قد يكون البحث في بدايات الرواية العربية قد استقر وسكن إلى مسلمات كثيرة. فـ»حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي يعتبره الكثيرون محاولة غير ناضجة لإطلاق الرواية العربية .لم تستطع تجاوز التراث السردي العربي وتقاليده، وهي لا تستجيب لمقومات الكتابة الروائية مثلما حددتها الإنشائية الغربية.
هي البداية الفاشلة التي لم توفق في ممارسة اللعبة الروائية، مثلما ترتضي نظرية الرواية الحديثة على المستوى الشكلاني خصوصا. فالرواية تظل متهمة بالفوضى الحكائية، وبالتمزق وبساطة البنية السردية. فما يجمع بين نصوصها أساسا هو شخصيتا الباشا وعيسى بن هشام – تحدثنا الرواية عن التقائهما في المقبرة لقاء عجيبا، وانبعاث شخصية الباشا من القبور ومرافقتها لعيسى بن هشام – أما بقية الشخصيات فعابرة ينقضي الحديث عنها بمجرد نهاية دورها في فصل أو واقعة ما. أما الأحداث فمتفرقة ولا يجمعها غير ترتيب زمني، إذ ليس بين أكثرها تتابع وتفاعل، فتكاد الرواية تكون مشاهد عابرة لواقع المجتمع المصري، في مرحلة أولى والمجتمع الباريسي في مرحلة ثانية.. ويبخس حديث عيسى بن هشام بسبب لغته التي لا تقوم على الأدبية الحديثة، وتنهل من جماليات النثر العربي، فالمويلحي يقيم لغته على المحسنات اللفظية البلاغية، من طباق وجناس وتورية وسجع، وغير ذلك مما يستحسنه العرب، إضافة إلى شيء من اللهجة المحلية، لذلك لم يتفق النقاد على اعتبار هذا العمل رواية، وحصل جدل حول جنسه الأدبي، وقد تم تجاوز ريادته وأهميته في تاريخ السرد العربي، بظهور رواية «زينب» التي عدت إطلاقا حقيقيا للرواية العربية وفاتحة زمن سردي عربي جديد.
والحقيقة أن غلبة التراث السردي وتقنياته تجعلنا نعيد التفكير في مسلمات ما قيل حول رواية «حديث عيسى بن هشام»، وربما حول نظرية الرواية عموما.. فما في الرواية من أسلوب ومضمون ليس غريبا في مجمله عن الظواهر السردية العربية، ولا عن الخيال السردي العربي التقليدي، ولا يقطع مع التراث السردي العربي، ولا يحمل علامات واسعة للتبشير بانبعاث جنس أدبي جديد.
ألف العرب ثنائية السند والمتن والنثر القائم على المحسنات اللفظية البلاغية، والحكي القائم على مشاركة الذات الكاتبة في الأحداث، وألفوا البنية السردية المفككة التي تحافظ على مكون سردي، ما يجمع بين النصوص.
فقد ألف العرب ثنائية السند والمتن والنثر القائم على المحسنات اللفظية البلاغية، والحكي القائم على مشاركة الذات الكاتبة في الأحداث، وألفوا البنية السردية المفككة التي تحافظ على مكون سردي، ما يجمع بين النصوص. فبعض السرد العربي القديم يوحده المكان، مثل بخلاء الجاحظ البصريين، والبعض الآخر تجمع بينه بعض الشخصيات، مثل شهرزاد وشهريار في قصص «ألف ليلة وليلة» وابن القارح في «رسالة الغفران». فنحن اعتدنا في المصنفات السردية العربية القديمة على هذه الطريقة في تأليف العمل السردي بالمحافظة على بعض مكوناته السردية، ومرافقته مع شخصيات ثانوية سريعة الاختفاء لا يعمر أكثرها، أكثر من فصل واحد، والمقامات وبخلاء الجاحظ ورسالة الغفران خير تجسيد لهذا. أما على مستوى المضمون فاعتدنا في السرد العربي حكايات الانبعاث بعد الموت مثل ما حصل للباشا، وألفنا مغامرات الشخصيات في المجتمع بما يكشف أخلاقها وقيمها واهتزازها وهو ما ميز شخصيات سردية عربية عديدة. فليس غريبا في السرد العربي القديم هذا القص الساخر، وذلك الترافق بين الراوي وشخصية ما في سفر، وليس غريبا نقل مشاهدات الرحلات، وهي الجنس الأدبي الذي له مكانته في الثقافة العربية.
بهذه الاعتبارات يبدو الحديث تواصلا عميقا مع الماضي السردي، فلا غرابة فيه ولا اختلاف له عن التراث السردي القديم، فالمدونة العربية القديمة تعج بكتب على هذه الشاكلة وبهذه القيم وهذه اللغة.
لا شيء غير عتبة رواية على غلافه تحيلنا على انتقال الكتابة السردية العربية، فنحن أمام رواية على المنوال السردي القديم، تستمد عوالمها وأساليبها من أجناس سردية قديمة.. ففي حديث عيسى بن هشام تتداخل الأنواع السردية القديمة، من مقامات وأدب رحلة ومسرح ونادرة، وتحضر لغة السرد العربي وأساليبه، وتحضر الثقافة العربية بوعظها وتعليمها. وهو ما يدفعنا إلى القول بأننا أمام رواية بخطاب حواري، حسب المفهوم الباختيني، ولكن حواريتها تقتصر على الأنواع السردية القديمة… فهل يمكن القول بأنها كانت بداية للرواية العربية؟ أليس من الأحرى اعتبارها خاتمة الأعمال السردية العربية القديمة؟ فبعد صدورها طغت الأنواع السردية الجديدة وتقنياتها، فلاحت الرواية والقصة القصيرة، واختفى المنوال السردي القديم، ولم تعد نماذجه لتظهر ولتكتسب مشروعية نقدية إلا مع انبلاج التجريب الروائي، وميل جانب من المجربين إلى إخصاب نصوصهم بالتراث السردي.
لعل سؤالا آخر يتبادر إلى الأذهان: هل من المنطقي أن نواصل تصنيف هذا العمل باعتباره رواية تنتمي إلى الجنس الروائي؟ أم نعيد التفكير في صلته بالنصوص السردية العربية الطويلة، التي لا تستجيب لمعايير الرواية، والتي تتخذ لها تصنيفات أخرى؟
هذه الافتراضات يجب عدم اعتبارها مزيدا من بخس هذا العمل، ولكنها تفكير ما في انتمائه الأجناسي، وهو ما لا يخفي الكثير من النقاط المضيئة، التي اتسم بها هذا العمل، لكن الأسئلة حول مرجعه وخطابه قد غيبتها. فرغم هذه القدامة ففي حديث عيسى بن هشام الكثير من حوارية باختين، والكثير من النقد الجريء للمجتمع والسلطة وهو عمل يستحق دراسات جديدة ترفع عنه بعض الضيم.
٭ كاتب تونسي