حراك الجزائر يتواصل وسط استمرار الغموض بشأن حل الأزمة!

كمال زايت
حجم الخط
2

الجزائر-“القدس العربي”: يتواصل حراك الجزائر للجمعة الخامسة على التوالي بدون أن يتغير شيء في المعادلة المعقدة، فمن جهة الشارع في أوج عنفوانه يحلم بالتغيير وبالدولة الفاضلة، ومن جهة ثانية سلطة مرتبكة وتائهة قدمت، كالعادة، تنازلات في الوقت بدل الضائع، وفي الوقت الذي كان فيه سقف المطالب يرتفع، ووسط هؤلاء معارضة نصفها جاد ونصفها الآخر “تائب” (في الربع ساعة الأخير) مشتتة غير قادرة على صياغة موقف واحد، والأهم من ذلك غير قادرة على مخاطبة الشارع وغير راغبة في مساعدة سلطة تغرق، ووسط كل الأطراف تغيب نقطة الضوء وتواصل البلاد السير نحو المجهول.

تعيش الجزائر أياما ستبقى خالدة في تاريخها الحديث، فشعبها الذي قيل عنه الكثير، ونعت بالكثير من الصفات، خاصة خلال سنوات حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، إلى درجة أن الشعب البوركينابي خرج قبل سنوات ليقول لرئيسه الذي أراد ولاية رئاسية جديدة: “نحن لسنا جزائريين”! كم كانت تلك العبارة قاسية ومؤلمة في حق شعب قبل وصمت لأسباب عدة على ولاية رابعة لبوتفليقة رغم مرضه، ورغم حصيلة حكمه، ولكنه اليوم ولأسباب عدة يصنع أجمل صور التحضر والوعي، إلى درجة أصبح يضرب به المثل ليس في العالم العربي فقط، بل في العالم الغربي، فيكفي أن مظاهرات الجمعة الماضي التي خرج فيها 17 مليون جزائري، حسب بعض التقديرات، سارت بطريقة سلمية، وفي اليوم التالي اشتعلت باريس بمظاهرات السترات الصفراء، التي شهدت أعمال عنف وتخريب وقمع من طرف أجهزة الأمن الفرنسية.

صحيح أن كل هذا جميل ويبعث على التفاؤل، والأمل بغد أفضل، لكن هناك إشكالية بخصوص كيفية إنهاء هذه الحالة وتتويجها بثمرات في مستوى “الانتفاضة” السلمية والحضارية للشعب الجزائري، الذي أثبت أنه يمكن أن يشكل الاستثناء في العالم العربي، وأنه استخلص الدروس مما جرى في دول عربية شقيقة، فالمشهد اليوم يبدو معقدا أكثر من أي وقت مضى، فالانتخابات أجلت بل ألغيت، لأن أي انتخابات ستجرى بعد الـ28 من نيسان/ابريل المقبل ستكون انتخابات رئاسية أخرى، وولاية الرئيس بوتفليقة لم يتبق عليها سوى بضعة أسابيع، وسيكون بعدها رئيسا غير شرعي إن بقي في السلطة، وإن غادر فإن البلاد ستكون على موعد مع شغور في منصب الرئاسة، وعلاجه لن يكون حتما في إطار دستوري، وهو ما يمثل هدما لكل ما بني منذ 1995، أي منذ انتخاب اليامين زروال رئيسا للجمهورية، وبداية مسار إعادة بناء المؤسسات، والعمل على احترام المواعيد الدستورية، بصرف النظر عن نوعية الانتخابات وطرق التلاعب بنتائجها.

كان أمام السلطة ما يكفي من الوقت لمعالجة الأزمة الحالية، فكان بإمكانها سحب ترشيح بوتفليقة وتبرير ذلك بأسباب صحية، مباشرة بعد المظاهرات الأولى التي جرت يوم 22 شباط/فبراير الماضي، وترشيح شخصية تنال الحد الأدنى من القبول، وهو فعلا ما تم الشروع فيه، لكن لسبب ما تم التخلي عن هذا السيناريو، لأن خروج السعيد بوحجة الرئيس السابق للبرلمان، الذي تعرض إلى عملية انقلاب غير مسبوقة من طرف نواب الأغلبية، من صمته، وإعلانه نيته الترشح في الربع ساعة الأخير، بل وتحرك جهات نافذة لتجمع له توقيعات بسرعة البرق، لتمكينه من تقديم ملفه إلى المجلس الدستوري لم يكن اعتباطيا، بل إن العالم بأسره رأى كيف أن بوحجة الذي كان يعقد مؤتمرا صحافيا ليعلن ترشحه، جاء من يهمس له في أذنه، ليعلن بعدها بأقل من ثانية أنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية، وهو ما أثار استغراب وذهول الصحافيين الذين حضروا هذا المشهد السريالي.

اليوم تتجه الأمور نحو مزيد من التعقيد، فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة يريد أن يسلم السلطة لرئيس منتخب بعد عقد مؤتمر جامع، والشارع يريد تغييرا الآن، ولا يثق في سلطة تعودت على الالتفاف والتحايل على المطالب المشروعة للشعب، والمعارضة أيضا في عمومها ترفض المشاركة في هذه الندوة، لأنها غير مقتنعة بالمسعى في حد ذاته، وتعتقد أن أي ندوة تشرف عليها السلطة بعد أن تخمد غضب الشارع، لا يمكن إلا أن تكون لمصلحة السلطة، بالاستيلاء على مطلب الشعب وتحويل كل شيء لصالحها، كما أنه حتى وإن كان استمرار بوتفليقة في الحكم يعتبر منتهيا، إلا أن التخوف من استمرار نظامه من خلال واجهة أخرى، هو الذي يؤرق الشارع والمعارضة على حد سواء.

الأكيد أن لكل طرف في هذه الأزمة حساباته، فالسلطة تراهن على الوقت، وتعتقد أنها قد تستنزف الحراك الشعبي مع مرور الأيام والأسابيع، وبالتالي تسترجع قليلا أو كثيرا مما خسرته، أو على الأقل لا تخسر أكثر، ومن جهة المعارضة ترى أن الزمن أنصفها، وأن السلطة التي طالما احتقرتها وخونتها وقعت في شر أعمالها، وبالتالي لا مجال لمد يد العون لها، وشارع مقتنع بأنه حقق معجزة بالانتفاض سلميا بعد أن كفر بكل شيء، وأنه لا يحق لأي كان الالتفاف حول انجازه ومطالبه ولا يحق لأي كان الحديث باسمه أو التفاوض نيابة عنه، وكل طرف يعتقد أنه إذا صمد أكثر فإن الأمر سيؤول إليه، والوقت يمضي والأيام تتسارع، وموعد الـ28 من نيسان/ابريل موعد انتهاء الولاية الرئاسية الرابعة لبوتفليقة يقترب أكثر فأكثر، دون أن يعرف أحد ما هو الطريق الذي ستسلكه هذه الأزمة، التي تعيشها البلاد منذ أكثر من شهر، فيما بدأ التخوف من أن تأخذ الأمور منحى آخر، لأن هناك أطرافا تريد اختراق الحراك لأسباب عدة، منها من يريد تصفية حسابات، ومنها من يريد استغلال مطالب الشعب لهدم الدولة ومؤسساتها والدفع نحو الخراب، في حين أن الذين خرجوا وما زالوا يخرجون يبحثون عن غد أفضل، وعن جزائر جديدة، وليس هدم كل ما بني على نقائصه واختلالاته، والعودة بالبلاد إلى نقطة الصفر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية