على أي حال عُدت يا عيدُ!

في قلب العاصفة وبين جدران الواقع وشاشات الأخبار والتواصل الاجتماعي، تتجلى أعمق أزمة ومعاناة إنسانية في تاريخنا الحديث، عنوانها غزة وشعبها المحاصر الجائع الأعزل.. لمن لم يصله الخبر بعد؟!
هل حقا هناك من فاته الخبر؟ أو من لم ير مشاهد القتل والدمار والاستهداف المباشر طوال الشهور الماضية، ولو صدفة، وهو يقلب صفحات مواقع التواصل الاجتماعي على الأقل؟
بتنا أمام نكتةٍ ساخرة عنوانها الصمت المطبق أو التفاعل المحدود من جانبِ بعض الحكومات والمجتمعات، التي تبدو في أحيان كثيرة منهمكة في دوامة الحياة اليومية والمناسبات الوطنية والاجتماعات التقليدية، متناسية أو عاجزة عن مواجهة الأزمات الإنسانية التي تعصف بأشقائهم بشكل يومي.
أزمة بل أزمات لا يستوعبها العقل البشري أصبحت تمر مرور الكرام دون تسجيل مواقفَ ترقى لحجم المعاناة وجرائم الحرب من قبل احتلال أثبت بكل المعايير التي شوهت أنه فوق القانون فوق الجميع، حتى هؤلاء الذين يخطون خطوات خجولة تحت بند ما يسمى تبرئة الذمة أمام شعوب غاضبة حينا وأخرى، اعتادت المشهد حينا آخر، لعل حظا أوفر يأتي في انتخابات مقبلة فلا شيء أعز وأغلى من كرسي الرئاسة.
الخذلان السياسي لغزة لا يكمن فقط في فشل المجتمع الدولي في إيجاد حل دائم وعادل ينهي معاناة المدنيين، ويعيد لهم حقوقهم المسلوبة، بل أيضًا في الاستجابة الباردة أو المتذبذبة من جانب الكثير من الدول التي ترتبط بتاريخ طويل من النضال المشترك مع القضية الفلسطينية، فعلى مر السنين، شهدنا قممًا ومؤتمرات عديدة تعهدت بالدعم والمساندة، لكن نادرا ما تُرجمت هذه الوعود إلى خطوات ملموسة تخفف من وطأة الأزمة على الأرض، ولعل حرب غزة أتت لتكون الاختبار الحقيقي لكل تلك الكلمات والخطابات، التي كانت وما زالت حبرا على ورق.
مؤخرا كصحافية ومؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، كما أُصنف.
بت أجد نفسي محاصرة بين ثنائيات معقدة: الحقيقة ومسؤولية نقلها، الحزن العميق وواجب الاستمرار، الصمت المؤقت وتوقعات الجمهور اللامتناهية.
ففي الوقت الذي يبدو فيها العالم منشغلاً متخاذلا متواطئا تصبح الأحداث الجارية في غزة مهما بلغت من دموية ووحشية تصبح نداء صُرخ في صمت فهل يحيي الضرب ميتا؟
صرخنا مع صرخات أمهات غزة حتى بُحت الحناجر.. نزفنا الدموع مع كل قطرة دم طاهرة سالت على أرض غزة.. على مدار الساعة نقلنا ما استطعنا من صور ومشاهد اعتقدت أنا وغيري أنها ستحرك العالم أو تحدث أثرا، لكن «مكانك قف»!
أيامٌ معدودة ونودع شهر رمضان المبارك الذي اعتدنا كل عام أن يكون محملاً بأجواء من الروحانية والتقارب بين الأحبة، وتليه فرحة العيد التي تعم البيوت بألوانها وزينتها، كنا نجتمع حول موائد الإفطار، نتقاسم الضحكات والأحاديث، ونتبادل الهدايا تحت سماء العيد. ولكن هذا العام نشعر بتأنيب الضمير، كيف حالهم يا الله في الأراضي التي تغني بالصمود والتحدي، حيث تعيش غزة يومها، كيف يفطر الصائم فيها؟
كيف نأكل في رمضان وأهلنا في غزة جائعون؟
الجوع في غزة ليس مجرد إحساس مؤقت ينتهي بملء الصحون، بل هو حالة مستمرة تفرضها الظروف القاهرة والحصار وشح الماء والغذاء والصيام يمتد ليشمل الحرمان من أبسط مقومات الحياة. فكيف يمكن لنا، في أمان بيوتنا ووفرة موائدنا، أن نتجاهل هذا الواقع المرير؟ الواجب الإنساني والأخلاقي يفرض علينا التفكير والعمل على تقديم يد العون والمساعدة لهم، سواء كان ذلك من خلال التبرعات، أو الدعوات، أو حتى نشر الوعي حول معاناتهم، كيف نحتفل بعيد الفطر وهم مشتتون؟
ووسط ضجيج الحياة اليومية للمتابعين على مواقع التواصل الذين كانوا وما زالوا الأمل الوحيد للتذكير بمرارة الواقع في غزة اختار بعضهم أن تكون بيوتهم بيوت عزاء تقدم القهوة السوداء وترتل القرآن رحمة للشهداء، بعض آخر قرر أن يحتفل بخجل مع التبرع والدعاء، فيما آخرون اعتادوا المشهد. فلا غزة ولا أهلها على البال ولا على الخاطر كبعض المسؤولين الذين اتقنوا دورهم في مسرحية التعاطف الموسمي مع غزة.
وعلى أي حال عُدت يا عيدُ؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية