الرباط ـ «القدس العربي»: الحديث مع الفاعلين في الحقل الفني المغربي، من أمثال سعيد الودغيري الحسني، يحيل على الزمن الجميل اليانع، كما يحيل على قسوة الزمن الحاضر الذي يتجرعه بعضهم من خلال المعاناة مع التهميش وعدم الاهتمام.
كما أن مجالستهم، تجول بك في بقاع الصراحة الساطعة مثل شمس لا يحجبها غربال، صراحة مستمدة من التجربة ومن يوميات عبرت فوق محيطات الأحلام والأماني الإبداعية.
لكن، قبل أن ندخل عالم الودغيري، نبقى في فضاء المشهد الفني المغربي، ونجتر الأسئلة القديمة الجديدة التي يطرحها الفنانون وهم في غاية الاستياء، أسئلة محرجة لمن لا يستطيع الإجابة عنها وهي صعبة المراس لا يمكن ترويضها بالعموميات، من قبيل أن يسألك مطرب من الرواد قائلا: «كيف يمكننا ان نسمي مشهدا غنائيا يهمش رواد الأغنية المغربية، ويهمش مبدعيها ويقتصرعلى القلة القليلة، وفيه من لا علاقة له بالأغنية سوى بالنسب أو الهوس أو الهوى فقط؟».
أو يسألك مبدع في الفن السابع، «كيف يمكننا أن نسمي سينما توظف مواطنين عاديين، وتهمش الفنانين؟» ويضيف «كيف يمكننا أن نسمي فيلما يتمتع بالدعم من المال العام ولا يوظف الفنانين الحقيقيين؟».
ويقفز أيضا فنان آخر، ليسأل بدوره، «كيف يمكننا ان نسمي مشهدا فنيا يهمش المبدع ويعتمد على أشباه المبدعين والفنانين؟».
عمومًا، هي أسئلة لا تحتاج إلى أجوبة أكثر من حاجتها إلى أن تطرح بصدق وشفافية، وأن يكون الصدر رحبا لتلقيها في أي وقت، حتى يكون المجال مفتوحا امام المشهد الفني المغربي لتجاوز مثل هذه الحواجز التي تبطئ كثيرا من تألقه الذي بدأ يشع بإصرار منذ سنوات.
وتحضر هنا تدوينة كان قد نشرها الفنان محمد خيي قبل مدة طويلة، على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وكتب فيها بالدارجة المغربية: «آش خاصنا نعملو باش المسرح في بلادنا يتطور ويزيد للأمام ويكونوا عندنا فرق مسرحية نفتاخرو بها فرق صحيحة بمخرجين ديال بصح ومشخصين ديال بصح وكتاب المسرح ديال بصح يعني الاحتراف ديال بصح وغادي نتمتعوا بصح والجمهور غادي يتمتع بصح المهم اللي عندو الصح يزيد وهاد الشي كل فمصلاحتنا ومصلاحت بلادنا النفاق ما ينفعنا بوالو انتهى الكلام لا منتهاش». (معناه: ماذا يلزمنا كي يتطور المسرح في بلادنا، وتكون لدينا فرق مسرحية قوية وحقيقية نفتخر بعا، بمخرجين حقيقيين، وممثلين حقيقيين، وكتاب حقيقيين… يعني الاحتراف الفعلي الذي يتيح لنا أن نتمتع، كما يتيح للجمهور التمتع بالأعمال الفنية.» ودعا كل يمتلك مقومات الفن الاحترافي أن يتقدم إلى الأمام، ليحقق أعمال تتحقق بها مصلحة الفنانين ومصلحة البلاد. أما النفاق فلا ينفع في شيء، كما قال).
ذلك صوت أحد أهم الممثلين المجدين الموجودين حاليا على الساحة الفنية بالمغرب، كما أنه صوت الحقيقة التي لا تختفي بين الحلول الوسط أو أنصاف الأجوبة، بل تشع في النهار كما الليل ولا تترك الفرصة دون أن تنبهنا إلى ما نحن عليه.
هذه التدوينة الصريحة والجريئة والمريرة، تشير إلى عمق المشكلة التي يتخبط فيها ليس المسرح وحده، بل سائر الفنون الأخرى في المغرب من سينما وأغنية وتشكيل ودراما وغيرها.
لذلك لا مناص اليوم من الحاجة إلى عملية جراحية تعيد ربط شرايين الأفكار مع أوعية الإنتاج، وربط ضغط الإعلام مع نبض الإبداع، وإعطاء مشرط الجراحة لطبيب وليس لمدعٍ، وإعادة التوازن إلى جسد المؤسسات في مسيرها على طريق الجودة.
شجون الهشاشة
من هناك، حيث فضاء السؤال الرحب حول أفق المشهد الفني المغربي، إلى هنا حيث عالم أحد الرواد المغاربة الذين كتبوا المسرحيات وألفوا الأغاني وجاوروا الكبار وبصموا على مسيرة مميزة، سعيد الودغيري الحسني، يجيب «القدس العربي» على سؤال الجائحة، قائلا، إنها «أبانت عن هشاشة البنية الاجتماعية للفنان المغربي الذي وجب في نظري وصفه بالصبور والصامد».
وحسب المتحدث نفسه، فإن «هذا الفنان أصلا يعيش عدم الاستقرار المادي، وهنا أتكلم عن الفنان غير الموظف، أما الموظفون فلهم تغطيتهم الصحية ولهم رواتبهم الشهرية» ويتابع المتحدث «أظن انه حان الوقت لاستخلاص الدرس وتقوية البنية الفنية في المغرب، والانكباب الجاد من طرف الدولة والهيئات النقابية الأكثر تمثيلية عبر تراب المملكة، وانخراط الدولة والنقابات الجادة لا يمكنه إلا ان يخرج بمخرجات إيجابية تراعى فيها كرامة الفنان».
في خضم حديثه، توقف قليلا الودغيري ورأسه إلى الأسفل، وقال بحزن «أود ان أترحم على الفنانين الدين غادرونا متأثرين بفيروس كرونا اللعين». ثم عاد لصمته مرة أخرى قبل أن نبادره بسؤال جديد.
الحديث متواصل عن تأثيرات الجائحة فلا يعرف لهيبها إلا من كان وسطه، وهنا يقول ضيف «القدس العربي»: «الجائحة عرت عورة الواقع المزري الذي يعيشه الفنان المغربي الذي وجد نفسه وأسرته وصحته في مواجهة المجهول حيث لا دخل يذكر اللهم إلا بعض ما جاد به المكتب المغربي لحقوق المؤلفين، لكن ليس كل فنان منخرطا».
وبحسرة يقول المتحدث، «لم تكن هناك التفاتة مباشرة من طرف الحكومة رغم النداءات تلو النداءات والاقتراحات التي بقيت حبيسة الأدراج».
واغتنم الودغيري الفرصة ليقول إن «استمرار الجائحة يزيد في معاناة الفنان» ومن منبركم أوجه نداء مستعجلا للحكومة المقبلة ان تنكب على هذا الموضوع الاجتماعي الشائك».
أمام هذا الفيض من النبرة الحزينة، لم يكن من بد إلا أن نسأل ضيفنا عن نصيبه في العرفان، جوابه كان جازما، «لا لم انل نصيبي وما زلت أبدع حسب إمكانياتي وعلى حساب قوت ابنائي، العرفان الوحيد الذي نلته وأفتخر به هو رسالة ملكية من عاهل البلاد حفظه الله في سنة 2010».
واسترسل الودغيري، «أنا الآن في سن 66 عاما، لا تقاعد ولا أملاك لدي، منخرط في تعاضدية الفنانين الحاضرة الغائبة والتي تعاني مشاكل بالجملة. ومثلي كثيرون».
ساقنا الحديث إلى الرواد، فسأل الودغيري، «من هم الرواد أولا؟ وكم عددهم؟ وما هي معاناتهم؟» وأضاف المتحدث «لكل مجتمع رواده وأيقوناته، هناك من صنعت لهم تماثيل من رخام أو شمع، وهناك من انجزت لهم بورتريهات وضعت في المتاحف، وهناك من أطلق اسمه على أكبر المسارح والمعاهد والطرقات وفوق كل ذلك ينعمون بعناية مادية ومعنوية مريحة، لِمَ لا وهم من صنعوا الفن والثقافة؟!».
وينعطف الودغيري في كلامه قائلا، «في بلدنا الحبيب كم فنانا تجاوز عمره الستين؟ أجزم ان عددهم قليل بل قليل جدا، إذنْ لماذا لا نهتم بهم ونجعلهم يمضون ما تبقى لهم في بحبوحة من العيش؟».
ولم يتوقف الودغيري عند هذا الحد، بل أشار إلى أن معاناة الرواد، تتمثل في «الإهمال أولا…» ويوضح المتحدث أن «البرامج التلفزيونية قلما تلتفت لأحدهم، وبالنسبة للفنان عدم السؤال عنه يعنى الموت».
واستشهد بمقوله تعجبه «عندما يبتسم الفنان يبتسم الوطن».
سألنا ضيفنا عن انتظارات الفنان المغربي من الحكومة الجديدة، فقال الودغيري، إن «لها أولويات عديدة ولها رهانات كثيرة وأتمنى من رئيس الحكومة عزيز اخنوش واظنه قريب من الفنانين ان لا يغفل هده الشريحة، لأنه ليس كل فنان مقتدرا. أتمنى أن نجد عنده أذنا مصغية، وان يختار مستشارين لا يعرفون لغة الإقصاء».
في العقد السادس الذي تجاوزه بستة أعوام، سألنا الودغيري عن ما تبقى من أحلام، فقال، إن «الطموحات لا تغادر الفنان التواق إلى الأفضل» وأضاف أن أحلامه تتلخص في «وطن يتسع للجميع، فيه فضاء بديع، وحكومة من المستوى الرفيع، وحين تتوفر هذه الأحلام سأركض فرحا وأرقص مرحا وأبدع وأنا منشرح».
بخصوص جديده الفني، ذكر الودغيري أنه «بدأ مع جائحة فيروس كورونا، حيث انخرطت في التوعية عبر أغنية (دير الكمامة) كلماتي وألحان وغناء عبد الحق قطب، كما أنجزت أكثر من أغنية مع الفنان الملحن المصطفى ناجد، مواضيع مختلفة مثل جسر المحبة حول العلاقات المغربية الإماراتية، أغنية سيدنا يوسف مدعمة من طرف وزارة الثقافة، وأغنية ذكر محمد، وما زال الاشتغال مع هذا الرائع مستمرا».
وفي إطار الجديد دائما، قال المتحدث، إنه كانت له «مؤخرا أغنية مع الفنان ابراهيم بركات من ألحان الفنان أحمد السكورى ومن كلماتي تحمل عنوان (الداخلة روح بلادي) جاءت بعد زيارة لمدينة الداخلة، إضافة إلى أغنيات مع الفنان رشيد الودغيرى (توحشت اللمه) و(مغربي فين ما كنت) و(السياحة) وغيرها من المواضيع».
ولن تفوتني، يضيف الودغيري، الإشارة إلى أغنية جمعتني بالموسيقار عزيز حسني من ألحانه وتوزيعه تحت عنوان «سلام».
تغادر جلسة الودغيري مثل باقي الرواد، وأنت محمل بالكثير من لواعج الذاكرة ولسع اليومي، لكنك تحمل أيضا حقيقية من المعارف الفنية، وفي جعبتك الكثير من الردود على أسئلة كانت إلى وقت قريب مجرد حرقة سؤال لا أقل ولا أكثر.