لم يستسغ البعض من قبل مقارنة تطور الاوضاع بين الجزائر 1993 ومصر 2013، لكن بعد معاينتهم تداعيات الانقلاب العسكري، تفتحت عيون الكثير منا على حقيقة الكارثة، وهنا لست بمعرض الاستدلال على ضرورة المقارنة، أوأدواتها ومدى أوجه تشابه المقدمات، التي بطبيعتها تنتهي لنتائج مطابقة تماما لها، كمنطق لا يمكن بحال من الأحوال أن تؤثر في جوهره جزئيات الفوارق الشكلية. مقالات عديدة منذ ما يزيد عن العام، حاولت من خلالها في صحيفة ‘القدس العربي’ تحذير النخب المصرية، ومن بأيديهم السلطة بكل تركيباتها (عسكرية وسياسية وامنية وفكرية واجتماعية ودينية)، من مغبة إعادة تجربة الجزائر بعد انقلاب 1992، ودفع البلد والشعب نحو حرب أهلية، إن اختيرت بدايتها فلا يتأتى معرفة نهايتها، وليس لأحد أن يقدر خسائرها؛ غير أنني اليوم وقد آلت الامور الى ما كنا نخشاه، راجعت اشكالية المقارنة بين الحالتين، بحثا عن بارقة أمل في آخر هذا النفق المظلم الذي أقحمت فيه مصر، ولا أنكر أنني اصبت بالذعر والفزع عند التوقف عند بعض الخصائص، التي قد تخفف وطأ الكارثة هنا وتزيد منه هناك، بعض الفوارق، كما اشرت لن تغير في جوهر كينونة الفتنة، ولا حتمية تدفق الدماء، وإنما تميز بين عمق الاولى وسعتها، وغزارة الثاني وكميته، وهو أمر لا محالة خطير. أفصل بعضا منها كالآتي: يتكون الشعب المصري من كتلتين بارزتين، المسلمين والأقباط، هذه الخاصية التي تميز الشعب المصري عن الجزائري، إن كانت تحسب نقطة قوة في حالة السلم، فلا شك أنها نقطة ضعف قاتلة في أي مجتمع حالة الفتن، خاصة إذا زجت بها أطراف الصراع في دائرته، والأكثر خطرا غياب طرف ثالث للإصلاح، وحضور وإن خفي على البعض، عاملٌ خارجي يلعب بدهاء على هذه الخاصية الحساسة للغاية، وقد تابعت في الايام الأخيرة بعض التقارير، ومنها ما عرضته قناة بي بي سي العربية بتاريخ 20 من هذا الشهر، كمقدمات خطيرة تؤشر الى اذكاء الصراع، ليأخذ فضلا عن البعد السياسي، أو شرعية النظام من عدمها، بعدا إثنيا تكون نتائجه لا محالة وخيمة على مصر دولة وشعبا، لا سمح الله. الطبيعة الجغرافية في الجزائر، كان لها اثر ظاهر في استقطاب الجماعات المسلحة إليها كملاذ، ذلك ما سهل على المؤسسة العسكرية مطاردتها واستهدافها من جهة، والتواصل كذلك مع قياداتها وعناصرها لاحتواء من أمكن احتواؤهم، خارج الساحة الآهلة بالسكان المدنيين؛ مما قصر من عمر الصراع الى حد ما، أو على الأقل ضيق دوائر الاحتكاك مع بيانها، غير أن الطبيعة الجغرافية في مصر تختلف، وهي أقرب لحالة العراق مقارنة، ما يعني حتما اعتماد الجماعات المسلحة أكثر على السيارات المفخخة كأداة ضاربة ومؤثرة بحسب معتقدهم في موازين القوى، ولن تكون هنا المحصلة إلا دموية أكثر، ويتعذر على الجيش منعها، فضلا عن صعوبة التواصل مع العناصر الفاعلة بحكم ذوبانها في حواضن شعبية كثيفة، ولعل صراع الجيش الامريكي في العراق 2003 الى اليوم 2013 فيه عبرة، إذ ثبت وهو بعدده وعتاده يزيد عن الجيش المصري، فضلا عن عقيدة العداء المتأصل دينا وعرقا وثقافة – المعطيات التي لا يتصف بها الجيش المصري، أقول ثبت عجزه أمام العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة، ولايزال الصراع تدور رحاه بحدة وقوة بعد مضي عشر سنوات، في حين ولاختلاف جزئية الجغرافيا، تمكن الجيش الجزائري من ضبط الامور خلال سبع سنوات فقط، وبكلفة بشرية أقل؛ إذا صح هذا الطرح المقارن، فلا شك أن مصر أمام وضع مهول بحق. اللغط القائم الأيام الماضية، حول هوية مرتكبي مجزرة المساجين 18/08 والشرطة 19، أعاد شريط الاحداث في الجزائر لسياسات أطراف النزاع، التي كما نشاهدها بالضبط الآن في مختلف بؤر التوتر العربية، حيث كل خصم يرتكب مجزرة بشكل يوحي أن الطرف الآخر هو من قام بها، سعيا منه لسحب صفة الشرعية عنه، وإن اقتضى الامر بأسلوب غير انساني؛ واستجداء صفة المظلومية من وعي الشعب، الملاحظ في هذه الجزئية أن العناصر التي تقوم بهذه المجازر تتصف بالجهل والامية وتوابعهما، والحال أن تعداد الشعب الجزائري لا يزيد عن نصف شقيقه المصري، يضاف اليه نسبة الامية، التي تزيد عن الثلث في الجزائر، 26′ أي قرابة 16 مليونا (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء 05/ 1013 مصر) وأرقام أخرى مخيفة تتصل بالموضوع لا يتسع المقال لذكرها تفصيلا؛ ما يعني حتما أن البيئة التي تفرّخ هذه النوعية من الاجرام أكثر اتساعا وانتاجا، ما يعقد الأمر بشكل لا يمكن تصور مخرج له، بل أذهب أبعد من ذلك لأقول: لن تكون هناك إلا كارثة بكل أبعاد الكلمة. هذه أهم أوجه التباين بين الحالتين التي استوقفتني، وأعتقد أنها تستحق من كل العقلاء والحكماء أن ينظروا سريعا وبعمق مدى وزنها وقدرة تأثيرها، وإن بت على قناعة بأن حالة مصر أخطر بكثير من حالة الجزائر، فإني أرجو من النخب المصرية مرة أخرى، أن تخرج من واقعها المُتوهم الى المشاهد، وتبادر فورا بثورة شعبية ثالثة، توقف كل الاطراف التي تودي اليوم بالبلد الى التهلكة، قبل فوات الأوان، إن لم يكن قد فات بالفعل.