حديث الكراهية والحقد

حجم الخط
14

من أخطر التحديات التي تواجه الوطن اليوم أو الأمة أو الدولة فضلا عن الانقسام الحاد والاستقطاب الكريه – أن يعيش في الوطن جماعات أو حركات أو أحزاب سياسية بالتوازي، لأن السير في طريق التوازي غير السير في طريق التوازن، وطريق التوازي لا يؤدي أبدا الى اللقاء مهما طال الزمن أو المسير.
أقول هذا بمناسبة ما يتبناه الطرفان في الوطن الواحد من أقوال وأفعال، كأننا نعيش في وطنين اثنين. أشير فقط هنا وسريعا الى مقطعين أحدهما مكتوب والآخر مسموع. أما المكتوب فهو في صفحة أو موقع: أمة واحدة (شباب الاخوان جهاد وإيمان). الحديث أو النقد كثير عن الآخرين وعن الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل ولميس الحديدي. يدعو أحدهم أو إحداهن في هذا الموقع على لميس الحديدي دعاءً غريبا فيقول الدعاء ‘اللهم أشوف فيكي يوم يا بعيدة. أشوفك متقطعة حتت ومش عارفين يلموكي يا بعيدة’. شيء غريب ودعاء أكثر غرابه من بعض الاسلاميين. المقطع الثاني حديث ينفعل فيه عمرو أديب في التلفاز ويستخدم فيه ألفاظا لم أسمعها إلا في بعض الحارات الضيقة، وما يطلق عليه كلام شوارع. يقول في حديثه ‘أولاد الوسخة’ إشارة الى بعض أنصار ومؤيدي مرسي.
كلا الأمرين أو الحديثين خارج عن نطاق الآداب والموضوعية، وأي ميثاق شرف إعلامي في الغرب أو الشرق، وكلاهما ينتهي عمدا أو سهوا أو بدون قصد، الى على الآخر، والرغبة في الانتقام، وكلاهما لا يخدم قضايا الوطن ولا التحديات التي تواجه المجتمع اليوم، مهما ساق الفريقان من تبريرات لما يكتبون ولما يقولون.
أما القول الأول في الموقع الاسلامي ومنه الدعاء على لميس الحديدي، فإنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي دعا حتى لكفار قومه أن يهديهم الله تعالى، قائلا : اللهم إهدِ قومي فإنهم لا يعلمون’. نحن لا نعيش في زمن سيدنا نوح عليه السلام الذي دعا على قومه فقال ‘ربى لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً’. عندما عرض جبريل، عليه السلام، على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، أن يطبق بإذن الله تعالى الأخشبين (جبلان في مكة) على الكفار حتى لا يؤذونه، قال صلى الله عليه وسلم ‘لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد أو يوحد الله’، هذا بالنسبه للدعاء حتى على الكافرين، فما بالك بالمسلمين أو بأهل الكتاب أو الليبراليين أو العلمانيين أو العصاة. قلت سابقا للشباب في الحركات الاسلامية؛ إذا كنتم ترون أنكم أحسن من غيركم في أي شيء، فإن عليكم أن تستشعروا هذه النعمة الكبيرة التي أنعم الله تعالى بها عليكم وحرم منها غيركم، وعليكم نظرة الاشفاق وحب الهداية للآخرين وليس الدعاء عليهم، لأن هذا مخالف لسنة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، فضلا عن انه يؤدي الى تعميق الكراهية والحقد على الآخر في المجتمع الواحد، فتضيق المساحة أمام الدعوة والدعاة وينقلب التنافس الى صراع، كما نراه اليوم في مصر.
أما استخدام لغة أولاد الشوارع من قبيل: أولاد الوسخة، فيذكرنى بلغة بعض أحياء القاهرة قديما، التي ظننت أنها انتهت الى الأبد بعد ثورة 25 يناير، التي وقف فيها من وقف في التحرير وغيره تحت رحمة الله تعالى، يدعون بالنصر على الاستبداد والطغيان والفساد والاستقطاب والتوريث ولغة التشفي والانتقام والكراهية، وقد استجاب الله تعالى لدعواتهم، ومكنهم في الارض المصرية لينظر كيف يفعلون، فأخطأ الكثير منا أخطاء بالغة، حيث أخطأ شباب الثورة، إذ انفضوا من دون قيادة تتابع أهداف الثورة الأولى العظيمة، وأخطأ مرسي والاخوان حينما أهملوا أهداف الثورةالعظيمة ومتطلبات التنمية، وانشغلوا في ما لا طائل فيه ووقعوا في أخطاء جسيمة أدت في النهاية وبعد سنة كاملة من وجود مرسي في الحكم، إلى ثورة تصحيحية ثانية أقوى من الأولى، وأفعل من الأولى، حيث كانت وراء عزل الحاكم المنتخب شعبيا، وهو الذي لم تكن له رؤية، والذي تأخر كثيرا في الاستجابة لطلبات الشعب حتى فات الاوان. أما الاعلام فقد استمر بعضه، خصوصا بعد الثورة الأولى في تعميق الكراهية والحقد في المجتمع وتصوير الآخر مهما كان على أنه شيطان لا يستحق الحياة، رغم ان الشيطان قال للخالق سبحانه وتعالى ‘ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ’.
رأينا فتاوى شاذة على المنابر وفي برامج كثيرة وفي التلفزيونات، وظن الاسلاميون أن الارض قد دانت لهم وحانت ساعة الانتقام من الليبراليين والعلمانيين، وبعضهم للأسف الشديد سقط في إزدراء الأديان السماوية الآخرى، فقدموا أسوأ النماذج التي لم يكن يتوقعها الاسلاميون أنفسهم، وظنوا أن لديهم مفاتيح الجنة ومفاتيح النار يدخلون من يشاءون في رحمته، ويأمرون بدخول من لا يحبون النار. نسوا أصول الدعوة الى الله، وأنها يجب ان تكون بالحكمة والموعظة الحسنة. لمست استعلاءً ذكرنى باستعلاء إبليس عندما قال ‘خلقتنى من نار وخلقته من طين’ ونسي أنه مخلوق، عليه مسؤوليات وواجبات، وعليه أن يستمع الى ما يأمره به الخالق سبحانه، فهذا شأنه ولا علاقة له بالنعم التي ينعم بها الخالق على الآخرين أو يحرمهم منها، فقد يكون ذلك ابتلاء وليس عقاباً، وقد يكون تطهيرا للنفس في المستقبل عندما تدرك دورها في الحياة، وتلتزم طريق الانسجام مع هذا الكون، بكل ما فيه من إنسان يعقل أو حيوان خلقه الله تعالى ليستخدمه الانسان العاقل: ‘وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ’.
هناك من يدعو اليوم إلى مصالحة وطنية أو إلى كلمة سواء بشروط، والكلمة السواء لا تحتاج الى شروط مسبقه، وهناك من يظن أن السلطة قبل الدعوة، ولا يدرك أن السلطة بمحاذيرها ومنزلقاتها هي آخر ما ينبغي أن يفكر فيها الاسلاميون، فلا بد من فترة تنتشر فيها مفاهيم وقيم الاسلام مع القيم الانسانية السائدة اليوم، ويثق فيها الناس كل الناس، كما يثقون على الأقل في قيم النظام الديمقراطي.
لقد ضيق الاسلاميون على أنفسهم المجتمع الواسع كثيرا، ولم يقدروا فضل الله عليهم وعلى الناس؛ كما جاء في الآثار: ‘فضل الله على الناس واسع، فمن زعم أنه مقصور في أضيق العصور، فقد حجر واسعا ورمى بالتكذيب، والليالي حبلى يلدن كل عجيب’.
ضيقوا عليهم المجتمع الواسع، فكرههم الناس اليوم بعد أن كانوا موضع حب واحترام بسبب ما قدموه سابقا من تضحيات وقيم، وما تعرضوا له من مظالم، وضيقوا عليهم المساجد بعد أن كانت وزارة الأوقاف معهم بالكامل، وضيقوا عليهم الدنيا الواسعة التي تحركوا فيها بفضل الله أولا وأخيرا، ثم بفضل ثورة 25 يناير. ضيقوا الأمور مع الأزهر ومع الكنيسة ومع الأحزاب السياسية الأخرى ومع القضاء والاعلام، وظنوا أن الأمور كلها قد دانت لهم، ونسوا كثيرا من أخلاقيات السلوك وثوابت العمل، فسلط الله تعالى عليهم شباب ‘تمرد’ وثورة 30 يونيو الذين استدعوا القوات المسلحة للتدخل، ووضع الأمور في نصابها.
وهم اليوم يقرأون المشهد أيضا قراءة خاطئة، حيث ظنوا أن ‘تمرد’ و30 يونيو زوبعة في فنجان فوجدوها تسوماني، ومن لا يحسن التقدير، ولا يرى الواقع الشاهد أمامه، قد لا يستطيع أن يرى المستقبل فيقع في المحظور، وها هي قيادة الاخوان تقودهم الى الواقع في المحظور، يظنون أن الاعتصام والعنف وخطاب التكفير وقطع الطرق والكباري تفيد في عودة مرسي وهذا تفكير ضيق، قد يكسبون به في ميدان السياسة بعض الشيء، ولكنهم بكل تأكيد يخسرون في ميدان الدعوة كثيرا، وهي الأصل في التوجه الاسلامي كله.
سنة كاملة والاسلاميون فيها في الحكم، فلم يدفعوا الوطن الى الأمام قيد أنملة؛ ويريدون أن يصبر عليهم الشعب ثلاث سنوات أخرى، استكمالا لما يرونه من الشرعية، ولكنهم لم يروا من الشرعية الجانب الآخر وهو الأهم، أقصد جانب إقامة العدل وتحقيق المساواة وإتاحة الحريات الكاملة، وتحقيق حقوق الانسان والاهتمام اللائق بالأقليات وتحرير مصر من الهيمنة الغربية وتنميتها وتحقيق متطلبات الثورة، لم يروا كل ذلك، وكأن سنة كاملة من عمر 90 مليون مواطن ليس لها قيمة، ولا ينبغى أن تدور حولها أسئلة واستفسارات وتقويم للأداء واعتراف بالخطأ. الزمن لا يعود الى الوراء.
والله الموفق
كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية