يوم الزفاف، الذي تمتزج فيه السعادة والحب بلحظات من الأمل والأحلام، هو الوقت الذي تنطلق فيه الحياة، بشكل جديد للعروسين. يتألقان بأجمل أزيائهما ويقطعان وعدًا بالحب والولاء، لكن في بلدة الحمدانية، شمال العراق، تحولت هذه الأحلام الجميلة إلى كارثة مأساوية ستبقى في أفق الذاكرة.
كان اليوم، الذي انتظره العروسان بشغف عبارة عن كابوس في براكين اللهب وسحب الدخان الأسود، حريق هائل التهم قاعة الأعراس، يظهر الفيديو المتداول على نطاق واسع أنه لم يكن أمام الجميع سوى لحظات معدودة للهروب من هذه الكارثة المشروعة، دون إنذار أو وقت للتفكير، ما هي إلا دقائق معدودة حتى قتل نحو مئة وعشرين شخصًا بين الاحتراق والاختناق، فيما أصيب العشرات بجروح.
ما أن تتأمل اللحظات الأولى للحادث، حتى تدرك كيف اجتاحت الصدمة المكان وانعكست على وجوه العروسين، وفي لحظة أدرك الجميع أن ألسنة النيران، التي شبت بعد الألعاب النارية، ليست جزءا من برنامج الحفل، أو نتيجة تماس كهربائي، أو خلل ما، لم يكن هناك سوى ملامح من الذعر في وحي المكان، وهنا انقلبت الأحلام رأسًا على عقب، من الفرح الى الفجعة، التي لا تُصدَّق، فمن يتوقع أن يكون حفل زفافه بهذه النهاية المأساوية، وبهذا الفقد من الأرواح البريئة؟ غمرت مواقع التواصل مقاطع فيديو للحفل وما سبقه من تحضيرات وما تلاه من مأساة أدمت قلوب الملايين، بين من يبحث عن شقيقه بين بقايا الجثث المحروق، ومن ينادي بأعلى الصوت على أمه، حاملا ما تبقى من ملابسها، في مشهد إنساني يصور العجز أمام حجم الفقد، وهو من كان ينتظرها لتخبره عن أهازيج العرس وزغاريدها فيه.
أما العروس والعريس، فقد شغل مصيرهما الرأي العام، وقد ظهرا في مراسم دفن أحياء، لكن على نحو لا يوصف. كانا كأنهما يبحثان عن إجابات على أسئلة لم تكن تتبادر إلى ذهنيهما في يوم زفافهما، فالحريق الذي اجتاح قاعة الأفراح في الحمدانية غيّر مجرى حياتها، بشكلٍ لا يمكن تصوره، بدلاً من الزهور والفساتين والتصفيق، شاهدا الدخان والرعب وفقدانًا مفجعًا لأشخاص أحبوهما. حادث الحمدانية، الذي أضيف الى تاريخ العراق كواحد من أسوأ أيامه، التي تشبه أحداث الإبادات الجماعية، يُذكِّرنا أن الحياة تحمل في طياتها غمرة لا يمكن التنبؤ بها، ويظهر مدى هشاشة الواقع وكيف يمكن للأمور أن تأخذ منعطفات غير متوقعة في لحظة واحدة. العراق، بلد ذو تاريخ عريق وأمة قوية، تعرض مرارًا وتكرارًا لمصائب كبيرة وتحديات صعبة، وللأسف، فإن تلك التحديات تشمل أحيانًا كوارث تأتي بلا سابق إنذار وتتسبب في خسائر بشرية فادحة. مثل هذه الكوارث تجعلنا نتساءل عن الأمان والسلامة التي تغيب مع تفشي الإهمال والفساد واللامسوؤلية، فالحادث الأخير هزّ العراق وأرق القلوب، فيما اشارت التحقيقات الأولية إلى أن الألعاب النارية والأقمشة السريعة الاشتعال كانتا من العوامل الرئيسية وراء هذا الكارثة. لكن الأمور لم تكن مقتصرة فقط على ذلك، بل كانت هناك أيضًا مخالفات في مجالات السلامة والإخراج الطارئ.
لم تكن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها في العراق، إذ أن مشاكل السلامة والالتزام بالتعليمات تظل مشكلة دائمة في البنى التحتية العراقية، خاصة في قطاعات البناء والنقل، بالإضافة إلى ذلك، تعاني البنية التحتية من سوء الحالة العامة نتيجة سنوات طويلة من النزاعات والتقلبات.
نعم مصير البشر لا يمكن التنبؤ به، لكن حتما لو توفرت التدابير الاحترازية ومخارج الطوارئ المناسبة، مع سعة القاعة، التي رُخصت بالواسطة وأعيد فتحها بالرشاوى، بعد شكاوى الإغلاق حتما ما كنا أمام هذه الفاجعة واللحظات الحزينة، التي نتذكر فيها الجرحى وندعو لشفائهم العاجل، ونصلي من أجل أرواح الضحايا الذين فقدوا ببالغ الأسى.