من يتأمل مسيرة الفنان الراحل أحمد عبد الوارث سيتأكد له أن الاجتهاد وحدة ليس كافياً للنجاح في الوسط الفني، فثمة لغز يحيط بمشوار الرجل وحياته، فهو من الأوائل على دفعته في المعهد العالي للفنون المسرحية والحاصل مبكراً جداً على أهم جائزتين، الذهبية والفضية في فن التمثيل من مدرسة الخديوية الثانوية، عن أدائه المتميز في مسرحيتي “ثمن الحرية” و”مأساة جميلة” وهما يمثلان الاكتشاف الحقيقي للموهبة الصاعدة، الواعدة فلم يكن قد التحق بعد بالمعهد وارتبط بالدراسة الأكاديمية وهو ما يجعل القراءة المستقبلة في تلك الفترة من حياته مبشرة إلى حد كبير.
لقد أخذ الشاب النابه بالأسباب ومضى في طريق الفن والإبداع بخطى ثابتة مهتدياً بالعلم كوسيلة للتفوق والترقي وعلى مدار سنوات الدراسة الأربع لم يدخر وسعاً في التحصيل والتثقيف، وكأي طالب طموح بات يحلُم بالشهرة والمستقبل السعيد، ومنذ البداية فرض عبد الوارث على نفسه سياجاً مُحكماً وجعل الالتزام الفني والأخلاقي مقياساً لتقييمه كممثل يستهدف ثقة الجمهور ويأمل في تقديم ما ينفع الناس، وقد رسم لنفسه خُطة في ضوء هذه القناعة وذلك الإيمان المطلق بإمكانية تحويل الفن إلى رسالة حقيقية بعيداً عن الكلام المرسل والالتزام الشفوي.
تشجع الفنان الراحل بنجاح زملائه من خريجي دفعته، أحمد زكي وفاروق الفيشاوي وعفاف شعيب وحاول أن يباريهم، واستغل أول فرصة تأتيه من المخرج الكبير نيازي مصطفى الذي اختاره ليكون ضمن شخصيات مسلسل “هروب” وبالفعل صدق حدس المخرج فقد استطاع الوجه الجديد أن يلفت النظر في حدود المساحة الدرامية المتاحة له وبدأ بعدها يفاضل بين أدوار وأدوار ويمعن الاختيار والتدقيق إلى أن قدم تجاربه التالية في مسلسلات كان لها الحظ الوفير من النجاح والذيوع من بينها “زهرة الأسوار” و”المسافرون” و”أبرياء في قفص الاتهام” و”تمساح البحيرة” وبالقطع كان لذلك التواجد على الشاشة الصغيرة في زمن كانت الملايين تجتمع فيه حول التلفزيون المصري صدى واسع فتح فيما بعد مجالاً للعمل في أكبر الأفلام السينمائية منها، “سيداتي آنساتي” و”الكرنك” و”السراب” و”عودة الابن الضال” و”الشوارع الخلفية” و”إسكندرية ليه” و”مشوار عمر” و”الاعتراف الأخير”. وحسب المعطيات ووفق القاعدة العملية كان لابد أن يحصل أحمد عبد الوارث على فرص أكبر فيصبح بطلاً مطلقاً يتحمل مسؤولية أفلام كبرى ويتم الرهان عليه كما حدث مع أبناء جيله وزملاء دفعته من المذكورة أسماءهم، ولكن ذلك لم يحدث لأسباب قد يتصل بعضها بطبيعته الخجولة وتعففه عن ملاحقة المخرجين ومجاملتهم وتوطيد علاقته بالمنتجين أصحاب العقد والربط ورأس المال، وأيضاً يصح أن تكون المسألة خاصة بكونه وطن نفسه على القبول بالأمر الواقع ورضي بنصيبه القليل من الفُرص المتاحة دون عناء باعتباره متواجدا في المجالات الإبداعية الثلاثة، المسرح والسينما والتلفزيون بالشكل الذي يناسب موهبته ويرضي جمهوره ومحبيه.
هذه القناعة التي حجمت نشاط الفنان الراحل كان يمكن أن تخضع لبعض الاستثناءات لولا أنه اكتفى بهذا القدر ورفض المغامرة بسمعته وتاريخه لقاء تحقيق بعض المكاسب الصغيرة بالمشاركة في أعمال دون المستوى وهو الأكاديمي الذي تربى على الدُرر والكلاسيكيات العالمية من روائع الفن المسرحي والأدب. لقد ترفع صاحب الثقافة الرفيعة عن الانتشار المبتذل وظل متمسكاً بقيمة وأخلاقه حتى أنه لم يشأ أن يشارك زوجته الفنانة سعاد نصر إلا في القليل واليسير من أعمالها وبناء على طلب المخرج والضرورة الدرامية وهو ما حدث في مسلسل رحلة المليون كمثال حي ومهم مع محمد صبحي وكانت تجربة ناجحة بمقاييس المرحلة والظروف وظلت علامة في مشواره الصعب ودربه العسير.