حاوية الفنانة المغربية لطيفة أحرار: بين غروب المسرح وإشراقه

حجم الخط
3

لا شك ان المسرح المغربي بل العربي ككل اصبح يعاني، فرغم التطور التقني والمعلوماتي، والتقدم الملحوظ الذي طرأ على أدوات البحث، وسهولة الاطلاع على تجارب الآخرين دون الحاجة الى بذل مجهود أو الى شد الرحال، لم تمنحه فسحة للتغيير، ولم تستغل بالشكل المطلوب والمأمول، مما جعل الجمهور العربي ينفر منه ويتخلى عنه لصالح السينما والتلفزيون.
بخلاف الدول الغربية التي ادركت اللعبة وطورت من آلياتها وتقنياتها المسرحية مع الاحتفاظ بجوهر المسرح كمفهوم متعارف عليه منذ القدم، حيث استغلت التطور التكنولوجي لصالح مسرحها، من أجل تقديم منتوج فني، ابداعي، يتماشى ورؤية المتلقي الحديثة، وابتكرت عناصر جديدة، اعطت للمسرح دفعة قوية، حصنته من عزوف الجمهور، لا اتحدث هنا عن جوهر المسرح نفسه ولا عن جودة النص من عدمه، ولا اتحدث عن مدارس جديدة أو نظريات مبتكرة، اتحدث فقط عن الشكل وما قد يحدثه من تأثير مباشر على المتلقي.
يبقى المسرح من اهم الفنون في نشر الوعي الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي…لهذا السبب وجب الاهتمام به وتطويره، بل وتقريبه من المواطن اذا اقتضى الأمر، وجعله ممارسة روتنية بديهية، لكن ما نراه الان في المغرب هو عكس ذلك تماما، إذ اتجه العديد من الفنانين المسرحيين الى تركه ونبذه، وكأنه مرض معد أو طاعون مميت، فعوض جلب الجمهور بكل الطرق والوسائل، نجد اصحاب المسرح انفسهم يتخذونه مجرد استراحة في انتظار الحصول على عمل ما في هذا الفيلم أو ذاك. فكما لباقي المجالات الحساسة والقريبة من المواطن نضالها الخاص ومناضلوها، فللمسرح ايضا نضاله ومناضلوه، ليس من الضرورة ان يكون نضالا كلاسيكيا مفعما بالرومانسية والاحلام، بقدرما يكون نضالا واقعيا قريبا من شجون المتلقي وحبه في استكشاف حقيقته الاجتماعية والسياسية … بعيدا عن المؤثرات الخيالية، قريبا من جذوره الانسانية، هو اتفاق مقدس كتب بين طرفين، يسعى في شكله الى الترفيه والاستمتاع، وفي باطنه الى تقليب المواجع واثارة الألم.. هو عقد دائم اذن وخالد بين المسرح والمواطن، من خلاله سلم هذا الاخير مشعل النضال الى المسرحيّ، نيابة عنه في استثارة العالم المحيط به وتهييجه، فهو ليس كالسينما ولا كالتلفزيون، ينقلان لنا شخصيات وكائنات تشبهنا، لكنها في الحقيقة بعيدة عنا، بيننا وبينها حُجب ضوئية، وحواجز كهربائية، كائنات بألوان غير طبيعية، لا نشعر بحرارتها ولا بأنفاسها، بخلاف المسرح الذي نعيش فوق خشبته، نمتطي ركحه، نلتحف ستائره، دقات بدايته، هي ضربات قلبنا الذي يعيش اللحظة وايقاعها، هو فعل ورد فعل مباشران، هو انسان داخل انسان بهواجسه وانسانيته، بدون حواجز ولا جدران، لذا استوجب النضال والمقاومة من أجله، والحيلولة دون استشهاده، فحياته من حياتنا، وأمله من أملنا.
تقريب المسرح من المواطن هو عنوان المبادرة التي قامت بها الفنانة والمبدعة المسرحية لطيفة أحرار، هي ثورة مسرحية رغم بساطتها، هو تجديد وتفاعل مباشر مع جمهور تواق الى قراءة واقعه ولو للحظة عابرة مركونة في زاوية من زوايا شارع من شوارع المغرب النابض، هي مبادرة قد تعجب البعض وقد لا يستسيغها البعض الآخر، هي مبادرة علينا التصفيق لها رغم كل شيء، بل تشجيعها كونها انبثقت من لا شيء لتصنع لنا هدفا نبيلا، شكلا ومضمونا.
حاوية بضائع نزعت عنها رداء الألم، ألم المهاجرين السريين الضعفاء ونزيف جروحهم، مهاجرين امتطوها أملا وحلما بغد أفضل، ونزعت عنها ايضا رائحة المال الكريهة، فهي رمز من رموز التجارة المتوحشة والرأسمالية البغيضة، لترتدي في الأخير جبة المسرح الفضفاضة، مستقبلة الجموع بحب وجنون.. مبادرة احتضنتها ساحة باب الاحد بمدينة الرباط حتى تكون قريبة من المواطنين عشاق الفن المسرحي. لطيفة أحرار صاحبة المبادرة أخذت على عاتقها هذه المهمة الصعبة في بلد مثل المغرب، كانت سباقة الى تفكيك هذا الحلم وترشيده بما يتلاءم وطبيعة المجتمع المغربي، لتنفذه في الاخير بشكل مدروس في تصاميمه متقن في بنائه.
الفكرة متداولة في الغرب لكنها الأولى مغربيا وعربيا كما جاء على لسان صاحبتها، هي ثنائية الصراع بين الكلاسيكي والحديث، وبين الاستمرارية والجمود من اجل هدف سام ونبيل، هو صراع جميل لضرب الركود الذي يعيشه المسرح حاليا، والوصول الى المبتغى المأمول، وهو جذب انتباه المتلقي من جديد الى هذا الفن العريق والراقي. قد تنجح الفكرة وقد تفشل، وذلك حسب مجهودات صاحبتها وقدرتها على مسايرة حلمها الى النهاية رغم صعوبته، وكذا حسب المتلقي نفسه واستعداده لتقبلها، ومدى اقباله عليها، ما أثارني في هذه الفكرة هي عدم اقتصارها على العروض المسرحية فقط بل ستهتم بباقي الفنون من تشكيل وموسيقى وأدب … بالاضافة الى العمل الجمعوي والخيري، هي إذن فسيفساء جميلة ستعطي للمواطن هواء ثقافيا ابداعيا نقيا يتنفسه من لحظة الى أخرى، كما ان العروض لن تشمل داخل الحاوية بل ستتجاوزها الى محيطها وفوقها ايضا، مستلهمة مسرح الشارع بكل تجلياته.
هو إبداع انساني إذن – هكذا أراه- سيسعى الى اعطاء المواطن مفهوما جديدا لفن انفض من حوله وغادره، وشحنه بما يتناسب وقدراته المادية والثقافية، هو تصالح مع الذات المبدعة، بل هو صيغة أخرى لممارسة شغب الحياة، بما تعنيه الحياة من حب وسلام.
للإشارة فلطيفة أحرار خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية، لها مشاركات عدة في أفلام ومسلسلات مغربية، كما لها عدة مسرحيات.

*كاتب وناقد سينمائي مغربي مقيم بهولندا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية