الأوضاع في العالم العربي، خصوصا في الشرق الأوسط، لا تسمح لأي عاقل بأن يدخل في مهاترات موضوعها الوطنية والإنسانية، وغيرها من المفردات التي باتت سلعة رخيصة متداولة في سوق عكاظ الدماء، على أيدي تجار فاشلين اقتحّموا عالم السياسة، عجزوا عن تقديم طرحهم بشكل يتقبله العقل السوي، وأخطر من ذلك صمّوا آذانهم عن سماع الطرف الآخر، وأعموا عن قصد أبصارهم دون رؤيته؛ ولست بوارد وصف ‘المعارضة’ السورية، فقد كفاني عناءه المعارض هيثم مناع بنعت بعضهم ‘بارونات الحرب’، وفصّل بخصوصهم المعارض البارز ميشال كيلو في صحيفة ‘السفير’ أسبوعا قبل التحاقه بالإئتلاف في اسطنبول، واسقط الشرعية عن رئيسه بالنيابة جورج صبرا، المعارض هيثم المالح ذاته، وتكفي كل عاقل موضوعي شهادات هؤلاء وهي ليست من بنات خيالنا ولا من فبركة النظام السوري ومن بينهم من هو من الإئتلاف، ليعتمدها كجزء من الحقيقة على الأقل، يميط اللثام عن تلكم الصورة الملائكية التي يريد البعض تسويقها للمتلقي العربي. دافع كتابة هذا المقال، تلكم الردود الحادة الألفاظ، التي استقبلها الدكتور محمد الهاشمي على فضائيته ‘المستقلة’، بعد أن فتح نقاشا حول أوضاع سورية وتدخل حزب الله يومي 5 و6/6، تبين للمتابعين والدكتور، أن معظم المتدخلين من المغرب العربي تفوق 50’ منهم من يقف إلى صف الدولة السورية، وضد ما لم يعد بالإمكان وصفه ‘بالثورة الشعبية’؛ وأغلبهم من الجزائريين، وأوعز الدكتور في رده للمنتقدين لموقف الجزائريين من المعارضة السورية، بعجز الأخيرة ذاتها عن تقديم الصورة الواقعية، ما يفسر بالضرورة هنا كذلك مع الأسف الشديد، أن رأي المتدخلين الجزائريين خطأ بالأساس؛ لكن ما زاد الطين بله، هو انتقاد رموز المعارضة السورية أنفسهم، للجزائريين وعبر ذات المحطة الفضائية، ولم يكن كافيا للسيد زهير سالم مثلا، صب جام غضبه على الموقف الرسمي الجزائري، وانتقاده اللاذع لجامعة الدول العربية، التي أوكلت للجزائر إعداد نص البيان الختامي، لاجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب الطارئ الأسبوع الماضي. أولا، يبدو أن المعارضة السورية وقعت في ذات الخطأ الذي سقط فيه المجلس الانتقالي الليبي منذ عامين تقريبا، حين هاجم ناطقه الرسمي عبر فضائية BBC الجزائر مهددا ومتوعدا، وقام الأستاذ عبد الباري عطوان لحظتها بانتقاد هذا الموقف:’على اعتبار أن الجزائر دولة عظمى بحق’. فعلى من يملك أبسط أبجديات العلوم السياسية أن يكسبها إلى صفه، لا أن يناصبها العداء وهو أحوج الناس إليها صوتا وثقلا وقوة مؤثرة، أيا كان موقفنا من النظام، فهذه حقائق لا يمكن أن يحجبها إلا جهل مقزز؛ وكان على بعض رموز المعارضة السورية أن تفهم بكل بساطة، أن النظام الجزائري لا يؤسس مواقفه على ما تصرفه الفضائيات من مقاطع ‘اليوتيوب’، ولا على المحاضرات الأفلاطونية هنا وهناك، وإنما له أدواته العملية على ساحة الميدان، المناط بها نقل المعلومات، واتصالاته بالفاعلين الحقيقيين في الملف السوري، وله تجربته الذاتية مع المجموعات المسلحة، التي أكسبته خبرة استثنائية على المستوى الدولي، وفي كل الأحوال، وأيا كانت قراءتنا للموقف الجزائري، فالحنكة السياسية تقضي حتما بالسعي لكسبه لا لاستثارة عدائه عبر وسائل إعلامية ثقيلة. ثانيا، لا أدعي هنا تمثيل الشعب الجزائري كما تدعي المعارضة السورية، لكن أحاول توضيح الأسس التي بُني عليها رأي بعضهم، والتي يبدو أن الإخوة في المعارضة السورية لا ينتبهون إليها، مع أن هذا الرأي لا ينسحب عليهم فقط، وإنما على شريحة من الشارع العربي، لا يتأتى لي وليس لأحد غيري إنكارها أو تقدير مساحتها؛ لا أدل على ذلك متابعتي لتعاليق القراء لصحيفة ‘القدس العربي’، فعلى سبيل المثال لا الحصر، مقال أحمد المصري تحت عنوان ‘حزب الله أن تهاب خير من أن تحب’ 30/05 قاربت ردود القراء التي نشرت المئة، 23 من المعلقين فقط ضد الطرح، صحيح أن من البقية تسعة جزائريين كلهم مع منطق الكاتب، لكن لا يستهان بما يزيد عن 60 ردا من مختلف الشعوب العربية ساندت الكاتب في رأيه؛ يتلو ذلك خبر نشرته نفس الصحيفة تحت عنوان ‘هجوم القرضاوي: النصيريون أكفر من اليهود ولو كنت قادرا لقاتلت في القصير’ 31/05؛ ردود القراء التي نشرت كذلك قاربت المئة، منها 15 فقط مع طرح الشيخ القرضاوي والبقية ضده، لا يعد هذا سبرا للآراء، ولكنه مؤشر كان على النخب السورية المعارضة أن تتوقف عنده، خاصة أن الصحيفة لا تحسب بحال من الأحوال على النظام السوري، بل لقد عتب عليها بعض القراء بإفراد مساحة أكبر بكثير لمن يزكون المعارضة السورية، قياسا بوجهة نظر الطرف الآخر. بالنسبة لرأي الجزائريين الذين انتقدهم هؤلاء السادة بما لا يليق، أقول التالي: تجربة الجزائريين المريرة والدامية مع ساسة الغرب وشعوبهم، لخصها العلامة عبد الحميد بن باديس في عبارة باتت من عقيدة هذا الشعب: ‘والله لو طلبت مني فرنسا قول لا اله إلا الله لما قلتها’. من حق هذا الشعب أن يستخلص من تاريخه هذه القاعدة، أينما كانت فرنسا وحلفاؤها الولايات المتحدة وإسرائيل، نكون نحن في الطرف المقابل حتما. 2 الشعب الجزائري عاين على امتداد عقد كامل الحركات المسلحة والجماعات التكفيرية، وذاق الذبح عيانا وانتهاك الأعراض ونهب الأموال، وشهد على انفصال قادة هذه المجموعات عن واقع ما يفعله عناصرها ميدانيا، ولأنها ‘الفتنة’ لم يكن لأحد أن يتحقق من الجرائم إلا الضحية نفسها، هي من تميّز بين ‘شبيحة’ النظام وشبيحة التكفيريين؛ لذلك لا يمكن اليوم أن يصدق الجزائريون أن ذات المجموعات ستجلب الخير للشعب السوري، وشواهد تطابق الحال لا يمكن حصرها. 3 أقطاب المعارضة أنفسهم ورموزها يتنابزون بالألقاب عبر الفضائيات، ويكيل بعضهم لبعض التهم، وأثبتوا للعالم ليس عجزهم عن اختيار قيادة وموقف موحد فحسب، بل أخطر من ذلك أنهم جعلوا من موضوع وطنهم سورية ورقة لابتزاز المال والسلطة لا غير باعتراف بعضهم. هذا ما لا تريد المعارضة السورية فهمه.