حتى إنْ وصلنا متأخرين

حجم الخط
2

أبهجني، على نحو شخصي يتقاطع مع جوانب البهجة المعرفية والنقدية العامة، فوز الباحث الأردني رامي أبو شهاب بجائزة الشيخ زايد للكتاب، في فرع المؤلف الشابّ، عن كتابه ‘الرسيس والمخاتلة: خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر’، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمّان وبيروت. فهو، في يقيني، بين أنضج الأعمال العربية التي تناولت هذا الخطاب؛ ليس على النحو النظري، والتنظيري، المحض الذي يستعرض تياراته ومدارسه وممثّليه، فحسب؛ بل على نحو مكمّل وبالغ الحيوية، لأنه يذهب أيضاً إلى النظائر العربية لاشتغال ذلك الخطاب في الحياة الأدبية والنقدية العربية المعاصرة.
ثمة أهمية خاصة، كذلك، في توقيت صدور كتاب أبو شهاب، من حيث المساهمة في تصويب حسّ ‘الموضة’ الذي طغى على استقبال نظريات النقد ما بعد الاستعماري، فأشاع حولها مقادير هائلة من الابتذال، ومثله التسطيح والابتسار والاختزال والتشويه. ويتوجب هنا المسارعة إلى تثبيت هذه الحقيقة: أنّ تسعة أعشار المسؤولية لا تقع على عاتق أوائل روّاد هذه النظريات، ولا حتى على السواد الأعظم من تلامذتهم كما أجازف بالقول؛ بل على بعض الجامعات، وبعض مراكز البحث، وبعض دور النشر الأنغلو ـ سكسونية (البارزة الطليعية، مع ذلك!)، التي ركبت الموجة، فصعدت بالنظريات أو هبطت بها أو سكنت معها… كما هي طبائع الأمواج.
والحال أن العقدَين المنصرمَين شهدا تحوّل هذه النظريات إلى بضاعة رائجة سريعة التسويق، فقُدّر لنا أن نتابع حركة زاخرة أقرب إلى الانفجار في الأبحاث والتطبيقات والدراسات والمعاجم التي تتخصص في تلك النظريات، وتقتبس ممثّليها ضمن أنطولوجيات ضخمة تصدر عن مطابع أعرق الجامعات، وتقرّر تدريسها في مناهج واسعة مثل ‘الدراسات الثقافية’ و’النظرية الأدبية’ و’الأدب المقارن’. ولم يكن في وسع الذين آمنوا، مبكّرين، بأهمية هذه النظريات سوى أن يبتهجوا بالتحوّل الدراماتيكي، إذْ ما أبعد اليوم عن الأمس القريب. كذلك لم يكن في وسعهم إلا أن يحذروا ويحذّروا من عواقب هذا الانفجار، في الآن ذاته. فمن الجلي أنّ اهتداء المؤسسات الأكاديمية المحافظة إلى هذا المصطلح بالذات، إنْ هو إلاّ محاولة التفاف بارعة تتيح الهرب والتهرّب من مصطلحات أخرى، تزعج وتقضّ المضاجع: ‘الإستعمار الجديد’، ‘الإمبريالية’، ‘المقاومة الثقافية’.
ولكي أعود إلى جانب البهجة الشخصية، أذكر أنني، في عام 1991، كنت قد اقترحت على محمود درويش أن تكون فصلية ‘الكرمل’ هي السبّاقة إلى تقديم هذه النظريات وتعريف القارىء العربي بها؛ أملاً في استدراج نقاش عربي حول أسسها الفلسفية والتاريخية والنقدية من جهة، وحول صلاحية عُدّتها المنهجية في دراسة وتحليل شؤونا الأدبية والفكرية والسياسية من جهة ثانية. الدراسة التي أعددتها، ونُشرت في العدد 47 من ‘الكرمل (1993) بعنوان ‘الخطاب ما بعد الكولونيالي في الأدب والنظرية النقدية’، قد تكون أثارت بعض الأسئلة، والكثير من تقليب الشفاه حول تلك المصطلحات الجديدة، وحول الأسماء الآسيوية العجيبة التي بدت كأنما هبطت من حالق: هومي بابا، غاياتري شاكرافورتي سبيفاك، عبد الرحمن جان محمد، إعجاز أحمد، قمقم سنغاري، عقيل بلغرامي… وحده إدوارد سعيد كان معروفاً ومشهوراً، لأنه كان أستاذاً مؤسساً.
ولقد حدّد سعيد الدافع الراديكالي التحرّري لمجموعة الباحثين المشتغلين على الخطاب ما بعد الكولونيالي في الجوانب الثلاثة التالية: ‘الأول هو أنّ أياً من هذه الأعمال لا يزعم النيابة عن جمهور محدد أو حقيقة عليا مختلفة، ولا يربط غايته بعقلٍ أو موضوعيةٍ أو علمٍ غربي (ولا شرقي أيضاً في هذا المجال). على العكس من ذلك… نحن نلاحظ هنا تعددية واضحة في أرض الدراسة، وتنوّعاً في التجارب، واختلافاً في المرجعيات. الثاني هو أن هذه النشاطات والجدالات تدرك أنها علمانية وهامشية ومعارضة للأنساق الأساسية الأوتوريتارية التي نبعت منها أصلاً، وهي الآن تناهضها بشدة. الثالث هو أنها سياسية وعملية بقدر سعيها إلى إنهاء أنساق المعرفة الإخضاعية والقمعية’.
وفي حدود ما أعلم، خاضت المجموعة سجالات رفيعة مع النقّاد أبناء الغرب (أو، موضوعياً، أحفاد الاستعمار القديم والإمبريالية) كانت راقية متقدّمة رفيعة، بلغ بعضها ذرى كونية (مثل نقد سعيد للإستشراق، ونقد إعجاز أحمد لبعض التيارات الماركسية الأوروبية)؛ وبعضها صار منهجية أخرى رديفة، أو حتى نظيرة، تفوّقت على المنطلقات الأمّ (مثل تأملات هومي بابا حول الأمّة Nation والسرد Narration). خلاصة تلك السجالات قلبت الكثير من معادلات ‘الموضة’ في تلقف نظريات الخطاب ما بعد الاستعماري، فبدا أبناء المستعمرات السابقة وكأنهم، قولاً وفعلاً، تنظيراً وتطبيقاً، يردّون البريد إلى المركز الغمبريالي، حسب عبارة سلمان رشدي الشهيرة.
وفي كلّ حال، ينبغي للأمر بأسره ألا يحجب مسألتين مترابطتين: المحاذير الفلسفية والتاريخية والاصطلاحية، التي اكتنفت هذه النظريات منذ البدء؛ ومظانّ التلقّف السريع لها قبل، أو دون المرور، بنقدها في العمق، وتفصيل معضلاتها الداخلية الموروثة التي قد تطمسها ‘الجاذبية’ الظاهرة لنظريات جذّابة بالفعل. وخير لنا ألا نكرّر المساقات ذاتها التي قادتنا إلى النظريات الوجودية، أو الألسنية، أو البنيوية، أو التفكيكية: إمّا أن تصلنا متأخرة مبتسَرة، أو أن نصل إليها متأخّرين مبتسِرين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية