن تحتاط، وتأخذ حذرها، ولا أقل من اتخاذ خطوات لتأهيل المصريين للدفاع عن أنفسهم إذا ما تصاعد الموقف، وعلى الوزارة الحالية أن تتحول إلى ‘وزارة حرب’ وتعبئة الموارد، وحشد طاقات المواطنين لمواجهة ‘التدمير الذاتي’، الذي يقوم به الإرهابيون، ووقف الفوضى وحماية أرواح الأبرياء، وتطبيق بعض مواد القانون التي تجرم الاستقواء بالغزاة.

‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية