في رواياته الأخيرة، أصبح الروائي الحبيب السائح يحفر عميقاً في ما يبدو مسلمات، وهي ليست كذلك، وكأن تاريخنا الوطني لم يكتب حتى الآن. كيف خسرت الجزائر المؤهلة تاريخياً لأن تكون نموذجاً عربياً للتحول الإيجابي، مواعيدها المهمة؟ لماذا أخفقت في كل شيء لتفتح عينيها ذات صباح على سلسلة من الخسارات، وإرهاب غير مسبوق؟ هل هي تبعات الاستعمار التي لم يشفَ البلد منها؟ أم هو النظام الريعي الذي اعتبر جزائر الاستقلال غنيمة حرب، له الحق في نهبها وتفكيكها والانقضاض عليها، ولا شيء يهمه إلا المصلحة الضيقة؟ ألم يكن بإمكان الجزائر فتح ورشات حقيقية لحل المعضلات الكبيرة التي تركها الاستعمار وراءه كقنابل موقوتة، بدل النفي والتخوين كما حدث مع المسألة الأمازيغية، والمسألة الدينية في مختلف تنوعاتها الإسلامية والمسيحية واليهودية؟
ندرك جيداً اليوم أن الكثير من يهود الجزائر ضحوا واستشهدوا من أجل أرض سكنوها منذ آلاف السنين، على الرغم من قانون كريميو الذي فرض عليهم بالقوة الجنسية الفرنسية في سنة 1870. فالشخصية اليهودية ليست نافرة في المجتمع الجزائري، بل هي مكون من مكوناته التاريخية على الرغم من الفصل العنصري الذي قام به الاستعمار. فقد عرفت أرض الجزائر في أغلب مناطقها يهوداً شكلوا جزءاً من تعدادها السكاني من الشمال حتى الجنوب. المؤكد هو أن يهود الجزائر في القرنين 16 ـ 17المصاحبين للهجرات الأندلسية من الأراضي الإيبيرية بعد سقوط غرناطة، مثلهم مثل الموريسكيين، استوطنوا وارتبطوا بالأرض التي سكنوها، وصنعوا جزءاً من ذاكرة الأمة الثقافية، بالخصوص الموسيقية.
ويشهد لهم التاريخ بالمساهمة في تجميع النوبات الأندلسية والمحافظة عليها، ما تزال إلى اليوم أغاني أليس فيتوسي، والطمار، وليلي مونتي، ورينيت الوهرانية، والشيخ ريمون أبو المألوف القسنطيني، وغيرها، جزءاً من الريبرتوار الموسيقي الوطني الذي يسمع بدون الاعتراف به في القنوات الإذاعية والتليفزيونية الرسمية. لا يمكن فهم رواية الحبيب السائح: أنا وحاييم، إلا ضمن هذا السياق التاريخي الصعب.
تنطلق رواية (حاييم وأنا) من صداقة مثالية شيدتها الطفولة بكل شيطناتها وأحلامها، وتحالفاتها الصبيانية، وتجاربها المريرة التي عاشاها، واستمرت زمناً طويلاً، حتى فترة ما بعد الاستقلال، حيث تغير كل شيء. وأصبح الثوري الحقيقي مثار شبهة في ظل تسيد عقلية الريع والنهب والاستيلاء على أملاك الدولة. يشتغل السائح الحبيب في هذه الرواية على جزء حي من الذاكرة الفردية والجمعية من خلال سارد عليم، يعرف كل شيء عن الذين يتحدث عنها، وهو ما فرض على الرواية زاوية نظر واحدة، لولا الحوار المتعدد الذي خلق حالة من التنوع والتعمق الداخليين. نتعرف على معاناة حاييم من خلال صديقه أرسلان، ولكن أيضاً من خلال إفضاءات حاييم الداخلية وهشاشته، على الرغم من أن مساحة الصداقة الإنسانية والدينية أخذت كل مساحات الرواية. حاول السائح أن يصور يهود الجزائر، لا بوصفهم ملائكة ولا شياطين. مثلهم مثل بقية مكونات المجتمع الجزائري التي كانت تزخر بالوطنيين من الديانات الثلاث، فقدموا كل ثمين في سبيل الأرض والوطن، التي شكلت جزءاً مهماً من أنواتهم، ولكن كان هناك في المجموعات الدينية نفسها خونة، مثال عائلتى البكري وبوشناق المتحكمتين حصرياً في تجارة القمح، بعد أن دخلوا في تواطؤات كبيرة مع العثمانيين والفرنسيين على حساب المصلحة الجزائرية.
قوة السرد في هذه الرواية تعطي الانطباع كأننا أمام قص سير ذاتي، بالخصوص أن الإحالات المكانية حقيقية، سعيدة، وهران، والعاصمة. لكن سروداً أخرى اتكأت عليها الرواية أخرجت النص من سياق السيرة الذاتية. حتى عندما يكبران ويلتحق أرسلان بالثورة ويصبح حاييم صيدلياً، لا تتوقف هذه الصداقة في ظل الشبهات والمظالم التي تولدت في عمق الثورة. يصبح حاييم سنداً حقيقياً للثورة بتوفيره الدواء للثوار الجرحى وإنقاذه خديجة التي ستصبح بعد الاستقلال زوجة لأرسلان. يظلان في هذا الارتباط الروحي حتى وفاة حاييم الذي لم ينس قط حب أرسلان بن القايد الذي لم يتخلف عن مساعدة صديقه بالمال وشراء الألبسة ودفع ثمن السينما والمسرح وغير ذلك. الموت القاهر لم يقتل الصداقة، لكنه حولها إلى ذاكرة دفاعية عن الحق والتسامح الديني.
من خلال رحلة الحياة بين الصديقين، في ظل الظلم والتمايز العنصري حتى في الجانب العمراني بين الحي الأوروبي وأحياء الأهالي في الأكواخ على أطراف المدن، أو حول مزارع الكولون، تنهض كل المكامن الطفولية والتعاطف الإنساني في مواجهة آلة استعمارية قهرية. يكسر السائح الحبيب الصورة النمطية الجاهزة عن الجزائري، ابن القايد أو اليهودي. كل إنسان هو رحلة متفردة في هذ الوجود المعقد. يمكن لابن الخائن ألا يكون خائناً بالضرورة؟ ولابن القايد أن يكون وطنياً مستبسلاً؟ واليهودي أن يكون مدافعاً شرساً عن أرضه؟
الشخصيات في نهاية المطاف هي ثمرة لنظام معقد تقف على رأسه التجربة الخاصة؛ أرسلان هو ابن عائلة كبيرة، من أب، المنور حنيفي، ورث السلطة من عائلته ومن الاستعمار نفسه الذي حوله إلى قائد قبيلة، لكنه ظل يشتغل سرياً مع الثوار وجبهة التحرير. وأم أرسلان، تركية بنت سليمان، سيدة مجتمع. هذا الوضع الاجتماعي منحه راحة مادية وحياتية، على العكس من صديقه حاييم بن ميمون الذي أخلص لمجتمعه على الرغم من أنه عاش فقيراً، كما جموع المسلمين، على الرغم من أن قانون كريميو كان يعطيه حق المواطنة الفرنسية الكاملة. لقد انخرط حاييم في الثورة بطريقته، بأن وضع كل ما يملك من أدوية صيدليته رهن إشارة أرسلان والثوار. وعندما يعين أرسلان مفوضاً للبلدية بعد الاستقلال، لا يتردد في تعيين حاييم بن ميمون من ضمن مستشاريه، لأن أرسلان كان يعرف درج تعلق حاييم بالجزائر. حتى طلبت منه حبيبته كولدا رافاييل أن يسافر معها إلى فلسطين مقابل قبول الزواج منه، رفض. حاولت بكل السبل والمناورات لكنها لم تفلح معه.
ربما تليق كلمة الصديق عنواناً لهذه الرواية الكبيرة؛ فقد قادنا السائح الحبيب من البداية حتى النهاية داخل دهاليز هذه الصداقة العابرة للأديان التي عاشت اللحظات الجميلة، وخسران الجزائر موعدها مع التعددية والسلام والتسامح وقبول المختلف بعد الاستقلال.
المجازر التي قام بها قادة الثورة ضد الحركى كانت كارثية وظالمة في الكثير من الأحيان، كما يقول والد المناضل علي، العائد من الحرب العالمية الثانية برجل واحدة، الذي استشهد ابنه بشفرة المقصلة. ذكره مشهد مطاردة الحركة بمنتصري الحرب العالمية الثانية ضد المتعاونين النازية. تسيطر عقلية المصلحة الضيقة على مسؤولي الحزب، ما يضطر أرسلان إلى مغادرة منصب مفوض البلدية ويعود إلى المدرسة العليا في وهران هو وزوجته خديجة، ويساعد حاييم على ترميم صيدليته التي أحرقت بسبب الجهل واللاتسامح. على الرغم من مقاومته للسرطان، يستسلم حاييم للمرض فيكتب وصية مفصلة، يقوم أرسلان بتنفيذها، بما في ذلك دفنه في مقبرة يهودية، بجانب والديه. القدس العربي