«حذاء إسباني» رواية التونسي محمد عيسى المؤدب: السردي والوثائقي بين بنية الشتات ومنطق التوجيه

عادل ضرغام
حجم الخط
0

يعيدنا التونسي محمد عيسى المؤدب في روايته «حذاء إسباني» إلى الخوف المتأصل في ذاكرة الشعوب من التوحد بين أنظمة الحكم والدين، وينبهنا إلى ما يمثله ذلك من خطر، فسيطرة التوجه الأصولي يولّد القمع والفتك بالمغاير والمخالف بطريقة وحشية، وذلك من خلال وقوفه عند الحرب الأهلية الإسبانية، وتفوّق القوميين في صناعة تحالف رجعي أصولي، خاصة بعد دعم ومساندة النازية والفاشية من خلال إيطاليا وألمانيا للقوميين، ووقوف الاتحاد السوفيتي بجانب الجمهوريين والشيوعيين والاشتراكيين والأناركيين، مع بداية تشكل حزبهم المناهض والمقاوم، فقد كان ينظر إلى هذه الحرب في بعض المقاربات إلى كونها حربا للحفاظ على هوية الدولة الكاثوليكية المحافظة، لارتباطها بتوجه رجعي أصولي.
تعيد الرواية تأسيس قصة مانويل قريقوري الضابط بالمشاة البحرية الإسبانية في فترة الحرب الأهلية التي بدأت في 1936 وانتهت في 1939م باعتراف الدول بحكومة القوميين بقيادة فرانكو، حيث يهرب من بطشه ومعه عدد كبير من زملائه من الضباط والمدنيين إلى بنزرت، ومنها إلى قليبية، وتصنع لها ذاكرة من خلال السرد القائم على الخط الآني المعاصر بصوت أنور قاسم، والوثائق الموزعة بين الرسائل المشدودة لراهنية زمانها والمذكرات التي يشكلها الكاتب من خلال صوت الشخصية الرئيسة، لإكمال الحكاية المشدودة للخيالي والواقعي في آن، والرواية منفتحة في كل ذلك ثقافيا واجتماعيا وسياسيا على بلدين، إسبانيا بلد النزوح، وتونس بلد المأوى.
الرواية تحتفي بحياة المهزومين الذين أجبروا على الإزاحة خارج أوطانهم، فتعيدنا – وإن لم يكن التوجه إلى ذلك بشكل مباشر- إلى حالة التعايش والاستيعاب التي كانت متاحة في فترات سابقة، حيث هناك قدرة على صهر الاختلاف في الدين إلى وحدة في إطار التنوع، قبل سيادة النعرات الدينية الخاصة بالتمايز والتفوق لدى أصحاب كل دين. فقارئ الرواية يدرك أن هناك تركيزا على الجنسيات المسيحية من إيطاليين وإسبان وفرنسيين، وهؤلاء شكلوا طبقة للمكان، وقد أصبحوا وجها لافتا من وجوهها اللامعة الماضية، فرحلة الضابط الإسباني مانويل وهروبه إلى بنزرت، ومنها إلى قليبية هي الأساس، ولكن داخل هذا الإطار الكبير تتشكل إطارات أخرى مساوية وموازية، وكاشفة عن المكان والبشر، وعن مساحة التعايش اللافتة للنظر من دون حساسية نرى اليوم صورا لها.

الشتات: المشابهة وثنائية العالم

في كتابة سيرة هؤلاء المهزومين والهاربين من جحيم الحرب الأهلية في أوطانهم ثمة جزئيات تتشكل في إطار متوال داخل السرد الروائي، من خلال مذكرات ووثائق مانويل قريقوري، وأول شيء يقابلنا يتمثل في وجود خلفية دائمة لحالة الإزاحة والتشرد الدائم، حالة أكثر عمومية لا ترتبط ببلد محدد، ففي إطار الحكاية الأساسية الخاصة بضابط المشاة الذي ينتمي للجمهوريين هناك تماس مع حكايا فرعية كاشفة عن الشتات الدائم كأنه قدر، فشخصيات الغجر الذين ينتمون إلى إسبانيا بموسيقاهم الصاخبة، تأتي وكأنها موسيقى تشكل دائما روحا متشظية لفكرة الشتات، ولفكرة النقصان الباحث عن الكمال الذي يرتجيه، فيتحول ذلك إلى محاولات استقواء وإثبات للوجود من خلال الحركات القوية والصخب في أغانيهم ورقصاتهم، فيحيل كل ذلك إلى معنى إنساني أشمل للوجود.
فحين يبدأ مانويل قريقوري عمله في صناعة الأحذية في قليبية، ينصت إلى صوت جاره جوانينو الذي اشترى أول حذاء من صنعه يصف هذا الصوت في مذكراته قائلا: «ذكرتني نبرة صوته الهادئة بتاجر إيطالي في شارع كالي غسبرت بكارتخينا». فهناك دائما عالم جاهز مختزن داخل هذه الشخصيات يتمّ استدعاؤه مع كل مشابهة، ففي الأمطار القوية أثناء حمله لفرجينيا كوفنساو بعد تأثرها بالإفراط في الشراب يقول مستدعيا أمطار مدينته الإسبانية: «منذ استقراري في قليبية لم تصادفني مثل تلك الأمطار، ذكرتني بعواصف المينارة وأمطارها الطوفانية التي تستمر أياما، تبتلعها المجاري والأودية والسدود».
يأتي الإبقاء على الطقوس في المأكل والملبس والأزياء وألوان هذه الأزياء فعلا جزئيا من أفعال استيفاء واستمرار النمط السائد في العالم القديم، فاستحضار الطقوس يتمثل في الجزئيات العديدة التي يهتمون بها كأنها جزئية من جزئيات التراث الكاشف عن هوية قديمة تتمدد، للمحافظة على الروح الإسبانية، فمانويل حين يتحدث عن الألوان الخاصة بالحذاء الذي صنعه لإيزابيلا يكشف عن ولع بالألوان الإسبانية الشائعة، لتكريس النمط وخلْق حياة وروح شبيهتين بالحياة والروح في إطار التكيف السابق يشير قائلا: «قبل أن تغادرني كان عليها أن تفتح صندوق الورق المقوّى الأبيض الشبيه بصندوق حلوى، عندما اكتشفت حذاء لا يشبه أحذيتها، حافظتُ على اللون الأحمر الغامق، ومنحته روحا إسبانية في جزئه العلوي».
فسلوك الشخصيات التي تعرضت للإزاحة الجبرية يمثل سلوكا ضد النسيان، يحاول دائما إنعاش الذاكرة من خلال أفعال عديدة تجعل الحكاية متداولة بالسؤال والإجابة والاستفسار، من خلال الوعي بمخالفة النمط الذي يبدو السير وفق حدوده المسيجة منطقيا. أما الآلية الأكثر وضوحا ودلالة على هذا التوزع بين عالمين فتتمثل في محاولة صناعة عالمهم الآني المحيط وفق جزئيات ومكونات عالمهم القديم، ففي توطنهم بمكان المأوى يلحوّن على استنبات وتشكيل مكوناته من جزئيات وبشر وحيوانات تقربهم من أفقهم القديم وتجعله حاضرا، وتثبت نوعا من الاتصال، من خلال الارتباط بشخصيات يشابهونهم في النقصان والحاجة إلى الاكتمال، أو من خلال استخدام الأسماء ذات الوهج القديم المطبق، لكي يكفلوا- فوق إثباتهم للحنين والارتباط- وجودا خاصا يقلل حدة الشعور بالغياب.
فالرواية من صفحتها الأولى تعدّد الأشياء السبعة التي رافقت مانويل (حذاء رامون، وكنش لوسيا، ومصباح كيروسين ماريا، وصندوق خشبي، وقبعة سوداء، وصليب نحاسي، وهيكل قنفذ بحري)، وهذه الأشياء تتخطى حدود طبيعتها المادية الجامدة، لتصبح إرثا للذات، وكاشفة عن حكايتها والإزاحة والويلات التي رافقت وجودها التي يجب أن تروى من خلال هذه الجزئيات التي تطل بوصفها مرتكزات مفصلية في الحكاية، لتعيش في الذاكرة الجمعية متخطية الأعراق والأجناس لتتحول إلى فكرة مناهضة، تنبّه وتساعد على الاختيار في اللحظات الفاصلة الشبيهة بسيادة الاستعلاء والشوفونية والواحدية لدى أي انتماء أصولي  في راهنيته الحضارية.
ففي لحظات الخوف تتشابه المشاعر، ويتولّد والارتباك ذاته، وهذا يوحد بين العالمين الواقعي والمتخيل، والماضي والآني، فيعود إلى لوسيا التي قتلها جنود فرانكو لحظة هروبه، وإلى القطة بيتا التي قتلت معها، وحاول استيلاد وجودها من خلال إطلاق الاسم ذاته على قطة أخرى في عالمه الآني، وكل ذلك يمثل محاولات استبقاء وصناعة عالم متفلت ينسرب للنسيان.

السردي والوثائقي:
منطق التوجيه السردي

قارئ الرواية سوف تلحّ عليه بالضرورة طبيعة البناء الخاص بالرواية، وتوزع الأصوات الساردة بين السرد التصاعدي النامي، وسرد المذكرات والوثائق، فهناك تعدد للرواة، بداية بأنور قاسم بحكايته المشدودة إلى تونس والمنفتحة على الآخر بشكل خاص، ومرورا بمانويل قريقوري من خلال مذكراته ووثائقه ورسائله، وانتهاء بصوفيا حفيدة فلوريدا، وبفلوريدا ذاتها في نهاية الرواية.
فخطاب الوثائق الخاص بالمذكرات يتيح نوعا من القراءة للحدث القديم، لأنه خطاب لا يكتفي بإكمال الفجوات أو الشذرات المفقودة، ولكنه يضيف- انطلاقا من لحظته الآنية وشعوره بشيء من الأمان بعيدا عن خوف المطاردة- محاولات للقراءة والتأويل، ونجد في هذا الخطاب ما يكشف عن ذلك، ففي استعادته لمقتل لوسيا يقول «هل كنت أبكي في تلك اللحظات؟ أم كنت ألهث وأرتعش؟ لا أتذكر لا أتذكر». فالمدى الزمن الذي يفصل بين لحظة المرور بالحدث ولحظة التدوين حاسم، لأن ذلك مشدود لماض سحيق، قد تغيب أجزاء من الحادثة أو تطل على نحو مشوش، ولكن يبقى الأثر حاضرا، ففي استحضار ليلته الأولى في كازينو إيزابيلا في تونس: «تلك الليلة غسلتني من التعب والخوف والألم ورائحة الموت».
إن حضور القراءة والتأويل في نسق المذكرات يوجهنا نحو عمليات التحبيك أو التوجيه التي يقوم بها النص الروائي برهافة شديدة، وخطوات محسوبة للتشويق والإغراء بالقراءة واستكمال العمل، وذلك من خلال إشارات تدريجية تفتح أفق توقع ينمو ويتمدد، ولكن القارئ في النهاية يجابه بحقيقة مغايرة لهذا المتوقع الذي مهد له النص الروائي بالتدريج. وربما تكون فكرة التدرج في الكشف وإحالته إلى التشويق الدائم مرتبطة في الأساس بمنطق البناء السردي القائم على التراكم من خلال بث جزئيات على مسافات متباعدة في النص، وما يحدثه من بناء سردي متنام كاشف عن الترابط دون نقلة تؤثر على هذ البناء أو تقلل من منطقية حركته.
فالإشارة في بداية النص الوثائقي إلى ارتباط مانويل بأخيه سيباستيان، وتدريبه في متجره على صناعة الأحذية تمثل إشارة أولى، ولكنها ليست عارية من الدلالة، إذ تطلّ بوصفها تمهيدا بنائيا له مبرراته الفنية في الحركة السردية القادمة، وفي فتح نافذة جديدة للخروج من ظلام المنفى والإزاحة، لأن هذا العمل (صناعة الأحذية)، سوف يصبح حرفة لمانويل، تنقذه وتفتح له أبواب التكيف والاستمرار في قليبية، ومن ثم تأتي النقلة التالية منضوية داخل إطار تمّ التأسيس والتسويغ له بنائيا قبل ذلك، فيأتي التعاظم على الأزمات وتخطيها مبررا، وتصبح عملية التوطين داخل أرض المأوى منطلقة من قدرات ذاتية مكتسبة لشخصية البطل.
توجهنا الإشارات الجزئية في السرد النامي الذي يتحكم في تجليه أنور قاسم في بناء أفق توقع خاص بانتساب صوفيا إلى إيزابيلا أكثر من فلوريدا، قد ضاعفت الرواية من نمو وتمدد هذا التوقع من خلال الإشارات المتوالية، ففي اللقطة الأولى يشير النص إلى كونها «ظلت مندهشة وهي تستمع إلى تفاصيل كثيرة، ولا سيما تفاصيل إيزابيلا، وانتبهت إلى دموعها المنهمرة»، وفي اللقطة الثانية تشير الرواية إلى حالتها عند قبر إيزابيلا «توقفت عند قبر إيزابيلا همست ببعض كلمات، واضعة يديها على وجهها»، وفي اللقطة الثالثة تقترب الرواية من إضفاء مشروعية على هذا التوقع، فنراها تقول لأنور مبدية رغبتها في الرقص بدار مانويل القديمة في (باب بلد) قائلة «ولكنني أرغب في الاستماع إلى الموسيقى لأرقص، كما رقصت إيزابيلا لمانويل رقصة الفلامنكو، هل تعرفها؟».
إن رواية المؤدب «حذاء إسباني» لا تقارب الحكايات المنسية الإسبانية لذاتها، وإنما تقاربها انطلاقا من اهتمامها بسياق معرفي يرتبط بالذات الجمعية التي كانت متورطة بالانفتاح على الآخر، واستيعاب التعدد والتنوع وفق منطق إنساني عام، لا يحفل بالأعراق، ولا بالخلافات الحادة بين الأديان انطلاقا من شوفينية مقيتة تولد الصراع، نتيجة لإيمانها بتفردها، ويقينها الحاد بالتميّز، فالرواية خطاب مقاومة للاستعلاء الفاشي من خلال (حذاء مانويل) الذي يأتي بوصفه وسيلة من وسائل الحياة والفرح، في مقابل (حذاء فرانكو) أداة التعذيب المتكررة دائما في صفحات التاريخ الدموي التي يجب أن نواجهها، ونحلل أسباب وجودها لمقاومة استمرارها وتكرارها.

محمد عيسى المؤدب: «حذاء إسباني»
مسكيلياني للنشر والتوزيع، تونس 2020
307 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية