احتفالية «أهل الدار»: مشاركة ومساندة وتجديد… وتحية لمؤرخ العمارة البيروتية روبير صليبا

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: تحدى منظمو الاحتفالية الميلادية «أهل الدار» الظروف المحبطة وقرروا الحضور وإن بنسخة مصغّرة قياساً بالسنوات الماضية. تموضع المشاركون في احتفالية «أهل الدار» قريباً جداً من الناس، فكان الطابق السفلي حيث تقع دار قنبز للنشر في منطقة فرن الشباك. مكان اتسع لحوالي 25 مشاركاً عرضوا أنواعا من المنتجات والصناعات اليدوية والحرفية المستعادة والمنتجات الغذائية الطبيعية، وأخرى تعاونت فيها الأيدي مع تقنية الديجتال.
جديد المعرض تمثّل بالصباغ الطبيعي الذي تهتم به منى أيوب بعد دراسة وتجارب، وتقول: تعلّمت هذه الصباغة في غانا وتُسمى «باتيك» ويستعمل فيها الشمع. صباغة لم تعد مقتصرة على مكان بل تمددت إلى الصين وعدد من البلدان العربية وغيرها. إنها صباغة طبيعية ومهارة يدوية آخذة في الاندثار. من قراءاتي علمت إن الصباغة في الماضي كانت تبدأ بتخمير الألوان مع براز الحصان والحمار، وكان ذلك يستغرق بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، في حين الآن نستعين بمادة الشب لتسريع العملية مع العلم أنها تستعمل طبياً لإيقاف النزيف.
قد نتساءل لماذا تعب القلب مع وجود أطنان من القماش المطبوع والمصبوغ؟ تقول منى أيوب: همي بيئي أولاً فالمواد التي نستعملها للصباغة طبيعية وخالية من المواد المصنّعة كيميائياً. المواد المتوافرة للأصباغ هي الحديد «نشارة»، وقشور البصل، والكركادية، والجوز يعطي اللون البني، والزيتون يعطي اللون الأصفر، بذرة الأفوكا تعطي اللون الزهري، وساق الحمام يعطي اللوان الأرجواني.
منى أيوب تعبّر عن تفضيلها للون الأرجواني والسبب تاريخي. فعلى شواطئ صيدا وصور كان اللون الأرجواني يُستخرج من صدفة بحرية انقرضت حالياً، وتقول: لكنها لا تزال موجودة على شواطئ المكسيك».

جمال السيراميك

وتعرض أندريا نصّار مجموعة متناغمة من السيراميك أكواب وشمعدانات وغير ذلك. تقول إنها تدرّجت في هذه الصناعة حتى باتت تستحوذ على كامل وقتها، وصارت مهنتها. وتضيف: هناك اشخاص يبحثون عن الصناعات اليدوية، وما أعرضه اليوم في «أهل الدار» غالبيته للاستعمال، وهي أوعية لها شكل ياباني مطلوب من الناس.
إلى طاولة تجمع معروضات خشبية لملاعق طعام وأخرى لاستعمالات مطبخية ينظر بول أبو فرح باهتمام. مشهد ذكّرني بمعروضات متحفية. يوافق بول على التشبيه ويقول: نعم هي مصنوعات قديمة جداً انقرضت بفعل طغيان مقتنيات المطبخ المعدنية. إنها مسألة ذوق في الإختيار. في رأيي ملامسة الخشب خلال تناول الطعام أكثر رقة وإحساساً من المعدن. وأهم مميزاتها أنها لا تكسر الأسنان كما حدث معي حين عضضت على الملعقة المعدنية عن طريق الخطأ.
الملاعق الخشبية متنوعة الأشكال والالوان تبعاً لمصدر الخشب. يعدد بول أبو فرح انواع الخشب التي استعملها: الدراق، والكرز، والمشمش، والجوز، وشجرة الأوطلب التي تتواجد في جبال لبنان، وكذلك اللوز والسنديان والخرما. والمفضل لصناعة المقتنيات المطبخية هو الخشب القاسي وليس الطري كما الصنوبر.
درس بول أبو فرح الفيزياء، ويقول: ما من عمل في هذه الدراسة في لبنان. لن أسافر إلى الخارج لأعمل من الفجر إلى النجر دون التمكن من تطوير ذاتي أو خوض تجربة مهنية مهمة. لهذا أنا في لبنان أمارس رغبة قديمة متجددة عندي هي صناعة الخشب. بحثت على شبكة الإنترنت وقرأت الكتب وعلّمت نفسي بنفسي، ودراستي للفيزياء ساعدتني في فهم علوم الخشب.
طموح بول أبو فرح أن يزدهر عمله ويكبر مشغله في ابلح / البقاع وأن يُعلّم آخرين هذه الصناعة اليدوية الجميلة البعيدة عن الآلات بالكامل، و»أن يكون للملعقة التي عملت عليها لساعات بيدي قيمة وتقدير لدى الآخرين».

بيروت ميكرز

الشموع التي يكثر الطلب عليها في أعياد الميلاد، تتجاور عدة مصنوعات وأفكار ضمن مُسمّى «بيروت ميكرز». تشرح ماريا الأسود أن «ميكرز» تجمع بين المساحة الإنسانية والتكنولوجيا. ويتابع زميلها فريد حرب الشريك في «بيروت ميكرز» قائلاً: بداية يتم رسم النموذج المطلوب عبر الكمبيوتر، ثم يطبع على البلاستيك عبر تقنية الأبعاد الثلاثية، يلي ذلك صب سيليكون وأخيراً صب الشمع. وتؤكد ماريا الأسود أن كافة المواد المستعلمة طبيعية، أو يُعاد تدويرها. أما فريد حرب فخلص للقول: التقنية الجديدة توفر الوقت والجهد، في حين أن مصنوعات الشمع كانت تُنحت سابقاً عبر قالب من الخشب أو غيره. ومعروضاتنا من الشمع تمثل بيروت بساعة ساحة النجمة، إلى بيضة ساحة الشهداء التي لن تذوب بذوبان الشمعة كما حالها الآن شاهدة على حقبة قاتمة.
ندين توما الحريصة على تنظيم هذه المبادرة السنوية بمناسبة عيد الميلاد بالتعاون مع شركائها في دار قنبز تقول: أهل الدار يرمز إلى وقوفنا جنباً إلى جنب. شارك في المبادرة هذا العام 25 عارضاً، ونحن مستمرون حتى 30 من الشهر الجاري. وإلى جانب المعرض نطلق ثلاثة كتب صادرة حديثاً عن دار قنبز وهي «خيط القمر» لديما إدة والذي نفّذ خطوطه الفنان سمير الصايغ، إلى مجموعة للكاتبة نجلا جريصاتي خوري، وكذلك تحية للمعماري روبير صليبا الذي غادرنا في تشرين الأول/اكتوبر الماضي. المهندس صليبا من أهم المؤرخين للعمارة اللبنانية البيروتية. ونحن حوّلنا آخر معارضه إلى كتاب تلوين، وتمكنّا من إدخال تاريخ العمارة البيروتية جميعها إلى العائلة اللبنانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية