حراك الجزائر: قلب حار وأيد مكتوفة والجميلات يغيرن المشهد ويصنعن النكت

معذرة لكل الطروحات السياسية المتلعثمة، لكل المثقفين الذين انساقوا خلف تلعثم السياسيين. معذرة لكل من خرج الى الساحات والشوارع بدافع حب الوطن وعلى طريقته وبفطرة ذلك الحب. بعيدا عن السياسة، التي زادت من حمقها وتعنتها في اللعب بالبشر وضرب عرض الحائط بكل المواثيق. تخرج هذه التنهيدة من القلب ترافقها العيون السهرانة شوقا لميلاد وطن جديد يجمع الكل ويؤالف بينهم بعدالة واحترام.
كل العالم اعترف بالحراك السلمي علنا أو ضمنيا، والذي قادته جماهير الشباب. ثم الكهول والشيوخ. ليتوج بأيقونات مختلفة. وبما أنّ الحراك كان، ولا زال، كطوفان جارف للفساد وكل الشر الذي أنتجه، وكما تظهر الأمطار الطوفانية عيوب البنى التحتية المهترئة وسيئة الانجاز كطرق ومشاريع حداد الشرق غربية والشمال جنوبية، كذلك أمطار الأمل وفرحة الحراك عرت عيوب أفكار نخب كثيرة في مجالات مختلفة. وإن كان الحراك سلميا فهو ليعطي الدروس لمن يريد أن يمسح سكاكينه في الجماهير، التي لا تعرف سوى «الهول» وتكسير المرافق، كما عهدنا ذلك بعد كل مباراة رياضية، مع العلم أن من ساروا ليسوا كلهم بمقدار واحد من الثورة على العهدة الخامسة، ولا على ما يعيشه البلد من تفش للفساد والرشوة الضاربة أطنابها في كل مفاصل المؤسسات مهما كان حجمها. هناك من ركب الموج العالي فقط، من المتلونين كالحرباء، من يغيروا في الجاكيتات عند كل منعطف، من لديهم حصانة المكاتب والمراكز وتنميق الكلام، من تشكلوا من أموال الشعب المنهوبة ونحتوا وصقلوا مواهبهم من السلب والتحرش وزرع الأوهام والاشاعات بيننا.
الحراك أسقط نضالات انحرفت على مساراتها، كما حدث للويزة حنون، التي جرفها سيل المتظاهرين ولفظها الشارع. فوضى اتضحت على وسائل التواصل الاجتماعي بين كتاب وجامعيين ومثقفين، ممن ظنوا أنهم أقوياء بفضل حنكة خطاباتهم وكتاباتهم وأسوار أحزابهم ولوبياتهم.
هاهم يتهاوون كقصور رمال بنتها أنامل الصغار على شطآن «آمنة بإذن الله». لطالما اعتبروا الشعب صغيرا فأسقط توقعاتهم وأوهامهم، لذلك فهناك من الكبار من تقدموا الصفوف وفتحوا صدورهم وأهدوا صورهم لكاميرات الأيفونات، ليدخلوا التاريخ من أي باب من أبوابه ولو كانت ضيّقة. انحازوا في آخر اللحظات للمقموعين وممن لم يكن يسمع لهم لدخول المؤسسات والمكاتب إلا إذا لمعوا أحذيتهم ومسحوا عرقهم وأنقوا وبيضوا ياقاتهم. كل واحد يرغب في ركب زاوية من زوايا فضاء الحراك. ولكل من غير نفسه الحق في ذلك.

الجميلات… والوحوش

لن تصبح المرأة جميلة إلا إذا قهرت العدو، وأصبحت بألف رجل، ساعتها يرفع لها المجتمع الذكوري القبعات وينزع عنها معطف السيئات، هكذا التقطت الكاميرات صور النساء بشعور شقراء وجينزات من كل أصناف الموضة وأناقة لا نظير لها. وكأنهن في عرس. وهذا هو المطلوب أن يجملن تلك الأمواج من المتظاهرين من الجنس الخشن. كما تصبح المرأة حرة كالحراير، وسليلة الشهيدات والمناضلات في هكذا ظروف، وفي الظروف الأخرى حدث ولا حرج. ولا مكان لذكر المضايقات والتحرشات والانقاص من قيمتها.
كما ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالجزائر وغيرها لالتحاق المجاهدة جميلة بوحيرد بالمسيرة. إحدى الجميلات الثلاث، توفيت إحداهن وهي جميلة بوعزة – رحمها الله (1938- 2015) وجميلة بوباشا هادئة لا تظهر للإعلام، ولهذا الزمن العجيب إلا نادرا، متواضعة بصوت خافت شجي، لا تغالي في حجم التضحيات التي قامت بها، وهي من ألهمت بيكاسو فرسمها. ينحني الكل بما في ذلك التاريخ أمام امرأة مثلها أيقونة لامعة دوما ولا يعلوها الغبار.
لكن الجميلة الثالثة، بوحيرد، وفي الفترة الأخيرة أصبحت مثار جدل وسخط على وسائل التواصل الاجتماعي منذ زيارتها لسوريا ولقائها بالرئيس بشار الأسد وتكريمها من طرفه. اعتبر نشطاء وإعلاميون وسياسيون الأمر مشينا، ونعتوه بكل الصفات وبأنه أزال هيبة نضالاتها من أجل حرية الشعوب والتفافها حول من يقتل شعبه.
ومما زاد من توسع رقعة التذمر ضدها، تكريمها في مصر على هامش مهرجان أسوان لسينما المرأة ودخولها أبواب الساسة والسياسيين العرب في ظروف هي الأسوأ من تاريخ الأمة العربية. قهرا وظلما وقمعا. وأن زياراتها ليست سوى تلميع لأنظمة غير مرغوب فيها. وها هي تظهر في الصفوف الأمامية ضد العهدة الخامسة. ربما لكي تستعيد الأيقونة بريقها الذي بهت.
المهم في كل مرة يرغموننا على الدخول في جلابيب أيقونات تجاوزتها الأحداث، تبقى في ذاكرة التاريخ، والتاريخ له ما له وعليه ما عليه. والحراك مستقبلي، فالرجاء ابعاده عن بساط العودة للوراء والانقسامات التي قصمت ظهر مستقبلنا. ما ينطبق على بوحيرد لم ينطبق على شهيد الحراك، حسان بن خدة.
نجل الصيدلي والسياسي والمجاهد ورئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة. يكفيه هذا أن يكون أيقونة هو الآخر، لكنه اختار أن يتظاهر دون أن يعلم الاعلام والمثقفين ممن يطلقون الدعايات لكل من هب ودب. مثقف وابن مثقف وسياسي ومناضل. والذي ما زالت ظروف وفاته غامضة. ولم تكن جراء سكتة قلبية، حسب تصريح أحد اخوته وهو متخصص في أمراض القلب ومدير مصلحة طب القلب في المستشفى. وعائلته والجميع ينتظرون ما ستسفر عنه نتائج الطب الشرعي. كما انتشرت صور والدته وهي منحنية عليه وهو في كفنه يتهيأ للقاء ربه انتشارا واسعا في وسائل الاعلام.
مخاض عسير على كل الأصعدة. على المتسببين أن لا يغادروا، لكن ليحاكموا ويعيدوا ما نهبوا، لإعادة بناء الثقة في البلد والنفس قبل بناء المؤسسات التي أفلسوها. وهذه مطالب الحراك أيضا.

الجميلات الشابات ونكت الحراك

منذ حكم الرئيس الشاذلي، رحمه الله، نسينا النكت السياسية، بالرغم من تلك النكت التي سايرت العشرية الدموية فيما بعد، يأتي الحراك بنكت حية، بدأت بهبة أمل، بعد أن صرخ الجزائري عاليا ربما ليخفض السكري والضغط وليتفادى الجلطات. مقاوما خوفه وكاسرا أسوار حصار عشرية بعبع يلوحون له بها مع كل رغبة في الاحتجاج.
كثرت الفيديوهات وصور نساء في وضعيات مختلفة، ينددن بشجاعة أو يرقصن في لباسهن التقليدي أو بحذاء الباليه، أو بحذاء السهرات. جميلات يوزعن الشوكولاتة والورود على رجال الأمن. مما جعل المنشورات الهزلية والومضات التحذيرية لزوجات رجال الأمن، التحذير من التلاحم الآمن بين الجمال والقوة الرادعة.
كما جاءت نكتة بالخبر اليقين، بعدما طلب أحد رجال الأمن من فتاة كانت تصور الأحداث أن ترسل له الصور على حسابه على الفيسبوك. نجحت الحكاية وارتبطا. ولأن تعليمات الحراك عن أحذية المشي المريحة، اتجهت النكتة للسخرية تماما، للقول عمن تركت حذاءها معتقدة أنها سندريلا فلا مجال لذلك، لأن مقاسها 43. إلاّ أنه يمكن لسندريلا جميلة أن تسقط منها فردة حذاء لرجل «مثالية». في انتظار فارس أحلام يتوج النصر القريب.
كان تركيز النكت على رجال الأمن كون غالبيتهم شبابا ومن أبناء الشعب المقهور وممن أبدوا تفاعلا غير مسبوق مع الأحداث، بين وزراء في لا مبالاة أو خوف يحتمون ببرامج لا وقت لها تماما. لذلك حامت النكت حول رجال حماة الوطن وحول الجميلات المعول عليهن لاحقا في أضخم المسيرات (الثامن من مارس). ومهما يكن فالمسيرة كانت متحضرة ونظيفة.
حاجة المجتمع لمساحات للتنفيس وعلى الملأ، بدت واضحة جدا، لتغيير كآبة سنوات المنع والطوارئ، سنوات تحولت فيها المنازل لثكنات تعلوها الشبابيك والأبواب الحديدية، وصمتت الشرفات وانتكس فيها الياسمين. هوت جدران الصمت والذل وظهر الحب المناوش المناور في الشوارع، ولا يمكن التراجع عما تحقق من انفتاح وحرية بفضل الهتافات والشعارات، التي تقشعر لها الأبدان في كل ربوع الوطن، بل وفي كل بلدان العالم، التي لبست ألوان علم الجزائر. ليرحل من لا يفكر سوى في جيبه وبطنه. ولترحل العصبة الفاسدة. نرجو السلامة للوطن وللبشر.

٭ كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية