حجرٌ إلهٌ

كانت الطّائرة تهبط، وسماء إسطنبول لا يبين منها من النّافذة غيرُ الغيومِ. ما الذي خطفَ أمام عينيّ عندما أحسستُ أن باب السّماء انفتح؟ ثم رأيت شوارع المدينة تظهر من وراء ستار من الحلم أو من الماضي. هَرعَ المطرُ إليّ عند باب الطائرة، وألقيت نظرة على ما حولي، وكان كلّ شيء يبدو مُحالاً وغير واقعيّ. كانت الأمطار تهطل في شكل رذاذ من سماء اتّصلت بالأرض في دُكنة رماديّة، وكنتُ نائما ومستيقظا ومفكّرا ومتأملا، وقدمي تدوس أرض مطار أتاتورك.
مدينة غريبة هي إسطنبول. إنّها مثقلة جداً بالتاريخ، وهي مع ذلك جديدة، وتسمى كذلك بيزنطة والقسطنطينية والأستانة وإسلامبول. الطّريقُ التي تشرف على البحر مرصوفة بأحجار لها ألوان الجمشت، وفي الجانب الآخر تواجه الجوامعُ والقلاع الحربية القديمةُ سماءً صافيةً بنفسجية اللّون هي الأخرى. إن الماضي يبدو حاضرا هنا وبصورة عصيّة على النّسيان، ماضي أُنَاسٍ حكموا ثلثي العالم لقرون عدة، وكانت ديانتهم الإسلام. لقد امّحى تاريخ المدينة المسيحي تماما، فلو شققنا الصخرة العظيمة التي تتّكئ على الشاطئ إلى نصفين لأصغينا إلى قلبها يحدّثنا عن حكايات سلاطين ذلك الزمان.
لا أحد يسير معي في هذا الفجر الباهر، وأنا أتعرّف على الصمت الإسطنبولي لأول مرة، الظلّ هنا أزرق اللّون، والهواء يبدو كأنه يحمل في داخله النور. حتى إسفلت الشارع، يمكن أن ننظر إليه على أنه عمل فنّيّ. كنت أحمل فكرة عن هذه البلاد فيها كثير من خيبة الأمل بسبب ترّهات احتلال العثمانيين للعراق طوال أربعة قرون، لكن المدينة تراءت لي بريئة من كلّ ذنب اقترفه الولاّة. مسّتني الأصالة في مشهد الصّخور السُّود ترتصف طبقاتها على الشّاطئ، وشعرت في تلك الوهلة بأني صرت جزءاً منها. ربما كنتُ عابراً ذات يوم على هذا الشاطئ، لكنها زيارتي الأولى إلى البلد! كان الموج يرتطم بالصّخر ويترك عليه زبداً يأخذ شكل الكتابات الشرقية السرية القديمة، أو النقوش التي تصنعها النساء على أجسادهنّ بطريقة الوشم. دقائق، وهجمت ألوان الشفق على قباب الجوامع، فشعّت واشتعلت بالوميض، ولم يكن حجر الجدران أقلّ سعادة عندما سقطت عليه أشعة الشمس وتغيّرت ألوانه. أكان هذا ما جعل الصباح أكثر إشراقاً؟ أم أنها اللمعة في الشّعاع الذي يطرق الصخرة وهي تصغي إلى تنفس البحر؟ بعض الأحجار الملساء لها ليونة أنثى متأهبة للقاء الذكر، وهي تُثني عِطفها تكبرا وزهوا. يقول ماركيز: الزهو مُلِحٌّ كالظّمأ. أمضيتُ أسبوعا في مدينة إسطنبول وأنا أتجول وأبصر الحجر في الشارع وفي الجدار وعلى الشاطئ، وكنت أكلّم نفسي طوال الوقت لأني شعرتُ لأول مرّة بأن لي جسدا وروحا.

٭ ٭ ٭

الرسّامون وحدهم يستطيعون إرواء ظمئنا إلى الحقيقة. في مارس/آذار 2019 كان لقائي الأول مع الرسام إسماعيل خياط. المشغل هو أحد أجنحة البيت، وكان مغموراً بالشمس، وفيه شميم الودّ الذي تشيعه حولها النفوس ذات القلوب الرحيبة. عليك أن تخلع نعليْك، على طريقة بيكاسو في مَرْسَمِه، وكان يعدّ المشغل مثل مسجد المسلمين، فهم يخلعون أحذيتهم في الخارج كأنما يتركون هناك أجسادهم، وتدخل الأرواح وحدها للعبادة. يبلغ إسماعيل خياط حواليْ السبعين، لكن له همة شابّ في العشرين. حييته، وحييتُ الرجال ذوي الوجوه الوالهة المرسومة والمؤطرة والمعلّقة على الجدران. على الأرض سلال فيها أحجار منقوشة بكلّ النباتات الحية الرائعة، تختلط وتتجسد، وهنالك طاولة وسطيّة تبعثرت عليها أحجار مزركشة جعلتني أعيش طقسي الحجريّ ـ الإسطنبولي ـ ثانية، ونمَت لديّ سريعا حاجة لمعرفة ما يدور بين الرسام ومادته الخام من حوار أثناء العمل. سألته: «كيف تتعامل مع طبيعة الحجارة؟ أعني هل الأحجار متماثلة، وكيف تفرّق بينها؟».

بعد تقديم القهوة عرض الرسام صوراً فوتوغرافية لجبل صُبغتْ صخورُه بالألوان، وهنالك رسم لسمكة كبيرة على ظهرها طائر يشبه حمامة بيكاسو، الرمز الأيقوني للسلام منذ أبدعها الرسام الإسباني عام 1949.

وأخذ الرّجل يحدّثني بلغة عربية بليغة تخالطها كردية محببة عن الحجارة التي تُولد في الظّلّ، وتلك التي تتربى في الشمس، وهنالك صخرة خبيئة بين الظلّ والشمس تطالع فيها وجه امرأة أو قطعة من حديقة، ويمكن لها أن تكون صرخة حيوان يتألّم. بعض الأوجاع التي تقاسيها الكائنات ليس لها تتمة ولا يمكن تصويرها سوى بالرسم على الحجر، ما يظهر على سطح الحجارة أو الصخرة أو حتى الحصاة يماثل الانفعال في الوجه البشري. هذه الحقيقة تأكدت منها بعد سنين عديدة لي في هذا العمل. ثم صارت الحجارة تلازمني، وتتلون في ناظري، وتظهر إلى الوجود في أشكال جديدة. عينا إسماعيل خياط نصف حولاوين، صافيتان وهادئتان، وفي وجهه ملامح جندي نجا من الحرب بأعجوبة، وظلّ محتفظاً بعذابه الخاص. الأحجار أكسبت الضوء في المكان سحراً وعبيراً غامضين، والظلال هنا كثيفة وباهرة. ورغم بهرجة الألوان التي تظهر بها الحجارة، هنالك نوع من المعاناة الخرساء تستثير ذهن الناظر وتنتقل إليه بقوة إقناع عميق. إنها عذابات كائن يتعذب بقوة قاهرة لا يقوى على مجابهتها، ولا يستطيع الإفصاح عن ألمه فيصير مضاعفا مرتين وثلاثًا ومئة وأكثر.
بعد تقديم القهوة عرض الرسام صوراً فوتوغرافية لجبل صُبغتْ صخورُه بالألوان، وهنالك رسم لسمكة كبيرة على ظهرها طائر يشبه حمامة بيكاسو، الرمز الأيقوني للسلام منذ أبدعها الرسام الإسباني عام 1949. وهو يلاطف بيديه أحد الأحجار الصّغيرة قال لي إسماعيل خياط: «يوم كانت الحرب تدور بيننا، نحن الأكراد، كان هناك جبل لا أحد يقدر على إطلاق النار على أرضه، وكأنَّ في حجارته سحراً ينزع الغِلّ من قلوب البشر. أليس غريباً هذا الأمر؟ فكرت في أن أجعل من السفح مكاناً يشبه المعبد. ما فائدة الآلهة إن لم تكن لديها كرامات، وأيّ كرامة أعلى من تحقيق السلم في زمن الحرب؟». أكثر من نافذة في المشغل تطلّ على حديقة المنزل، وكانت شمس نيسانَ/إبريل ترسم بقعاً برّاقة في ظلال ألوان براعم الدّوالي. في إحدى الصّور الفوتوغرافية تظهر السماء مثل حجارة عظيمة لوّنها الرسام بوشاح قزحيّ وأزرق «حتى السماء رأيتها حجارةً ولوّنتها أيها الفنّان؟» ارتفع هذا السّؤال في نفسي في تلك السّاعة، وأربكني..

٭ ٭ ٭

في كتاب التّحوّلات لأوفيد يهاجم ذئب قطيعاً من الثيران يعود إلى الملك بيليوس، لكنّه لم يكن يبحث عن الشبع بأن يلتهم ثوراً أو اثنين أو ثلاثة ثيران، وهجم الذّئبُ الوحشُ على القطيع كلّه وقتله كلّه، حتى صار «كلّ شيء أحمرَ من الدم: الشاطئ والأمواج والمستنقع المليء بالخوار». رفع الملك بيليوس يديه إلى الآلهة أن تساعده. كان مشهد الثيران المذبوحة على الشاطئ وبجوارها الوحش رهيباً، ومع أن الآلهة دعت الذئب إلى الانسحاب، لم تفتُر شدة فتكه، وكانت تثيره شهوة الدم. وفي ما كان يغرز أنيابه في عنق عِجلة ويمزّقها، حوّلته الآلهة إلى حيوان من رخام». ما إن يصير الذئب حجراً حتى يكفّ الثّيران أذاه، «محتفظاً بجسمه القديم كلّه، ما عدا اللّون/ كان يُرى من لون الحجر أنه لم يعد ذئباً/ ولم يعد فيه ما يخيف». إن الحجارة تمكث حَذْوَنا في كلّ مكان نعيش فيه، وتفتح أعينها بحنان وترقبنا، وتعدنا بترياق سحريّ يبعد عنّا الشر، وهي الحجارة التي نزعت المرارة من قلبي، وكنت أحملها إلى الأتراك لأنهم احتلّوا بلدي، كما أنها الحجارة التي أعادت السلم بين الإخوة الأكراد، بعد أن ظلّوا يتقاتلون سنين. هنالك حيوات عديدة تقف خلف كلّ حجارة، أو هي ما ندعوه كرامات. يتجه العالم اليوم إلى حجرين ربما عملت المعجزة فيهما على حلّ النزاعات بيننا، نحن الإخوة الأعداء: الحجر الأسود في الكعبة المشرّفة، وقبة الصّخرة في القدس الشريفة. لكن الخيال الشعريّ لا يدع مناسبة إلا وكان له فيها نصيبٌ. القصيدة من ديوان «ريشةٌ من حجر»:
في مدينةٍ أخرى \ في غابةٍ من الأحجارِ \ في قاعِ بحرٍ \ أو، ربما في آخرِ الدنيا/ ثمة حجرٌ يقودُ خطاكَ/ حجرٌ إلهٌ/ لا تَخَفْ، إذن، من أزيزِ الرصاصِ/ من هدير القنابل والقنابر والصّواريخ/ والراجمات تمشّط كل متر في مدينتك/ ادْعُ إلهَكَ الحجرَ، وسوف تنجو/ لا تخفْ، ولا تحزن!/ صلِّ لإلهِكَ. ادْعُهُ، ولسوف يحدَبَ عليكَ/ ويشفقْ.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية